أخلاق اللاعنف وصنع السلام في الإسلام
09 فبراير 2015 | 0 تعليق
غلاف الكتاب -(ذوات)
ينطلق كتاب "أخلاق اللاعنف وصنع السلام في الإسلام" من ملاحظة خطيرة، ربما تكون وراء صدوره. يقول المؤلف ما مفاده أن الأعمال الأكاديمية حول موضوع اللاعنف وصنع السلام في الإسلام ما زالت متحيزة ضد المسلمين، إذ إن بحثا في فهرس المواضيع في مكتبة الكونغرس عن مصادر حول "الإسلام واللاعنف" يعطينا أقل من خمسة مقالات. وعلى النقيض من ذلك، فإن "الإسلام والعنف" يغرق الشاشة بآلاف المواد. هذا التوجه واضح في أبحاث العلماء الغربيين والمستشرقين على حد سواء، مسلمون وغير مسلمين.
هذا الكتاب هو محاولة لمخاطبة الممارسة للاعنف وصنع السلام في المحيط العربي المسلم، ويهدف إلى دراسة بعض المفاهيم الخاطئة والمعلومات الأساسية المضللة في الخارج في الدراسات الإسلامية عن وجهات نظر المسلمين حول اللاعنف وصنع السلام؛ ليس فقط عن طريق تقديم آيات قرآنية وأمثلة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله "الحديث الشريف"، ولكن عن طريق تقديم أمثلة من ممارسات صنع السلام والقيم بين المسلمين المعاصرين. والمقصود، بالأساس، من الاستعانة بالآيات القرآنية الكريمة في هذه الدراسة هو تأييد فرضية أن الإسلام هو دين حيّ وتقليد يعزز صنع السلام وتسوية النزاعات سلمياً. يقول المؤلف: "سأبذل جهدي لإظهار كيف يمكن لممارسات كهذه أن تنتشر أكثر في الثقافة الإسلامية المعاصرة. هذه الدراسات ليست اعتذارية ولا تبريرية ولا تبشر بالدين الإسلامي، فهي تسعى إلى أن تعزز بقوة إستراتيجية صنع السلام واللاعنف والقيم المتجذرة في السياقات الدينية والثقافية الإسلامية الطبيعية، مركزة على تعريف القيم والشعائر والقصص الإسلامية ونظرة الإسلام للعالم".
يتوزع هذا الكتاب، الذي ألفه الباحث محمد أبو النمر وترجمه إلى العربية لميس اليحيى مع مراجعة وتدقيق عماد عمر والصادر عن دار الأهلية للنشر والتوزيع الأردنية والواقع في 318 صفحة، على الأبواب التالية: مقدمة؛ وأربعة فصول: صنع السلام واللاعنف في الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية، وصنع السلام واللاعنف في سياق اجتماعي ثقافي، ومبادرات صنع السلام اللاعنفية في المجتمعات العربية المسلمة، وصنع السلام وحركات سياسية لاعنفية في المجتمعات العربية المسلمة؛ وخاتمة.
يُقدم الكتاب أدلة وافرة على أن هناك حاجة لنقل المناقشة حول العلاقة بين الإسلام والسلام إلى ما هو أبعد من مسألة ما إذا كان الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية معاديان بطبيعتهما لللاعنف وللنهج السلمي. ويُشير إلى أن المناقشات المستقبلية تنبثق من افتراض أن التقاليد الإسلامية والدين الإسلامي والثقافة الإسلامية يحتمل أن تكون مصادر خصبة للاعنف ولصنع السلام. ومهما تكن الأسباب استعمارية أو إمبريالية أو بنى داخلية سياسية واجتماعية فإن النقاش المنهجي لهذه المقدمة المنطقية كان مفقودا في دراسة السلام وحل النزاعات والإسلام وبكتب سيد إسكندر مهدي: "الإسلام والعالم الإسلامي لا يزالان، إلى حد كبير جدا، لسنوات ولعقود، في نضال دموي في سبيل التحرر من طوق استعماري، بقي العالم الإسلامي منشغلا لفترة طويلة من الوقت ينشد السلام ويجاهد لإيجاد مجتمع محرر من الاستعمار وعادل ومسالم، بدلا من إنتاج ما يكفي من كتابات عن السلام تشرح موقف الإسلام من القضايا المعينة.
يرى المؤلف أن اللاعنف هو مجموعة مواقف ومفاهيم وأفعال المقصود منها إقناع الناس على الجانب الآخر بتغيير آرائهم ومفاهيمهم وأفعالهم. ويستخدم اللاعنف وسائل سليمة لتحقيق نتائج سليمة. ويعني اللاعنف بأن المعنيين لا يثأرون بعنف من أفعال خصومهم؛ بل يمتصون الغضب والضرر بينما يقومون بإرسال رسالة راسخة عن الصبر والتصميم على هزيمة الظلم. ويضيف أيضاً المقاومة اللاعنفية "السليمة" تغذو ناجحة فقط حيث يوجد إعداد كاف لها. وينبغي أن تكون الجماعة جاهزة للانخراط في هكذا مقاومة، على الأخص في القيام بنشاط تهيئة الشروط اللازمة لمقاومة جمعيات فاعلة غير عنيفة. في نهاية الحرب العالمية الثانية، كان هناك ازدياد في الاهتمام بأساليب المقاومة اللاعنفية؛ وهو ما أتاح للباحثين البدء منهجيا باستكشاف شروط من أجل مقاومة فاعلة.
وعن الحوار حول اللاعنف وحل النزاعات في الإسلام، يرى المؤلف أنه لا يمكن قصره فقط على القرآن الكريم أو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ثقافات المسلم وتقاليده غنية بالقيم وأنظمة العقيدة والإستراتيجيات التي تسهل تطبيق اللاعنف وحل النزاعات. ويضيف المؤلف أن هكذا مدخل شامل إلى دراسة حل النزاعات وصنع السلام اللاعنفي في الإسلام يكون فعالاً في تعزيز قيم وإستراتيجيات صنع السلام في التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والسياسات اليومية. كما أن شمول الثقافة والتقليد في دراسة حل النزاعات واللاعنف في الإسلام هي خطوة هامة لاحتواء غير المسلمين الذين يعيشون في مجتمع يشكل فيه المسلمون الأغلبية. في مجتمعات كهذه، جرى تشكيل المحيط الثقافي بتلك التقاليد والقيم الثقافية والمعتقدات بغض النظر عن كون حوافزهم مترسخة في الدين أم لا.
وما دمنا في زمن الفوضى والفتن والجهل والظلام باسم الدين أو الهوية، فإنه من المهم الاستشهاد بوجهة نظر المؤلف بخصوص الوعي واعتماد ما سبق من فرضيات في الأبحاث عن الإسلام وصنع السلام، والتي من وجهة نظره، يمكن أن تحقق ثلاثة أهداف على الأقل، وهي: أولاً، يساعد كل من الباحثين المسلمين وغير المسلمين في توسيع مداركهم وفهمهم للعلاقة بين مفاهيم للعلاقة بين مفاهيم وممارسات صنع السلام اللاعنفي من ناحية، والثقافة والعقيدة والنهج الإسلامي من ناحية أخرى. ثانياً، يقلل احتمالية الفكرة النمطية المسبقة والتي تنتقص من المجتمع الإسلامي والعقيدة الإسلامية. ثالثاً، يزود الباحثين بطريقة لتجنب الوقوع في شرك التفسير الحرفي المتشدد للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، بدون اعتبار للسياق التاريخي أو القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي أثرت في حياة المسلمين وغير المسلمين على السواء.
وينتقد المؤلف ما صدر عن باحثين غربيين عقدوا قراءات مغلوطة حول الإسلام والديمقراطية، حيث يرى في هذا الصدد أن هؤلاء لم يستوعبوا تماماً ازدواجية الدين الإسلامي والديمقراطي. ويذكر هنا بعض أعمال جورج فيغل، George Weigel حول الإسلام واللاعنف، والذي يُبين الاحتمالات المتعددة الموجودة في كثير من الديانات؛ بما فيها الإسلام: "سيكون من الغباء بالنسبة إلى أصحاب العقيدة أن ينكروا بأن الدين يمكن أن يكون مصدر نزاعات عنيفة... ولكن سيكون من الحمق وعدم الحكمة ومجرد تشبث بالرأي صريح وخاطئ بالنسبة إلى كل من المتشككين المتدينين ورجال الدولة أن يتجاهلوا حقيقة أن العقائد الدينية عملت كذلك كمسوغ قوي للتسامح الاجتماعي والتعددية الديمقراطية والحل اللاعنفي للنزاعات". وبعد استعراض بالتفصيل لأثر المسيحية اليهودية على المجتمعات الغربية الديمقراطية والتعددية، يذكر جورج فيغل بإيجاز ثلاثة أمثلة لباحثين يستجلون العلاقة في الإسلام بين حقوق الإنسان والديمقراطية والسلام والحرب العادلة. من ناحية ثانية، وفي رده على أولئك الذين لا يرون صلات بين القيم الإسلامية وحقوق الإنسان والديمقراطية، يحذر قائلا: "بناء على هذه الحقائق، ينبغي على المرء أن لا يتعجل في رفض الإسلام بوصفه حليفا دينيا محتملا في السعي إلى تحقيق السلام وتنمية أساليب حل نزاعات لا عنفي داخل وبين الأمم".
ويضيف المؤلف أن كثيرا من الباحثين من الفئة الحالية يجادلون بأنه على الرغم من أن استخدام القوة منصوص عليه في القرآن الكريم في ظل شروط معينة وصارمة، فإن القيم الإسلامية تدعو إلى الصفح بدلاً من الثأر أو العنف. قال الله تعالى في كتابه العزيز: "وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم" [سورة الشورى، الآيات: 40، 41، 42]. كما أن هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة على الأخص ترى كعمل إستراتيجي للاعنف الذي مكّن النبي صلى الله عليه وسلم من إقامة مركز قوي للإسلام لا يزال النموذج للمجتمع المسلم (حسب وحيد الدين خان 1998). ويظهر مثال آخر للهجرة وتجنب المواجهة في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لعائلة فقيرة من عبيد سابقين باللجوء إلى ملك مسيحي في الحبشة.
ومع أن الكتاب ليس دراسة دينية للإسلام هدفها استجلاء القيم الإسلامية التأسيسية لصنع السلام واللاعنف؛ ولكن مع ذلك، يؤكد المؤلف أنه يعتمد أساسا على القرآن الكريم والحديث الشريف باعتبارهما أكثر مصدرين دينيين موثوقين ومقبولين في الإسلام، لكي يدحض بعض الافتراءات في الموضوع؛ ومنها الافتراءات المرتبكة بالجواب عن السؤال التالي: كيف ينظر الإسلام إلى العلاقة بين السلام والعدالة الاجتماعية؟ ويرد المؤلف بأنه وقع تجاهل هذا السؤال من جانب الكتاب الغربيين، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنهم يميلون إلى التركيز على العلاقة السياسية بين الدول المسلمة وغير المسلمة. ويضيف أن العدالة الاجتماعية هي مجرد واحدة من عدد من القيم التي تربط الإسلام بالسلام. وقد أشار العديد من العلماء المسلمين وغير المسلمين إلى مبادئ وقيم إسلامية مثل الحب الأسمى للخالق والرحمة وإخضاع الجوارح والمسؤولية عن جميع الأعمال، كل تلك القيم مدعومة بآيات كثيرة في القرآن الكريم وتأمر المؤمنين بأن يكونوا صالحين وأسمى من الهوى في تعاملهم مع إخوانهم من البشر. ويوصي بالحب والرفق والتعاطف والصفح والرحمة باعتبارها فضائل الإيمان الحقيقي، ومن الفضائل المرتبطة مباشرة بصنع السلام العدل والإحسان والرحمة والحكمة. وهناك فضائل أخرى ناقشها عبد الغفار خان، مثل العمل اليقين والمحبة. علاوة على ذلك، يؤكد الإسلام على العدالة الاجتماعية والأخوة والمساواة بين البشر (إلغاء العبودية وحواجز العنصرية والعرقية)، والتسامح والخضوع لله والاعتراف بحقوق الآخرين.
ويتوقف المؤلف عند بنود "ميثاق المدينة" الشهير، والذي وقع التعاقد عليه بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبين القبائل المختلفة، ويصفه بأنه مثال للمستوى الرفيع للتسامح واحترام الاختلاف الذي يفترضه الإسلام. وبموجب الميثاق، يتم اعتبار جميع القبائل المسلمة واليهودية (من الواضح أنه لم يكن هناك قبائل مسيحية مشمولة في ذلك الوقت؛ ولكنه كان بمثابة مبدأ مرشد لتعامل مع القبائل المسيحية فيما بعد) مجتمعاً واحداً؛ ولكن تحتفظ كل قبيلة بهويتها وتقاليدها وعلاقاتها الداخلية. وقد جرى استكمال الميثاق بمجموعة من القوانين مستمدة من القرآن الكريم والسنة الشريفة لحماية حقوق كل جماعة. إن حرية الدين وحق عدم الاتهام بذنب بسبب عمل حليف كانا من بين الحقوق المصانة.
* باحثة مغربية
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

