رفاعة الطهطاوي: داعية تعليم وتنوير وتحرير
09 يناير 2015 | 0 تعليق
رسم لرفاعة الطهطاوي -(أرشيفية)
يُعدُّ رفاعة الطهطاوي (1801-1873)، من أبرز رواد النهضة في مصر والعالم العربي، كما اعتبره عدد من الدارسين، حسب محمد سليمان، "الأب الروحي للنهضة العربية والتنوير في مصر الحديثة". وفي المقابل وصفه أحد الدعاة السلفيين بأنه صاحب "السبق والريادة في إدخال العلمنة بما تعنيه هذه الكلمة من تهميش الإسلام، وإقصائه عن إدارة شئون المسلمين".
أما الطهطاوي فقدم نفسه لقراء كتابه الشهير "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" بالقول أنه "العبد الفقير إلى أمداد سيده ومولاه، السائر حيث وجهه وولاه، المعتمد على الكريم النافع، رفاعة ابن المرحوم السيد بدوي رافع الطهطاوي بلداً، الحسيني القاسمي نسباً، الشافعي مذهباً" كما تحدث عن فضل علم الأزهر عليه بالقول أن الله سبحانه وتعالى منّ عليه "بطلب العلم بالجامع الأزهر والمحل الأنور، الذي هو جنة علم دانية الثمار، وروضة فهم يانعة الأزهار" ومنه حصّل "ما يسر به على الفتاح مما يخرج به الإنسان من الظلام، ويمتاز به عن مرتبة العوام".
اشتهر الطهطاوي بكتابه سابق الذكر، الذي خطه بتوجيه من شيخه حسن العطار الذي تولى مشيخة الأزهر عام 1246هـ، حيث حكى فيه ما عاشه من وقائع خلال سفره لباريس، ضمن بعثة علمية عام 1826 لإمامة الصلاة بأعضائها ويتولى إرشادهم الديني قبل أن يصدر قراراً حكومياً بضمه كلياً للبعثة. لفت في أولى صفحات كتابه نظر القارئ إلى ما سيتضمنه مؤلفه من "الأمور الغريبة، والأشياء العجيبة"، وأنه قيده "ليكون نافعاً في كشف القناع عن محيا هذه البقاع"، وذلك حتى يبقى "دليلا يهتدي به إلى السفر إليها طلاب الأسفار".
مُصالحة العلم
يُعلن الطهطاوي أن مراده مما دونه في كتابه هو حث "ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرانية والفنون والصنائع"، لأن كمال ذلك ببلاد الإفرنج مُبدياُ تحسره على "خلو ممالك الإسلام منه" ويدعو القارئ إلى عدم التسرع بإنكار ما يحمله الكتاب بقوله "وإياك أن تجد ما أذكره لك خارجاً عن عادتك، فيعسر عليك تصديقه، فتظنه من باب الهذر والخرافات، أو من حيز الإفراط والمبالغات". وختم الكتاب بالدعوة "أن يجعل هذا الكتاب مقبولا، (لدى الخاص والعام) وأن يوقظ به من نوم الغفلة سائر أمم الإسلام من عرب وعجم".
فالغفلة التي توجد فيها "أمم الإسلام" والبحث عن مكامن القوة لدى الإفرنج، يضيف الراحل، هي الدافع لرحلته تلك، وقد شرح ذلك بطريقة لا تخلوا من إثارة بقوله إن "البلاد الإسلامية قد برعت في العلوم الشرعية والعمل بها، وفي العلوم العقلية، وأهملت العلوم الحكمية بجملتها، فلذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه، وجلب ما تجهل صنعه" ولا يفوته التذكير بأن الإفرنج قد قويت شوكتهم "ببراعتهم، وتدبيرهم، بل وعدلهم ومعرفتهم في الحروب، وتنوعهم واختراعهم فيها"، فضلا عن تنوع علومهم وتطورها التي قال عنها أنها "واهية في مصر، أو مفقودة بالكلية".
ودعا إلى اقتفاء أثر الإفرنج في الأخذ من علومهم واعتبر الإضراب عن ذلك من التكبر وأنه "كلما تكبر الإنسان عن تعلمه شيئاً مات بحسرته"، وفي مقارنته بين حال العلم لدى الإفرنج والمسلمين ذكر قلة اهتمام علمائهم بفروع الديانة النصرانية، واشتمال صفة عالم لديهم على تخصصات أخرى فإن قيل "هذا الإنسان عالم لا يفهم منه أنه عالم في دينه، بل إنه يعرف علمًا من العلوم الأخرى".
إشارات في الحرية، العدل والقانون
انتبه الطهطاوي إلى أجواء الحرية في باريس، وربما حدثته نفسه عن سر غيابها في موطنه، فأخذ يبحث لها عن نظير في لغة المعاجم بعد أن عجز عن إدراكها في لغة الواقع، وقد نطق لسان حاله بهذا في قوله "وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف" علل ما ذهب إليه بالقول أن "معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين، بحيث لا يجوز الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكمة والمعتبرة".
هكذا سينتقل الطهطاوي مباشرة إلى الكلام حول القانون، مبدياً استغرابه من هيبة القانون وتشبع الفرنسيين بثقافته فتحدث عن مصادر إنتاجه ومراحل صياغته وشكليات دخوله حيز التطبيق، فكان مما كتب في هذا الشأن أن سائر الفرنسيين "مستوون قدام الشريعة" لدرجة أن الملك نفسه تقام عليه الدعوى الشرعية و"ينفذ عليه الحكم كغيره"، واعتبر هذا دليلا عظيمًا "على إقامة العدل وإسعاف المظلوم، وإرضاء خاطر الفقير"، وأن هذا يدل على "وصول العدل عندهم إلى درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحضرية"، كما أشاد بالحرية الدينية عندهم لأن "كل إنسان موجود في بلاد الفرنسيس يتبع دينه كما يجب لا يشاركه أحد في ذلك، بل يعان على ذلك من يتعرض له في عبادته" وأبدى إعجابه بكون الإنسان في فرنسا حر في إظهار رأيه وكتابته وطبعه بشرط أن لا يتجاوز في ذلك حدود ما يسمح به القانون.
المرأة والفن أيضاً
ولفت الطهطاوي إلى رونق السكن لدى الفرنسيين وجمالية منظره والدقة في تصميمه، فقال إن حيطان مساكنهم من الخشب "وهم يطلونه بالطلاء، ثم يسترون الحيطان بورق منقوش نقشًا نظيفًا"، ويقارن ذلك بما هو موجود في مصر ويعتبره "أحسن من عادة تبييض الحيطان بالجير"، لأن "الورق لا يعود منه شيء على من مس الجدار، بخلاف الجير، بل وهو أهون مصرفًا وأعظم منظرًا وأسهل فعلا".
كما أبدى إعجابه بطريقة الأكل لديهم فهم معتادين على الأكل في "طباق كالطباق العجمية أو الصينية، لا في آنية النحاس أبدًا، ويضعون على (السفرة) دائمًا قدام كل إنسان شوكة وسكينًا وملعقة، والشوكة والملعقة من الفضة، ويرون أن من النظافة (أو الشلبنة) ألاّ يمس الإنسان الشيء بيده، وكل إنسان له طبق قدامه، بل وكل طعام له طبق، وقدام الإنسان قدح فيصب فيه ما يشربه من (قزازة) عظيمة موضوعة على (السفرة) ثم يشرب فلا يتعدى أحد على قدح الآخر".
وتطرق أيضا إلى الحديث عن وضع المرأة الفرنسية فكان مما لفت انتباهه أنهن "يسافرن وحدهن، أو مع رجل يتفق معهن على السفر، وينفقن عليه مدة سفره معهن؛ وذلك لأن النساء "أيضًا متولعات بحب المعارف والوقوف على أسرار الكائنات والبحث عنها... فهن كالرجال في جميع الأمور"، وهو مع هذا لا ينكر عنهم الشرف والذود دونه، ففيهن - حسب قوله- ذوات العرض، ومنهن من هي بضد ذلك، وهو الأغلب" ويرد غلبة ذلك إلى استيلاء "فن العشق في فرنسا على قلوب غالب الناس ذكورًا وإناثًا" وأن "عشقهم معلل؛ لأنهم لا يصدقون بأنه يكون لغير ذلك إلا أنه قد يقع بين الشاب والشابة فيعقبه الزواج".
وتحدث عن الفن وخصوصا الرقص، الذي يتعلق به الفرنسيون رجالا ونساء خلافا لما هو عليه الأمر في مصر مُعتبراً "من خصوصيات النساء" فقط، كما أنه لا يعتبر عندهم "خارج عن قوانين الحياء" بل هو "نمط مخصوص لا يشم منه رائحة العهر أبدًا". وقد بدى تأثر الطهطاوي بوضعية المرأة في فرنسا من خلال حرصه على نقل صورتها ـ عبر كتابه- في أدق التفاصيل وإن اقتصر في دعوته بخصوصها على ضرورة تعلمها وخروجها لسوق الشغل دعما للرجل في مسار التقدم وهجر معاقل التخلف، حيث اقترح إدخال تعليم البنات في مصر، عندما كان عضواً في ديوان المدارس عام 1837، وبرّر ذلك بعبارة، ذكرها محمد سليمان، يقول فيها" للتعليم أثر قوي في إسعاد بيت الزوجية وحسن معاشرة الأزواج، وآداب المرأة ومعارفها تؤثر في أخلاق أولادها، وإن التعلم يهيئ للمرأة سبيل العمل فتعمل ما يعمله الرجال على قدر قوتها وطاقتها إذا دفعتها الحال إلى ذلك، وهذا يشغلها عن البطالة فالعمل يصون المرأة ويقربها من الفضيلة".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


