محمود درويش: حبّة قمح تموت.. لتخضرّ ثانية
09 اغسطس (آب) 2014 19:55 | 0 تعليق

الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش - (ذوات)
تونس - عيسى جابلي

الشاعر.. الأرض..

ولد محمود درويش في 13 مارس (آذار) 1941 في قرية البروة الفلسطينية ليكون برأي العديد من النقاد والمتتبعين، الشاعر العربي الأبرز في القرن العشرين. ارتبط اسمه باسم فلسطين حتى صار فتاها المدلل. كتب فيها قصائد ظلت راسخة في الذّاكرة:

سجّل!

أنا عربي

ورقم بطاقتي خمسون ألف

وأطفالي ثمانية

وتاسعهم.. سيأتي بعد صيف!

فهل تغضب؟

غير أن قريته الهادئة سرعان ما سيقوض الغزاة هدوءها لتكون النكبة ويبدأ الرحيل في درب لا ينتهي. ولم يبق لدرويش غير القصيدة فضاء لاستحضار عبير الأرض بمروجها وكرومها ودروبها وأحصنتها الرابضة تحرس الدّور، يعيد بها تشكيل وطن مسلوب محي من كل الخرائط ولم يعد يسكن إلا الذاكرة.

إيقاع الوطن.. نبض القصيد

ستظل قصيدة درويش ملفوفة بعقاله وكوفيته متغنية بفلسطين وشهدائها، وأوراق زيتونها، وشبابيكها العتيقة، وعصافيرها التي تموت في الجليل، يحدثنا من خلالها عن حبيبته التي تنهض من نومها، معلناً أنه عاشق فلسطين الذي محض شعره ليكون أغنية حب ووفاء. لذلك اتسم شعره في مرحلة أولى بالغنائية والوضوح:

يا قارئي!

لا ترج مني الهمس!

لا ترج الطرب

هذا عذابي..

ضربةٌ في الرمل طائشة

وأخرى في السحب!

حسبي بأني غاضب

والنار أولها غضب!

أدرك درويش سريعاً أن الموضوع العظيم والقضية المصيرية لا يخلقان نصاً عظيماً. فضاق بالقراءة الأحادية لشعره وتصنيفه "شاعر الأرض والمقاومة"، كما بحثت قصائده اللاحقة عن فضاءات شعرية أرحب تخلصها من المحلية الضيقة لتكسبها أبعاداً إنسانية كونية، الأمر الّذي جعله من أبرز شعراء العرب، يحيي أمسيات في أغلب العواصم العربية والغربية تعج فيها القاعات بالجماهير وتلتهب الأكف بالتصفيق.

وفي هذا السياق يمكن أن نعد أعماله الأخيرة (الجدارية، لماذا تركت الحصان وحيدا، أثر الفراشة..) أرقى ما بلغته تجربته الشعرية وأنضجها.

من "أنا عربي" إلى "أنا إنسان"..

احتفى درويش أيما احتفاء بالإنسان، فشكل مدار أشعاره، وغدا صوت المشردين والمهجرين من ديارهم وأوطانهم، المنتقلين من مطار إلى آخر، متخذين من حقائبهم وطناً في رحلة انتظار لعودة قد لا تجيء، معلناً انتصاره للإنسان أينما كان، مؤمناً أن الظلم لا بد أن ينجلي رغم ما يلاقيه الإنسان في حياته من حيف وقسوة، فينشد:

يا دامي العينين والكفين!

إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

ولا زرد السلاسل!

نيرون مات ولم تمت روما...

وحبوب سنبلة تجف

ستملأ الوادي سنابل!

غير أن الملامح الفلسطينية المحلية ستختفي في المراحل الشعرية المتقدمة معلنة عن نفسها بالرمز، منفتحة على صورة الإنسان مطلقاً: الغريب والمشرد والمحروم في كل مكان وزمان.

حبة القمح

رغم عبير الأمل الناضح من شعر محمود درويش فإن الموت ظل تيمة حاضرة في مجمل شعره، وهو شدّ ما يعبر عن حضوره في المجاميع الأخيرة. فلئن كان في بدايات تجربته يحضر مواربة باعتبار المقاومة سبيلاً لمواجهة الموت، فإنه، ومنذ مؤلفه النثري "ذاكرة للنسيان"، يغدو أغنية مبثوثة في كل الجمل ليصبح مع الجدارية سبيلا لمقاومة الموت ذاته ومقارعته، فيقول:

أنا حبة القمح

التي ماتت لكي تخضر ثانية

وفي موتي حياة ما..

أثرى درويش المكتبة الشعرية العربية بمجاميع شعرية أهمها "أوراق الزّيتون" (1964) و"عاشق من فلسطين" (1966) و"آخر الليل" (1966) و"أعراس" (1977) و"لماذا تركت الحصان وحيدا" (1995) و"سرير الغريبة" (1996-1997) و"جدارية" (1999) و"حالة حصار" (2002) وغيرها من المجاميع. تحوّلت العديد من قصائد هذه المجموعات إلى أغنيات يشدو بها المغنون واستلهمت منها المعزوفات الموسيقية واللوحات الفنية.

ظل درويش طوال رحلته الإبداعية متجدداً رافضاً الانكفاء على ذاته والسكن إلى شكل فني واحد، فكتب القصيدة الغنائية والقصيدة المطولة والقصيدة السيرية والمقال والسيرة الذاتية والرسائل متخذا النص مطيته إلى الخلود ومغالبة الموت. ولئن انتهى جسدا فنصه خالد لا يموت.

مازلت حيّا.. في مكان ما..

لا يزال محمود درويش جالساً، منذ التاسع من أغسطس (آب) 2008، على ربوة في رام الله، أين دفن منذ ستة أعوام، لا يزال هناك - حيث ضريحه ومتحفه –  يحتسي قهوته كل صباح وينظر إلى القدس شادياً:

مازلت حياً في مكان ما، وأعرف

ما أريد

يوزع القصائد والورود والتفاح والأغنيات وأغصان الزيتون وحبات المطر.. ويصيح في الغزاة:

أيها المارون بين الكلمات العابرة

آن أن تنصرفوا

وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تقيموا بيننا

آن أن تنصرفوا

ولتموتوا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا

فلنا في أرضنا ما نعمل

ولنا الماضي هنا

ولنا صوت الحياة الأول.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق