مسرح سيرفانتيس بطنجة يغدو خرابا تلهو فيه الفئران
29 مايو (أيار) 2014 13:43 | 0 تعليق |
من يزور مدينة طنجة اليوم، تشده الكثير من المآثر التاريخية والبنايات العريقة المتبقية من أسوار، وأبراج، ومساجد، وكنائس، وحصون، وأبواب، وقصور، ونافورات، وحمامات، وأسواق، ودور فن، ومسرح، والتي يعود تاريخها إلى اليونان، والفينيقيين، والرومان، والوندال، والبيزنطيين، والأمويين، والمرابطين، وفترات الغزو الإسباني والبرتغالي والإنجليزي، التي جعلت من مدينة طنجة عاصمة دبلوماسية بعشر قنصليات عام 1830م، ومدينة دولية يتوافد عليها التجار والمغامرون من كل الأنحاء نتيجة الامتيازات الضريبية التي كانت تتمتع بها.
لكن المفارقة العجيبة اليوم مع مدينة طنجة أسطورة الفن والثقافة، هي غياب واندثار العديد من تلك المآثر، وتحويل بعضها إلى مرافق تجارية، وإهمال البعض منها، وتركها عرضة للاندثار، ولتصبح مطرح نفايات، أكثر من معلمة تاريخية، وعلى رأسها مسرح سيرفانتيس، الذي أصبح خرابا تلهو فيه القطط والفئران، وبناية آيلة للسقوط في أي لحظة، بعدما كانت معلمة فنية عجيبة، استقبلت العديد من الفنانين العالميين، وعرضت على خشبتها مسرحية عالمية كمسرحية "عطيل" بالإنجليزية لشكسبير عام 1929، واتخذ فضاؤها كديكور لبعض الأفلام السينمائية من مثل فيلم "آخر صيف بطنجة" للمخرج أليكساندر أركادي.
المسرح الكبير
مسرح سيرفانتيس أو مسرح سيرفانتيس الكبير "gran Teatro Cervantes" كما يطلق عليه بالإسبانية،افتتح بطنجة عام 1913، وعاش عصره الذهبي في فترة الخمسينات من القرن العشرين، وكان يعد لفترة طويلة أكبر مسارح شمال إفريقيا وأشهرها. صمم هذا المسرح المهندس المعماري الإسباني الشهير "دييكو خيمينيز" لصالح الغني الإسباني "مانويل بينا"، وزوجته "إيسبيرانزا أوريلانا" بتاريخ 2 أبريل 1911، واكتمل بناؤه عام 1913، حيث تم افتتاحه رسميا بتاريخ 12 ديسمبر (كانون الأول) 1913، وكان يسع لـ 1400 شخص، وتنازل عن ملكيته مانويل بينا لفائدة الحكومة الاسبانية عام 1928.
يقع مسرح سيرفانيس في ملتقى شارعين بمدينة طنجة، يحملان اسم اثنين من أشهر الرسامين في العالم، وهما الرسام "دولاكرو" والرسام "فيلاسكيس"، تناوب على ركحه العديد من الفنانين العالميين، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر، الفنان الإسباني "أنطونيو كاروزو"، و"تيتو روفو"، والمغنية "أديلينا باتي" والمجموعة الإسبانية "ديزارزوييلا"، ومغني الأوبرا الإيطالي الشهير إنريكو كاروسو، وغيره من الفنانين.
وطوال عقود عاش هذا المسرح فترة من الزمن الجميل، قصده خلالها العديد من مشاهير الثقافة والفن من مختلف أنحاء العالم، و قدمت خلالها أعمال فنانين كبارساهمت بشكل وبآخر في تكريس التلاقح الحضاري والثقافي، الذي تعتبر مدينة طنجة من أشهر المدن العالمية تمثيلا له، حيث شهدت هذه المعلمة أشهر الإبداعات سواء المسرحية والموسيقية وحتى المعارض الفنية التشكيلية، كما عرف مجموعة من الاجتماعات السياسية المناهضة للدكتاتور الإسباني فرانكو، وكانت مداخيل بعض عروضه تخصص للتبرع لجبهة التحرير الجزائرية، في مقومته للاستعمار الفرنسي.
مسرح آيل للانهيار
مسرح سيرفانتيس كان يسع لـ1500 شخص، مجهز بأحدث التقنيات ساعتها، تسمح له بتحريك مقاعده للتحول إلى الشكل الدائري، مفسحة المجال لتقديم عروض راقصة جميلة، ولكن مع مرور الوقت بدأ المسرح يفقد شيئا فشيئا بريقه، إذ تحول من مسرح إلى حلبة رياضية، ثم إلى قاعة سينمائية قبل أن تغلقه السلطات الإسبانية عام 1961، وتقوم بكرائه لبلدية طنجة في مقابل درهم رمزي.
المسرح يوجد اليوم في وضع كارثي، لأنه مهدد بالانهيار كليا على المدى القريب، ولم تشفع كل الطلبات والدعوات من أجل إنقاذه، ما خلف استياء لدى النخب الثقافية المغربية والإسبانية، خاصة أنه رغم الاتفاقية التي وقعتها وزارتي الثقافة المغربية والإسبانية عام 2006، وتخصيص حوالي مائة ألف يورو من طرف الحكومة الإسبانية لترميم المبنى المتداعي، فإن ذلك المبلغ لم يكن كافيا إلا لوقف الانهيار المتتالي للبناية، في حين أن الدراسات التي أجريت من أجل إنقاذ المسرح قدرت المبلغ المطلوب لهذا الغرض بحوالي 5 و6 مليون يورو.
ورغم كل المحاولات، ما زال مسرح سيرفانتيس، الذي جرى الاحتفال بمائوية تأسيسه العام الماضي، مغلقا إلى الآن، طارحا سؤالا الذاكرة الثقافية والفنية بالمغرب، بعدما تحول من فضاء للفرجة العالمية إلى خراب تلهو فيه القطط والفئران، وهو أيضا، مطرح للأزبال بالنسبة للدور المجاورة.
أضف تعليقاً
* اختياري
