أديب إسحاق: نابغة الشرق
16 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

رسم لأديب إسحاق-(ذوات)
ذوات - عيسى جابلي

"عاش حر الضمير فكراً وقولاً وعملاً، ومات حر الضمير فكراً وقولاً وعملاً. نشأ وطنياً خالصاً صحيحاً، وعاش جندياً لأشرف الأصول وأسمى الغايات. وأنفق في خدمتها من روحه ما كان ينفخ في القلم من الروح"، هكذا وصف إسكندر عازار المفكر المصلح الشاب أديب إسحاق، وهو وصف تؤيده الأفكار العميقة التي امتلأت بها مقالاته وكتبه. ولئن تنبأ له معلمه بأن يكون شاعراً، بناء على موهبة بارزة في اللغة والتعبير، فإنه بكتاباته الاجتماعية والسياسية، كان – رغم قصر حياته – صوتاً من أبرز الأصوات التي نادت بالإصلاح والمنظّرة له في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى جانب زعماء الإصلاح الكبار كجمال الدين الأفغاني، الذي توسم فيه علامات نبوغ وذكاء ورجاحة عقل، فقربه منه، وضمه إلى مجلسه في مقهى "مثانيا" في القاهرة.

مبدع متعدد المواهب

ولد أديب إسحاق في دمشق في الحادي والعشرين من يناير (كانون الثاني) سنة 1856. أدخله والده مدرسة الآباء اللعازاريين (Pères Lazaristes)، فدرس اللغتين العربية والفرنسية فحذقهما في ظرف وجيز. وصار ينظم الأشعار في سن العاشرة، غير أن الظروف المادية القاسية للعائلة جعلته ينقطع عن التعليم مبكراً مكرهاً، ليلتحق بالوظيفة في إدارة الجمرك، كي يسد رمق الأسرة. ولم تمت رغبته الجامحة في المعرفة فأقبل على تعلم اللغة التركية التي أجادها، وترجم بها بعض الأشعار التركية إلى العربية.

كان أديب إسحاق نشطاً في كل الاتجاهات، إذ أبدع في مجال الصحافة والشعر والرواية والمسرح. وانتمى إلى جمعية "زهرة الآداب"، التي ترأسها في فترة وجيزة، والتي مكنته من المشاركة السياسية، فكان "البوق الصارخ في بيداء الخمول، يدعو النائمين إلى الهبوب والمطالبة بالحرية والاستقلال"، على حد عبارة مارون عبود. وكان منبر الجمعية فرصة توفرت لإسحاق، ليعبر عن رفضه للطائفية التي تعصف بالواقع اللبناني آنذاك.

التقى أديب إسحاق بصديقه سليم النقاش، فألف معه مسرحيات لاقت رواجاً كبيراً في مصر وسوريا. ولما انتقل إلى مصر سنة 1876 عرب رواية "شارلمان"، وكتب رواية بعنوان "غرائب الاتفاق"، وهي أعمال تحولت جميعاً إلى مسرحيات لاقت نجاحاً كبيراً.

لقاء النار بالنار

كان الحدث الأبرز في تلك الفترة هو لقاؤه بجمال الدين الأفغاني، "فالتقت النار بالنار، والتهمت الأخضر واليابس"، كما عبر عن ذلك مارون عبود. ومنذ اللقاء الأول صار إسحاق ملازماً لمجلس الأفغاني، لما لمسه فيه من نباهة وذكاء وقاد. وكان أن شجعه على إصدار صحيفة تكون منبراً للتعبير عن رفضهما للاستعمار، وترجمة مواقفهما السياسية والاجتماعية من قضايا تلك اللحظة، فكانت صحيفة "مصر" التي صدرت في القاهرة سنة 1877، وحظيت باهتمام كبير وحققت له سمعة طيبة. وربما كان ذلك ما دفعه إلى إنشاء جريدة يومية جديدة عنوانها "التجارة" بمساعدة صديقه سليم النقاش. ويذكر بعض النقاد أن المادة التي كان أديب إسحاق يقدمها في الجريدتين، قد فتحت نهجاً جديداً في الكتابة، وشكلت نقلة نوعية في الأدب وطورت أساليب التحرير وفنون الكتابة. كما كانت الجريدتان فضاء للتعبير عن الآراء والمواقف التي كان جمال الدين الأفغاني يدعو إليها، مثل المطالبة بنظام شوري، ورفض الاستبداد السياسي المطلق والوقوف ضد الاستعمار البغيض، والمناداة بالحرية والإخاء والمساواة.

في باريس التقى أديب إسحق شخصيات أدبية وفكرية عديدة أهمها "فيكتور هيغو" الذي أطلق على أديب إسحاق لقب "نابغة الشرق". كان من رواد المكتبة الوطنية الفرنسية، وكان يكتب للصحف الباريسية عن أحوال الشرق سياسياً واجتماعياً.

غير أن الصحيفتين لقيتا تضييقاً خانقاً من طرف السلطة السياسية ممثلة في الخديوي إسماعيل الذي أنذر الصحيفتين حال صعوده إلى سدة الحكم، لأنهما "على طريقة غير معتدلة"، كما ورد في نص الإنذار، الذي لم يمتثل له أديب إسحاق، فكان أن صودرت الجريدتان نهائياً ورحل أديب إلى فرنسا ليعيد إصدار جريدة "مصر" في حلة جديدة سنة 1879، متضمنة المبادئ الثلاثة للثورة الفرنسية: حرية، مساواة، إخاء، وجاء في افتتاحيتها: "هذه صحيفة "مصر" طواها الاستبداد فماتت شهيدة، ثم أحيتها الحرية فعاشت سعيدة. حاول رياض باشا المتصدر في مصر إطفاء نوري، وأبى الله إلا أن يتم نوره وإن كره الظالمون".

وفي باريس التقى شخصيات أدبية وفكرية عديدة أهمها "فيكتور هيغو" الذي أطلق على أديب إسحاق لقب "نابغة الشرق". كان من رواد المكتبة الوطنية الفرنسية، وكان يكتب للصحف الباريسية عن أحوال الشرق سياسياً واجتماعياً. غير أن "السل" الذي أصابه على حين غرة أعاده إلى بيروت دون أن يفقد حماسته ونشاطه.

في بعض أفكاره السياسية والاجتماعية

كانت الإمبراطورية العثمانية في زمن أديب إسحاق قد عصفت بها النزاعات العرقية والطائفية والخلافات السياسية، وتسلل إليها الاستعمار ليكبلها ويستولي على خيراتها. وكان أديب إسحاق واحداً من أرفع الأصوات التي نادت بضرورة توحيد السلطنة وحدة تمكنها من دحر الاستعمار، ونبذ التفرقة بين مواطنيها للتوحد ضد الخطر الأعظم بالنسبة إليه، وهو الاستعمار الذي أعمل فيها مخالبه. فلئن ضمت الإمبراطورية تحت إمرتها فسيفساء دينية وفكرية وعرقية وسياسية متنوعة، فإنها لم تحولها إلى وحدة حضارية صلبة بإمكانها أن تقاوم كل اعتداء خارجي، فسهل اختراقها من طرف الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي.

وتأثر أديب إسحاق بأفكار الثورة الفرنسية حديثة العهد واطلع – بحكم إجادته اللغة الفرنسية – على المنجز الفكري الغربي عند كل من "مونتسكيو" و"جون جاك روسو"، وهما من أهم أعلام الثورة الفرنسية. فاعتبر أن الكفيل الوحيد لإنقاذ الشرق، مما يرزح تحته من تخلف وتشظ هو الثالوث الذي جاءت به الثورة الفرنسية وتنظيراتها: حرية، عدالة، مساواة. لذلك كان ينادي بضرورة القطع مع الاستبداد في السياسة، وتأسيس حكم قائم على الشورى ينقل السلطة من الحكم المطلق للفرد إلى شورى التمثيل.

كانت السنوات التسع والعشرون التي عاشها أديب إسحاق كافية، لينحت اسمه بجانب أهم الأصوات التنويرية من المصلحين في عصره كجمال الدين الأفغاني وتلميذيه محمد عبده ومحمد رشيد رضا، وخير الدين التونسي

وقد ترجمت مقالاته فهماً عميقاً لمسألة "الحرية"، ووعياً بما يطرحه هذا المفهوم من دلالات إلى حد اعتبارها النقطة الأساس التي تبنى عليها شخصية الفرد والدولة. يقول في تعريف الحرية: "الحرية ثالوث موحد الذات، متلازم الصفات، يكون بمظهر الوجود، فيقال له الحرية الطبيعية، وبمظهر الاجتماع، فيعرف بالحرية المدنية، وبمظهر العلائق الجامعة فيسمى بالحرية السياسية"، وهو مفهوم يعكس سعة اطلاع ووعي دقيق بمفهوم الحرية كما طرحتها فلسفة الأنوار التي مهدت للثورة الفرنسية.

وترتبط مسألة الحرية بضرورة سيادة الشعب عن طريق حكم نفسه بنفسه، وهو ما يعبر عنه بالمصطلح الحديث بالديمقراطية، ولكنه يشترط لها توفير أرضية ثقافية ومعرفية حتى لا تعطي نتائج عكسية، إذا ما اقترنت ببيئة يسيطر عليها الجهل. ودعا إلى ضرورة صلاح الحاكم لأن في ذلك صلاح رعيته، ولا يكون صلاحه إلا بإرساء قوانين تحترم من طرف الجميع وتمكن كل ذي حق من حقه، بعيداً عن المحاباة والغش والتزوير، وهو ما كان سائداً في زمن "الرجل المريض".

المصلح الشاب

كانت السنوات التسع والعشرون التي عاشها أديب إسحاق كافية، لينحت اسمه بجانب أهم الأصوات التنويرية من المصلحين في عصره كجمال الدين الأفغاني وتلميذيه محمد عبده ومحمد رشيد رضا، وخير الدين التونسي. وكان قلماً تحررياً خاض في مجالات الفكر المختلفة، وجعل هموم "الشرق النائم" همه، وموت "الرجل المريض" سريرياً شكلاً من أشكال موته، ولم يدخر جهداً في رسم خطاطة للنهوض واليقظة من السبات والشتات والضياع، بما حبر من مقالات وروايات ومسرحيات وترجمات وأشعار، ضاع بعضها للأسف غير أن الباقي عكس مشروعاً إصلاحياً في مجالات شتى منها السياسي والاجتماعي والثقافي والإنساني عامة. وعلى الرغم من أن كثيراً من الكتب قد تناولت فكره بالدرس، مثل كتاب "أديب إسحاق: فكر إصلاحي لم يكتمل" لسمير أبي حمدان، الذي اعتمدناه في هذا المقال، إلا أن مشروعه الإصلاحي لا يزال في حاجة إلى مزيد من الدراسة والتمحيص كي ينال حظه مثلما كان لمجايليه من المصلحين العرب والمسلمين.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق