منير العكش، التاريخ .. الذاكرة .. الوعي
16 اغسطس 2015 | 0 تعليق
منير العكش
يجب أن تكون 'زنبورا' لتفهم هذا الهلع العصابي الذي أصاب أمريكا مع ظهور حالات الجمرة الخبيثة، فالزنبور الأمريكي يختلف عن كل زنابير البراري في الشكل واللسع والتاريخ الطبيعي والعلاقة مع الجراثيم. إنه اصطلاح مؤلف من الحروف الأربعة الأولى لأربع خصال عرقية وأخلاقية واستثنائية تميزت بها العترة الأرستقراطية 'المختارة'، التي أطلقت 'فكرة أمريكا' وصنعت تاريخها.
في كل الطبقات الجيولوجية لذاكرة هؤلاء الزنابير 'البيض، الأنكلو سكسون، البروتستانت' مناجم غنية بمعادن موت استثنائي، بدونه لم تكن فكرة أمريكا فكرة استبدال شعب بشعب، وثقافة بثقافة ممكنة.
هناك علاقة استثنائية بين هذا التاريخ الذي يرضع منذ أكثر من أربعة قرون من نسغ الموت وبين الهلع الهستيري الذي ملأ ليل الزنابير بكوابيس 'الخطيئة الأصلية' لفكرة أمريكا، واكتشف في كل ذرة من جيولوجيا الذاكرة جمرة خبيثة. ولربما كان هناك أيضا ما يشبه الاستنساخ للعقلية القيامية التي عاشها أرسطوفان في أيام سقراط، وفندها في مسرحية 'الزنابير'، وفضح فيها على لسان بطله 'كليون' جنون أثينا بالدينونة والمحاكمة والقتل بالسموم.
فجأة رأت ذاكرة الزنابير صورتها في المرآة: الإمبراطور عاريا تطارده أشباح 112 مليون آدم وحواء ينتمون إلى أكثر من أربعمائة شعب، كانوا يملؤون 'مجاهل' العالم الجديد بضحكة الحياة 'لم يبق منهم في إحصاء 1900 سوى ربع مليون'، وتلوح لعيني جلالته مشاهد 93 حربا جرثومية شاملة أتت علي حياة الملايين من هذه الشعوب. هذه الإبادة الجماعية الأعظم والأطول في تاريخ الإنسانية، والتي حاول التاريخ المنتصر محو ذكراها من وجه الأرض، أيقظتها حالات 'الجمرة الخبيثة' بكل أهوالها في مخيلة الزنابير التي بدأت ترى مستقبلها في صورة ضحاياها الذين أبيدوا بجراثيم الجدري في خليج ماساشوستس، أو بمبيد الأعشاب البرتقالي وغاز الخردل واليورانيوم المستنفد في كوريا وفيتنام وما بين الرصافة والجسر.
لم تعترف الولايات المتحدة أبدا بعدد الهنود الذين أبيدوا منذ بداية الغزو الأبيض الذي دشنه خوان َونس دوليون باكتشاف فلوريدا في فصح 1513، فيما كان يبحث عن 'ماء الشباب' الأسطورية. إن كتبها المدرسية لا تعترف بتاريخ لهذه 'المجاهل' قبل كولومبس، فقد كانت شبه خاوية من البشر تنتظر من الإله الذي خلع عليه أوليفر كرومويل الجنسية الإنجليزية أن يهبط فيها آدمه ليؤنس وحشتها ويعمرها بالحياة. إن الفيلم 'الوثائقي' الذي يعرض للسياح في مستعمرة َليموث 'أول مستعمرة فيما صار يعرف بنيو إنكلاند' والدليل السياحي في تمثال الحرية بنيويورك كليهما يؤكد لك أن تاريخ الإنسان في مجاهل الشمال الأمريكي، لم يبدأ إلا في أواخر القرن السادس عشر. أما تلك القلة الضئيلة المشاغبة من الهنود الذين لم يتجاوز عددهم يومها المليون، فقد حفروا قبورهم بأيديهم في حروب متكافئة شريفة شفافة، كانوا مسؤولين عن إضرام نارها وحصد أضرارها، أو أنهم 'ماتوا' قضاء وقدرا بالأمراض التي حملها الأوروبيون معهم دون قصد. وتمضي الكتب المدرسية فتصف هذا الموت القدري بأنه 'مأساة مشؤومة يؤسف لها'، 'غير مقصودة'، 'لا متعمدة'، 'لم يكن تجنبها ممكنا' و'أضرار هامشية تواكب انتشار الحضارة وطريقة حياتها'، وليس لك هنا بالتالي أن تلوم، إذا أردت أن تلوم إلا القضاء والقدر. وبانتفاء النية والقصد والمسئولية عن فناء هؤلاء 'الأشقياء' يصبح الحديث عن الهولوكست الأمريكي 'متحاملا'، 'متهورا'، 'سلبيا'، 'غير مسئول'، و'ينبع من روح الكراهية' للحضارة و'طريقة حياتها'. ألا ترى كيف أكرموا الهنود فرفعوا تمثال امرأة هندية فوق قبة الكاَتول، وجعلوه رمزا للحرية؟
الأرقام الرسمية التي لا تعترف بوجود أكثر من مليون أو مليوني هندي عند وصول الإنسان الأبيض إلي العالم الجديد لا تختلف عن القول، بأن عدد اليهود في أوروبا عند وصول النازيين إلى الحكم لم يكن يتجاوز مائة ألف أو مائتي ألف يهودي، ولربما أنه سيشجع على القول مستقبلا إن فلسطين عند إعلان دولة إسرائيل لم يكن في مجاهلها أكثر من عشرة آلاف متوحش. إننا لا نقف هنا أمام جهل بالحساب، أو غش في صفقة تجارية، بل أمام عدم تتطاير أشلاء الذاكرة الإنسانية في هاويته، ومعها تتطاير فرص الحياة لكثير ممن تلدهم أمهاتهم في 'المجاهل'. ولأنه ليس هناك من يعرف عمق هذه الهاوية ، فإن 'المأساة المشؤومة' التي واكبت انتشار الحضارة في العالم الجديد تبقى مفتوحة على كل أنواع الثقافات والأعراق الإنسانية. هذا قدر أمريكا ورسالتها الخالدة التي كتبت لها السماء أن ترافق أشعة الشمس حيث دارت الشمس.
إن الأرقام الحقيقية لم تتقلص بهذه الشراسة، إلا لأن حقيقتها تعري أسطورة 'الأرض العذراء' التي افترعها الزنابير، أو 'الأرض الفارغة' التي نسجت من خيوطها كل أكاذيب التاريخ الأمريكي ووضعت حياة إنسانيتنا باستمرار على شفا ذلك الثقب الأسود . هذا الإصرار على أن عدد الهنود لم يتجاوز المليون أو المليونين عند وصول الأوروبيين، وأنه تقلص إلى ربع مليون في عام 1900 يحيل كل قصة الإبادة إلي فيلم تسلية، ويقدم لبهلوانيي التاريخ المنتصر اللغة الأورولية المناسبة لنشاط وزارة الحب. إن بإمكانهم ابتلاع هذه الحسكة الطرية الصغيرة، ولكن كيف سيبتلعون عظام 112 مليون إنسان؟
وليس 'عامل الأمراض' بأقل لؤما. هناك مئات الكتب التي وضعها التاريخ المنتصر لما أسماه بعامل الأمراض ، وهناك مئات الأبحاث والدراسات التي تسخر من فكرة إبادة سكان أمريكا بالأسلحة الجرثومية. فالجدري والتيفوئيد والخناق والحصبة وغيرها من أوبئة العالم القديم، هي التي قفزت خفية إلى سفن المستوطنين ووصلت سرا إلى شواطئ العالم الجديد، ثم تسللت إلى أرواح الهنود في قراهم ومدنهم قضاء وقدرا.
أما الهنود، فلم يموتوا بسبب 'احتكاكهم' بالأوروبيين أو لأن هذه الأمراض كانت سلاحا من أسلحة الإبادة، بل بسبب فقرهم للمناعة الكافية، خاصة أن الإنجليز الأبرياء المسالمين في ذلك الزمان كانوا لا يعرفون شيئا عن خطر هذه الأوبئة[1] ؟
يحاول منير العكش أن يبرز الدور المهم للذاكرة التاريخية، رغم الأساطير التي تسيطر عليها من خلال رؤيته للتاريخ الأمريكي، وتأسيس الولايات المتحدة، ففكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة هي التي تطرح رؤية أمريكا للعالم الخارجي، والتي دوما تسعى لإعادة إنتاج هذه الرؤية بصورة متجددة حسب التطور الزماني والمكاني، بداية بــ ( الهنود الحمر ) مرورا ( بفيتنام ) ثم (أفغانستان والعراق) كقواقع يومي معاش.
إن العبث في الذاكرة أهم أداة للتحكم في الشعوب، فالذاكرة تمثل ما تبقى من الماضي في أذهان الناس أو ما يتصورونه بخصوص هذا الماضي. هي إذن موروث ذهني، ومجموعة ذكريات تغذي التمثلات. ثم إنها لا تعيد إنتاج ما حصل في الماضي، بل تعرض لانطباع الناس حول هذا الماضي.
والشيء الذي قد يكون محل تصديق أو عدم تصديق، والذي يحتاج إلى جهد "توثيقي من الكاتب، وإلى حشد للصور والشهادات والاعترافات والمعاينات، ليس فقط أنه تم إحلال شعب محل شعب أو ما شابه، بل هو عدة أمور متراتبة : أن ما جرى كان إبادة جماعية، ثم أنه كان منطلق من ثقافة، ثم أن هذه الثقافة هي التي صارت عبر التاريخ الأمريكي تمثل "الثقافة الأمريكية" بإطلاق وتعميم كلي، ثم أن التاريخ الأمريكي جلي ذلك وأبرزه، ثم أنه لم يدخل علي هذا التاريخ ما يحول هذا المسار، ومن ثم علينا أن نتوقع أن الإبادات الجماعية الأمريكية وعقيدة التضحية بالآخر" في طريقها إلينا، وأن المسألة مسألة وقت وظروف مناسبة، وأن فلسفة الدور لا تجد مبررها فقط في السياسة الخارجية الأمريكية بل في كلمة أمريكا ذاتها[2]، مما لا يدفعنا للتساؤل هل هم قادمون؟ بل يحرك تفكيرنا إلى تساؤل آخر أعمق منه وهو ماذا لو قدموا؟ هل نستطيع أن نكون النسخة الجديدة من الهنود الحمر؟
يحاول العكش دائما الربط ما بين التاريخ والواقع المعيش من خلال تكرار نفس التجارب المأساوية في التاريخ الأمريكي مع الهنود الحمر، انطلاقا من واقعنا العربي المعيش ومآسيه المتكررة، حيث يمكننا التاريخ من معرفة الآخر ونظرته إلى المختلف عنه ورؤيته للعالم الخارجي وما هو محيط تفكيره ، وكيفية التعامل معه؟ لذلك حاول العكش قراءة التاريخ الأمريكي معتمدا على رؤية جديدة في التوثيق للرد على تزييف التاريخ الهندي الأمريكي في الوعي العام والمقررات الدراسية والإعلام، فقد رد العكش مقولة إن عدد الهنود الحمر كان مليونا أو مليونين في العالم الجديد حين وطأته قدما كولومبوس، رد ذلك بالاستناد إلى نتائج أبحاث أجرتها جامعة كاليفورنيا في بيركلي تعتمد على علم أسمته " علم الآثار الزراعي"؛ خلصت منها إلى أن عدد سكان أمريكا في زمن كولومبوس كان يزيد على مئة مليون"، واعتمد على تطبيق لهذه التقنية علي يد هنري دوبينز في كتابه "أرقامهم التي هزلت..." أوصلته إلى أن العدد كان في حدود 112 مليونا، بينهم 18,5 مليون في أراضي ما يسمي اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية [3]. يحاول العكش جاهدا البرهنة علي صدق الرواية التي يفسر من خلالها قراءته للتاريخ الأمريكي، قبل أن يسقطه على واقعنا في ربط متسلسل للأحداث وصور تكاد تكون متطابقة في كل شيء مع اختلاف درجة نقاء الصورة من الماضي للحاضر.
والأستاذ منير العكش هو سوري الأصل – فلسطيني بالاختيار كما يطلق عليه- أستاذ الإنسانيات ومدير الدراسات العربية في جامعة سفك/ بوسطن، يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يصدر مجلة "جسور" بالتعاون مع منشورات جامعة سيراكوس في نيويورك، درس وكتب عن تاريخ الهنود الحمر وثقافتهم، وعن ظاهرة الصهيونية غير اليهودية. ألف عددا من الكتب وحرر وترجم منها: ( أسئلة الشعر، عن الشعر والجنس والثورة "بالاشتراك مع نزار قباني"، الثقافة والإبداع المنفي، الثقافة والحرب، الثقافة ومقاومة الموت، أميركا والإبادات الجنسية، أميركا والإبادات الثقافية "لعنة كنعان الإنكليزية"، تلمود العم سام، هكذا تكلم محمود درويش. وقد حاز وسام أوربا لحوار الحضارات 1983. كما تولى تحرير مجلتين علميتين هما: (2000 في لندن)، و( الصفر في باريس).
من خلال التعريف بالمؤلف تتراءى بعض معالم خلفيته الفكرية، كالميل إلى دراسة الإنسان من زوايا البعد الثقافي والبعد التاريخي والبعد الإنساني، مما يضيف أبعادا أخرى في الفهم في محاولة للربط ما بين الثقافة والفعل والموروث التاريخي، فالعكش من خلال كتابته واختيار عناوينها بطابع أكثر ميلا إلى نفسية الأدباء والشعراء وبمزاج رومانسي مأساوي (المنفي، الحرب، الموت، .....) .
* باحث مصري
[1]منير العكش، حق التضحية بالآخر: أميركا والإبادات الجماعية،( بيروت/لندن، رياض الريس للكتب والنشر، 2002)، طبعة أولى.
[2]مدحت ماهر الليثي، قراءة في كتاب حق التضحية بالآخر: أميركا والإبادات الجماعية، ص3.
[3]منير العكش، مرجع سابق، ص24.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

