مها عزوز لـ "ذوات": لا خوف على المرأة التونسية إلا من الإرهاب وأذنابه
14 اغسطس (آب) 2014 08:00 | 0 تعليق

الكاتبة والشاعرة التونسية مها عزوز - (ذوات)
تونس - عيسى جابلي

أكدت الكاتبة والشاعرة التونسية مها عزوز، أنه لا خوف على المرأة التونسية إلا من الإرهاب وأذنابه، وأن وضعيتها تختلف بين ما حققته على مستوى التّنظير وبين ما تعيشه في الواقع، موضحة أن سبب تردي منزلة المرأة أحياناً يعود إلى تراجع في العقليات دون أن تنكر أهمية ما اكتسبته من حقوق وحريات.

وأضافت عزوز في حوار مع "ذوات"، أن المرأة أضحت اليوم ركيزة أساسية في حقل المعرفة والاقتصاد، وقالت إن مساهماتها في هذا المجال أو ذاك، قد فاقت في كثير من الأحيان مساهمات الرجل مشددة على دور المرأة المثقفة وقيمتها في المجتمع.

وذكرت عزوز أن على الم.رأة أن تعبر عن همومها، باعتبار أن الأدب مقترن بمأساة الإنسان وهمومه دون أن يعني ذلك التقوقع على الذات أو "اختلاس" هموم الآخرين، على حد تعبيرها، مؤكدة أن المرأة التونسية المبدعة منفتحة على ما هو إنساني عام من خلال إبداعها.

وأكّدت أنّ المجتمع التونسي لن يتراجع عن حقوق المرأة، رغم بعض الأصوات المطالبة بذلك. ورفضت استعمال مصطلح "قضية المرأة" موضحة أن المرأة المبدعة تعبر عن مشاغلها وسط مجتمع ذكوري. هذا، وقالت مها عزوز إن العلاقة الطبيعية بين المرأة والرجل تتردد بين وجهيها الإنساني والحيواني ولا غنى لأي منهما عن الآخر.

وأضافت مها عزوز أنها لا تقيس مسألة الترشح للانتخابات على أساس الجنس، بل على أساس الكفاءة والوفاء للوعود الانتخابية والنأي عن الفساد، وهو ما أثبتت المرأة فيه تفوقها حسب رأيها. وأبدت اطمئنانها لما بلغته المرأة التونسية في رحلة بحثها عن الحرية والانعتاق.

ومها عزوز شاعرة وقاصّة من مواليد 1967 بمدينة "بنزرت" (شمال تونس)، تعمل حالياً أستاذة التعليم الثانوي، حاصلة على الماجستير في اللغة والأدب والحضارة العربية من الجامعة التونسية. لها مجموعتان شعريتان: "أعشاب الأربعين" و"عرش الشقيق". أصدرت مؤخراً مجموعة قصصية بعنوان "حديث الياسمين" 2014. ولها كتاب نقدي قيد الطبع بعنوان "الوصف في السرد التونسي المعاصر" سيصدر قريباً.

حصلت الشاعرة مها عزوز على العديد من الجوائز، منها جائزة "المركز القومي للدراسات والبحوث النسائية بتونس" (الكريديف) 2011.

وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:

*  تفتخر المرأة في تونس اليوم بالحرية والمساواة مع الرّجل، فهل تعتقدين أن الأمر مكسب حقيقي أم هو مجرّد شعارات تنتفي حال انتقالنا إلى مستوى الحياة؟

مها عزوز: إن تردي وضعيات  الكثير من النسوة يعود إلى تراجع في العقليات لا إلى اجتهاد النسوة أنفسهن.

-لا مجال للشك في أن المرأة التونسية قد حققت قانونياً مجموعة من المكاسب التي تخول لها الاعتزاز بحريتها ومساواتها للرجل. لكن هذا الوضع القانوني يختلف عن وضعها الاجتماعي، أو لنقل إن العقلية في النساء، كما في الرجال، ما زال بها ميل إلى الانتقاص من هذه الحرية. لذلك أرى أن قدرة المرأة على فرض حقيقة مساواتها وحقيقة حريتها هي التي تحدد موقف المجتمع منها. والواقع يؤكد أن الكثيرات من النسوة قد تمسّكن بحقوقهن وتمتعن بها، إن قليلاً أو كثيراً. لا برهان على ذلك أكثر مما يشيع في المجتمع التونسي من حرص تقاسم الزوجين المسكن تشييداً وملكية. كما أن التجربة تؤكد أن المرأة في تونس صارت حرة في اختيار نوعية تعليمها ونوعية عملها تتحرك إليه في كل الأوقات وقلّ ما تصادف إزعاجاً. وفي المقابل لا أنكر أهمية دور الأسرة الواعية في مساعدة المرأة على التمسك بحقوقها. ولكنني في نفس الوقت، أعترف أن حظ الوعي في المجتمع التونسي قليل. من ثم فإن تردي وضعيات  الكثير من النسوة يعود إلى تراجع في العقليات لا إلى اجتهاد النسوة أنفسهن.

* ما تقييمك لدور المرأة المثقفة في تونس، وهل هي عنصر فاعل في المجتمع التونسي اليوم أم أن دورها لا يزال محتشماً؟

مها عزوز: لا يقل دور المرأة المثقفة في تونس عن دور الرجل المثقف، وقد يفوقه أحيانا في مجتمع كشف الواقع أن علاقته بالثقافة محرجة.

-لا يقل دور المرأة المثقفة في تونس عن دور الرجل المثقف، وقد يفوقه أحياناً في مجتمع كشف الواقع أن علاقته بالثقافة محرجة. ولا يمكن لأحد أن ينكر أن حظ النسوة من الثقافة والتعليم يفوق عدد الرجال. ذلك ما تكشفه على الأقل إحصائيات الناجحين في مختلف الامتحانات الوطنية ومعدلاتهم. وبعد، فعدد الطبيبات والمهندسات والمحاميات والمعلمات والقاضيات... لا يقل إطلاقاً عن عدد الذكور، بل وأرى أن جزءاً من الاقتصاد التونسي لا تحركه إلا النساء. أنا لا أتحدث عن رجال الأعمال الأثرياء. أنا أقول فقط خذ قطاع النقل مثلاً: من يحرك سيارات الأجرة داخل المدن وخارجها؟ من ينشط محلات الملابس الجاهزة؟ من الذي يدفع  لكل الأطفال المقبلين على محلات الترفيه؟ لو بحثنا لوجدنا أن الأغلبية هن من النساء، بل أذهب إلى أكثر من ذلك، فأقول: خذ قطاع البنوك وابحث عمن يتمتع بالقروض الصغرى قصيرة المدى وبعيدته. سيذهلك أن عدد النساء في ذلك كثير كثير. لذلك أخلص إلى أن المرأة التونسية المثقفة فاعلة حقاً.

 * نعرف أنّك قريبة جداً من الحقل الإبداعي بوصفك شاعرة وقاصة وتلاحظين أداء المرأة في تعاطيها مع قضاياها، هل تمثّلت المرأة المبدعة الهموم الأنثويّة بعمق أم إنها تكتفي فقط بالسطح وتكرّس الصّورة النمطية للمرأة المضطهدة المستضعفة؟

عزوز: لعل الصورة المكرسة التي قد يسأمها البعض هي صورة اضطهاد الرجل للمرأة أو صورة اضطهاد المجتمع لها.

- إن اتفقنا على اعتبار الأدب مأساة أو لا يكون، فإن الاضطهاد والمعاناة لمن الصور التي يقبل المبدع على الخوض فيها في الآداب العالمية عموماً. ولعل الصورة المكرسة التي قد يسأمها البعض هي صورة اضطهاد الرجل للمرأة أو صورة اضطهاد المجتمع لها. ولكن إن كان هذا واقع المرأة في المجتمع العربي فكيف لا تعبر عنه؟ اللهم أن نطلب منها أن تترك معاناتها وتختلس معاناة الآخرين، بئس ما تختلس. ولكن هذا لا يعني خلو الساحة الأدبية من مبدعات منشغلات بالهموم الإنسانية عموماً، وتحضرني على سبيل الذكر رواية "تراتيل لآلامها" لرشيدة الشارني التي تحدثت عن معاناة المتعقبين السياسيين ورواية "العراء" لحفيظة قارة التي ناقشت حق الجسد وغيرهما كثيرات.

*  بعد 14 يناير (كانون الثاني) 2011 طرحت الكثير من القضايا المتصلة بالمرأة، بعد 55 عاماً على صدور مجلة الأحوال الشخصيّة، ألا ترين أنّ ذلك يمكن أن يكون تعبيراً عن هشاشة مكاسبها في عيون المجتمع، أم إنه يطرح من باب المزايدات السياسية والإيديولوجيّة؟

 -أبداً ليست هذه المكاسب هشة. لن تقبل الأسرة التونسية إطلاقاً بديلاً عن تعليم المرأة ولا عن عملها. وهاتان الركيزتان كفيلتان بضمان عدم تغير وضعها الاجتماعي. ولكن هذا لا يمنع بعض سكان الكهوف من المطالبة بمطالب عجائبية لا نملك لها إلا الرحمة والشفقة.

 * يرى كثيرون أن المرأة عندما تطرح قضيتها تقدَم بوصفها امرأة واحدة؛ أي بوجه ثابت يلغي الفوارق بين ما تعيشه المرأة الريفية مثلاً وما تعيشه الأخريات: ما رأيك؟

- اسمح لي في هذا المستوى أن أنكر استعمال مصطلح "قضية المرأة" فما تعيشه المرأة كما يعيشه الرجل مجموعة من القضايا تطرح في مجالات مختلفة. وإن كنا لا نرى إلا قضايا متماثلة في أدب المرأة، فلأن اختلاف الأديبات لا يعني اختلاف تجاربهن. فأغلبهن يمثلن المرأة المثقفة في مجتمع ذكوري. طبعاً، حبذا لو كتبت الفلاحة والعاملة أو حبذا لو كتبت نسوة تجاربهن... صدقني أنت توحي لي بفكرة طريفة.

 *يقول البعض إنّ المرأة في كثير من الأحيان تحوّل الرجل إلى آخر غريب عنها يصل منزلة العدو الّذي تحقّق عليه "انتصارات"، كيف ترى مها عزوز العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة؟

مها: أنا شخصيا سأنتخب امرأة ليس لأنها من جنسي ولكنني خبرت صدقها انطلاقاً من خطاباتها.

-هي علاقة طبيعية كما ذكرت فيها جانبها الحيواني، بشراسته أحياناً ومتعه أحياناً أخرى، وجانبها الإنساني بلطفه ورقته ساعة، وحيله ومخادعاته ساعة أخرى. لا غنى لأحدهما عن الآخر في المؤانسة والإمتاع متى كانت الرغبة نابعة من كليهما. لا شيء ينهك هذه العلاقة إلا خضوعها لإملاءات المجتمع التي آن أوان كسرها.

 * لأول مرة في تاريخه قد يجد الناخب التونسي نفسه أمام اختيار التصويت لنساء مرشحات لكرسي رئاسة الجمهورية، هل تعتقدين أن المجتمع التونسي قد بلغ النضج الكافي لتقبل ذلك؟

- يضمر السؤال حقيقة مفادها أن القبول بالمرأة للرئاسة أمر عسير يتعارض مع درجة وعي التونسي، وكأن كل من سيصوت لمرشح، إنما سيفعل ذلك إكراماً لأعضائه التناسلية!! (تضحك) مأساة فعلاً! أنا شخصياً سأنتخب امرأة ليس لأنها من جنسي ولكنني خبرت صدقها انطلاقاً من خطاباتها. وعلى كل، ما أفادت به إحصائيات ما بعد الثورة أن النساء كن أقل تورطاً في قضايا الفساد فلماذا لا ننتخب أقل المترشحين فساداً؟ وشخصياً أكاد أكون مقتنعة بأن كل من سيترشح سيغير استراتيجية عمله وفق مصالح تخدم  أصحاب الكلمة العليا. وقد رأينا ذلك في حكومة "الترويكا" وفي حكومة التكنوكراط. الجميع فرط في كل مخططاته ونسيها، فأخل بما قطعه على نفسه من عهد تجاه المجموعة وقد كانوا رجالاً. فلم لا نغير الجنس ونتعامل مع النسوة، فإن انسقن إلى التيار السابق كن كغيرهن، وإن التزمن كان الكسب لنا ولهن.

* هل أنت مطمئنة لمنزلة المرأة أم إن إمكانية الرجعة عما حققته المرأة التونسية لا تزال واردة؟

مها: لا خوف على المرأة التونسية إلا من الإرهابيين القادمين من الخارج ومن أذنابهم المتطفلة على المجتمع التونسي.

-لا خوف على المرأة التونسية إلا من الإرهابيين القادمين من الخارج ومن أذنابهم المتطفلة على المجتمع التونسي. والخوف على المرأة من الإرهاب هو خوف من خطر يهدد البشرية. وأرى أن دور الجيش في حماية هوية المجتمع التونسي قد بات خطيراً.

* بم تحلم مها كامرأة تونسية مبدعة؟

-أن يلطف الله بالبلاد والعباد بعد أن كدت أفقد الثقة في كل البشر. نحتاج أمناً نحتاج هدوءاً، نحتاج مالاً. بتنا نسترق الأنفاس، فمن أين يطل علينا الإبداع؟

* هل من كلمة توجهها مها عزوز للمرأة التونسية في عيدها؟

-لا أحب شيئاً قدر حبي للغناء، ولذلك أريد أن أوجّه للمرأة التونسية أغنية أسوقها على ألسنة  كل الرجال: "شْنِيَةْ الدنيا بْلاَشْ انْتِ الدنيا وِينْ أنا وِينْ انْتِ" (ما قيمة الدنيا دونك؟ حيثما أكون ستكونين معي). كل عام والمرأة التونسية بخير.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق