الحوار الأخير مع سميح القاسم: رفضت جائزة نوبل.. تكفيني جائزة فلسطين
28 اغسطس (آب) 2014 19:00 | 0 تعليق

الشاعر الراحل سميح القاسم مع مقطع من قصيدة له – (فيسبوك)
رام الله - يوسف الشايب

في الجزء الثالث والأخير من الحوار الاستقصائي الذي جرى معه، يؤكد الشاعر سميح القاسم أن "هناك مؤامرة على وعينا الثقافي ونحن لها بالمرصاد، جيلنا تصدى بقوة وفاعلية وفي كل بقاع العالم يعترفون بالقصيدة الفلسطينية والأدب الفلسطيني، جيلنا يمضي الآن، لكنّ رايته لن تسقط، نحن ورثنا راية المقاومة الثقافية والإبداع والكرامة عمن سبقونا، وجيل الشباب سيرثها عنا وستبقى مرتفعة".

وفي هذا الحوار الأخير الذي أجري مع الشاعر قبل رحيله، يعترف القاسم أنه رفض الترشح لجائزة نوبل، معتبراً أن "البعض بات يفصّل شعراً يتضمن مجاملات، ومغازلات لإسرائيل، لعلها تكون طريقة سهلة للحصول على جائزة نوبل في الآداب، نعم ثمة من يفعل ذلك، وهم معروفون جيداً".

وكان الشاعر صاحب رواية "إلى الجحيم أيها الليلك" تناول في الجزئين الأول والثاني من الحوار دور المثقف الفلسطيني تاريخياً في التعاطي مع هموم شعبه وقضاياه، سارداً حكايات نادرة تدين شعراء عرباً كباراً وشخصيات سياسية ودينية عربية وفلسطينية، انعطفوا عن قصد، أو استدراج، ليرموا بثقلهم الشعري ورمزيتهم المعنوية بين الناس في خدمة الصهيونية.

وشدد القاسم على أن شعر المقاومة ليس فقط ضد الاحتلال، بل ضد الطاغوت العربي، وضد التخلف والجهل.

هنا الجزء الثالث والأخير مما شهد به الشاعر الفلسطيني الكبير قبل رحيله، وخصّ به "ذوات":

 يغازلون إسرائيل طمعاً في "نوبل"

*وأين أنت من شعر الحداثة؟

-لا أدري ما مفهوم الحداثة في الشعر، لا أعتقد أن شعر السفرجل الفاسد شعر حديث، أو كما صرح شاعر أوروبي بأنه لا يستطيع كتابة الشعر دون شم رائحة السفرجل الفاسد، الكتابة عن السفرجل الفاسد حداثة، أما الكتابة عن محمد الدرة فليست كذلك لأنه محمد وليس فرانسوا، الحداثة باتت أن تشبه شاعراً فرنسياً أو بريطانياً أو أمريكياً، وهذا لا أريده، أنا أبني حداثتي من أصالتي، لذلك هناك الحداثة في الشعر العربي والتي تمثلها القصيدة الفلسطينية بامتياز، فهي الممثل الشرعي والوحيد للحداثة العربية، وهناك الاستحداث الذي يدخلنا في نفق التقليد.

نعيش منذ فترة هجوماً شرساً على علم العروض، وبحور الشعر العربي، من باب أن "العروض قيود"، العروض العربي هو ثروة موسيقية إبداعية لم تتوفر لأي شعب من شعوب الأرض، أستغرب لمن يريد عزف البيانو دون أن يتعلم "البيانو"، أو يرسم لوحات دون أدنى معرفة بمزج الألوان، إذا ما أصبحت هذه البحور جزءاً منها سنكتشف أنها أجنحة حرية وليست قيوداً، فالشعر العربي الموزون والمقفى وصل إلى آفاق في الخيال لم يصلها شعر الحداثة لا الأوروبي ولا في عالمنا العربي، أنا مع تيسير اللغة وتحديثها، لكن ضد كسر ضوابطها وقواعدها.

هناك مؤامرة على اللغة

-صحيح أنني لا أؤمن بنظرية المؤامرة، لكن هناك مؤامرة، فمن يدعو لتجاهل الأوزان وقواعد اللغة العربية ويتهمونها بالعجز عن مجاراة العصر، وهي صاحبة الثمانية ملايين اشتقاق، ستجدون أنهم يعملون في صحف أو مؤسسات تمولها إسرائيل بأجهزتها الاستخبارية أو الولايات المتحدة بأجهزتها الاستخبارية، أو بريطانيا، أو فرنسا، أو غيرها، هي مؤسسات ممولة أجنبياً تهدف إلى إحداث قطيعة بيننا وبين تراثنا وتاريخنا، هي تريد محو الذاكرة العربية، وتريدنا أن ننسى أجدادنا، فإن قرأنا شعراءنا القدماء دون إلمام بالموازين والعروض سنملهم، هناك مؤامرة على وعينا الثقافي ونحن لها بالمرصاد، جيلنا تصدى بقوة وفاعلية وفي كل بقاع العالم يعترفون بالقصيدة الفلسطينية والأدب الفلسطيني، جيلنا يمضي الآن، لكنّ رايته لن تسقط، نحن ورثنا راية المقاومة الثقافية والإبداع والكرامة عمن سبقونا، وجيل الشباب سيرثها عنا وستبقى مرتفعة.

عند قراءتي للكثير من الشعراء العرب، من أجيال متعددة، يخيل إليّ أنني أقرأ شعراً مترجماً. للأسف بات الكثير من الشعراء يكتبون لإرضاء لجنة جائزة أدبية معينة، في فرنسا، أو ألمانيا، أو أميركا، أو غيرها من دول العالم، بل إن بعضهم بات يفصّل شعراً يتضمن مجاملات، ومغازلات لإسرائيل، لعلها تكون طريقة سهلة للحصول على جائزة نوبل في الآداب، نعم ثمة من يفعل ذلك، وهم معروفون جيداً.

هناك فرق بين الاستحداث والحداثة، وأنا أرفض عدم الاعتراف بقصيدتي ما لم أكن إليوت الرابع عشر، أو شكسبير الخامس، أو هكذا، لا أريد أن أكون أياً من هؤلاء، ويكفيني أن أكون سميح القاسم الأول والأخير، حداثة الشعرية العربية حيث تكون قصيدتي، قصيدتي هي مركز الحداثة العربية المستمدة من أصالتنا، فليس لدي شعور بالنقص تجاه أي شاعر فرنسي، أو بريطاني، أو أمريكي، أقرأهم للتعارف ليس أكثر، قصيدتي هي قصيدة الحداثة العربية وعنوانها، وأعرف أن كثيراً لن يعجبهم هذا الحديث.

 

جائزة فلسطين أهم من "نوبل"

*وماذا عن حكايتك وجائزة إسرائيل؟

-بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، بفترة وجيزة، جاءني أستاذ جامعي إسرائيلي معروف، ليخبرني بأنه جاء الوقت الذي أحصل فيه على جائزة إسرائيل للآداب، لكنّي رفضت، ومع حديثه عن أن الهدف هو تكريم إسرائيل لي كشاعر، واعترافها بإنجازاتي في هذا المجال، قلت له بالحرف الواحد: "بعد أن يقدم ياسر عرفات، وكان وقتها لا يزال على قيد الحياة، جائزة فلسطين الأدبية، لكاتب أو لشاعر إسرائيلي، في احتفال في القدس، عاصمة الدولة الفلسطينية، وتحت العلم الفلسطيني، قد أفكر إيجابياً بالأمر"، لم أعده بالقبول، لكن قد أفكر بالأمر، فعاجلني بالقول: أنت ترتكب حماقة كبرى، فهذه الجائزة هي خشبة القفز لجائزة نوبل.

سردت على البروفيسور الإسرائيلي حكاية جرت معي في دمشق، وبينما كنت أجلس مع مسؤولين سوريين، في مصيف بلودان، جاءني شاب وسكب لي "القهوة السادة" في فنجان، وبعد أن انتهيت ألقاه بعنف على الأرض، فتهشم، تفاجأت كما الحضور، وللوهلة الأولى تخيلت أن الشاب يتعاطى معي كإسرائيلي، وأن هذا اللقاء تطبيعي، وهي نغمة الكثيرين في الوطن العربي، منذ زمن، وكأنهم لا يعلمون أننا الأفضل منهم جميعاً، وأنني أحق بمدنهم، ومنازلهم منهم، وحين سأله المحافظ عن السبب، وسألته أنا كذلك، أجابني بود: أنت شاعر عظيم، ولا أعتقد أن هناك من يستحق أن يشرب من "فنجانك" بعدك، وهنا قلت للبروفيسور: لا أريد جوائزكم، تكفيني هذه الجائزة التي هي أقصى ما يمكن أن يحصل عليه شاعر، أنا أتشرف بأنني أحمل جائزة "شظايا فنجان السادة".

حكاية الشاعر الطفل

*لننبش في الذاكرة قليلاً ونعود إلى حكاية الشاعر الطفل سميح القاسم؟

-كنت في الصف السابع الابتدائي حين اكتشف معلم اللغة العربية "شاعراً في الصف" من خلال موضوع إنشاء وردت فيه مقاطع موزونة ومقفّاة، وذهلت حين اتضح أنني أنا هو "الشاعر" الذي أشار إليه معلم اللغة العربية، حين قدمت إلى المدرسة في الغداة شاحباً محبطاً، وأخبرت المعلم أنني سهرت الليل، ولم أستطع كتابة قصيدة جديدة، داعب المعلم إلياس شَعري ضاحكاً: لا تذهب إلى القصيدة يا بني، دعها هي تأتي إليك، وستأتي، لا تقلق.

كان هذا هو الدرس الأول في النقد الأدبي الذي تعلمته في طفولتي، وطفولة قصيدتي، وتمسكت بعبرته طيلة حياتي اللاحقة.

أبي في جيش الإنقاذ

*ما حكاية رسالة جيش الإنقاذ لوالدك والتي لا زلت تحتفظ فيها؟

-في عام النكبة كما يسمونه، تقطرت أخبار المعارك، وتقاطرت الأقاويل والإشاعات عن انتصارات كبرى وهزائم نكراء فاحشة، وكانت تتناوبني الأفراح الكبيرة والأحزان الغامضة بين نبأ وآخر، اعتقدت أنني لست ولداً، ولذلك اعتقدت بأهمية فرحي وخطورة حزني، ويستمر النقاش بين الناس ويستمر إصغائي الفائض عن عمري، ولكني لا أفهم شيئاً، ومع ذلك أتشبث باليقين بأن النصر آت لا محالة.

صبيحة يوم ما حضر إلى منزلنا جندي من جيش الإنقاذ يسأل عن والدي. كان يحمل رسالة من ضابط يدعى المقدم عامر، الرسالة موجهة إلى أبي وزوج خالتي المرحوم سلمان الداغر، أحتفظ إلى اليوم بتلك الرسالة المطبوعة على آلة كاتبة، وعثرت عليها بين أوراق أبي بعد رحيله، وكانت دعوة عسكرية لوالدي وزوج خالتي بضرورة التجند للدفاع عن الوطن، وما هي إلا أيام حتى أصبح والدي مسؤولاً عن تنظيم مجموعة من العسكريين السابقين من قريتي الرامة في إطار الدفاع الشعبي أو المدني، لا أذكر التسمية الدقيقة لتلك المجموعة، التي يتدرب أفرادها بإطلاق النار على صخرة كبيرة شمال شارع الرامة – بيت دجن (أنتوني إيدن).

أصبح والدي كثير التغيب خارج المنزل، وكثرت النداءات المتوترة المستنفرة: اليهود يهاجمون عكا، الهاغانا تهاجم لوبية، اليهود يتقدمون نحو شفا عمرو، إنهم قرب خربتي "هوشة" و"الكساير" بين حيفا وشفا عمرو، اليهود يهددون "البروة"، تفجيرات يهودية في حيفا وفي طبرية.

لاجيء في وطني!

*أخيراً، ماذا عن ذكرياتك حول بدايات رحلتك كلاجئ في وطنك؟

-ترددت في البلد أنباء مجزرة دير ياسين وأخبار عن فظائع أخرى كثيرة، وتدفق على الرامة عدد من اللاجئين بينهم "حسن الكسيح"، وقطعت معظم الطرق الرئيسية في البلاد، وكان على والدي السفر إلى رام الله لإحضار شقيقتي التي تدرس في دار المعلمات هناك، وزميلة لها من الرامة تدرس في ذات المكان، وارتطمت السيارة التي أقلته بلغم، قتل السائق وأصيب والدي برضوض فعاد إلى الرامة، واضطر عمي نجيب إلى السفر لإحضار شقيقتي وتسع زميلات لها عبر شرق الأردن وسوريا ولبنان، حيث استضافهم في دمشق عمي المحامي علي الأسعد، لعدة أيام، حتى تم ترتيب عودتهم الآمنة إلى الرامة وعكا وصفد عبر الحدود اللبنانية.

حدث ذلك في بداية الحرب، وها هي الحرب تقترب من الأسر المجتمعة كلها في الرامة، قدم عمي علي من الشام محاولاً إقناع العائلة بمرافقته إلى هناك، لكننا قررنا البقاء في الوطن.

لا أتذكر الوقت بالتحديد، لكني أتذكر أن طائرة يهودية أغارت على قريتي، وألقت قنبلة على منزل قريب فهدمته، وهنا ساد الهرج والمرج، ومحاولات الاختباء من القنابل المتواترة علينا.

صبيحة اليوم التالي قرر أهل الرامة إخلاء القرية. قلة منهم غادرت إلى خارج البلاد، لكن الأغلبية الساحقة قررت اللجوء إلى كروم الزيتون القريبة، ومنها كرم العائلة "خلة القصب" لوقوع معظمه في واد يصلح مخبأ مؤقتاً، ولوجود نبعة ماء توفر الري إلى يوم الفرج، هناك في الكرم كنت أتعمشق مع بعض الفتيان أشجار الزيتون والتين والخروب واللوز ونغني "طيارة حرامية، تحت التوتة مرمية، يا يهودي يا ابن الكلب، شو جابك ع بلاد الحرب"!

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق