لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟
24 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
الأمير شكيب أرسلان – (أرشيفية)
ينتسب "أمير البيان" المفكر العروبي اللبناني الدرزي الأصل شكيب أرسلان (25 ديسمبر/ كانون أول 1869 - 9 ديسمبر 1946) إلى طائفة من رواد التنوير في الثقافة العربية، ممن حاولوا رسم خريطة طريق لنهضة العرب والمسلمين، بعد أن أطلق صرخته المدوية في كتابه الشهير "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم".
وفي مسعاه للإجابة عن سؤال كتابه، يرى أرسلان أن الإسلام أضاعه "جاحد و جامد" مكثفاً أزمة العرب والمسلمين، وأسباب ضعفهم وهوانهم.
والكتابُ، الذي يقال إن أرسلان أنجزه في ثلاثة أيام، جاء بعد رسالة بعثها الشيخ محمد بسيوني عمران إلى صاحب مجلة المنار، الأستاذ رشيد رضا، طالباً منه عرض تساؤلهِ ورسالته على الأمير شكيب أرسلان؛ ليَكتبَ من فيض فُيوضهِ المعرفيّة الواسعة، ويسطّر بأدبهِ الظاهر، وغيرته المحمودة على الإسلام وأهله؛ فكان هذا الكتاب الذي حققه الشيخ حسن تميم.
يستعين أرسلان بقوله تعالى: "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، مردفاً: فلما كان المسلمون قد غيروا ما بأنفسهم، كان من العجب أن لا يغير الله ما بهم، وأن لا يبدلهم الذل والضِّعة من ذلك العز وتلك الرفعة، بل كان ذلك منافياً للعدل الإلهي. والله عز وجل هو العدل المحض. كيف ترى في أمة ينصرها الله بدون عمل ويفيض عليها الخيرات التي كان يفيضها على آبائها، وهي قد قعدت عن جميع العزائم التي قد كان يقوم بها آباؤها؟! وذلك يكون مخالفًا للحكمة الإلهية.
ويتساءل: ما قولك في عزة بدون استحقاق، وفي غلة بدون حرث ولا زرع، وفي فوز بدون سعي ولا كسب، وفي تأييد بدون أدنى سبب يوجب التأييد؟ لا جرم أن هذا مما يغري الناس بالكسل، ويحُول بينهم وبين العمل، بل مما يخالف النواميس التي أقام الله الكون عليها، ومما يستوي به الحق والباطل، والضار والنافع، وحاشا لله أن يفعل ذلك. ولو أيد الله مخلوقاً بدون عمل لأيَّد من دون عمل محمداً رسوله ولم يُحوجه إلى القتال والنزال والنضال، واتباع سنن الكون الطبيعية للوصول إلى الغاية.
وتصوَّرْ أمة لله عندها مائة وهي تؤدي من المائة خمسة فقط، أتعدّ نفسها قد أدت ما عليها وتطمع في أن يكافئها الله كما كان يكافئ أجدادها الذين كانوا يؤدون المائة مائة، وإن قصروا عن المائة أدوا بالأقل تسعين أو ثمانين؟ كلا. هذا مخالف لما وعد الله على رسله ومخالف للعقل والمنطق، وليس هذا هو الشرط الذي شرطه الله على المؤمنين، وليس هذا هو البيع الذي يستبشر به المؤمنون. قال الله تعالى : [ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ]( التوبة : 111 ) فأين حالة المسلمين اليوم من هذا الوصف الذي في كتاب الله؟
ويعتبر أرسلان أن من أكبر عوامل تقهقر المسلمين فسادُ أخلاق أمرائهم، بنوع خاص، وظن هؤلاء ـ إلا من رحم ربك ـ أن الأمة خُلقت لهم، أن يفعلوا بها ما يشاؤون؛ وقد رسخ فيهم هذا الفكر، حتى إذا حاول محاول أن يقيمهم على الجادة بطشوا به، وجعلوه عبرة لغيره.
وجاء العلماء المتزلفون لأولئك الأمراء، المتقلبون في نعمائهم، الضاربون بالملاعق في حلوائهم، وأفتوا لهم بجواز قتل ذلك الناصح، بحجة أنه شق عصا الطاعة، وخرج عن الجماعة!!
فإن من سنن الله في أرضه، كما يقول أرسلان، أن الذل يردفه الفقر، وأن العز يردفه الثراء، والمثل العربي يقول:
مَنعَزَّ بَزَّ. والشاعر العربي الإياديّ يقول :
لا تذخروا المال للأعداء إنهمُ ... إن يظهروا يأخذوكم والتلاد معا
هيهات لا خير في مال وفي نعم … قد احتفظتم بها إن أنفكم جُدعا
والمتنبي يقول:
فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله... ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده
فالمسلمون عز عليهم المال ففقدوه، وعزت عليهم الحياة ففقدوها، وأبى الله إلا تصديق كلام النبي الموحى إليه حيث يقول: "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قُلْنَا: مِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: لا ، أَنْتُم يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْزَعُ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ، قِيلَ: وَمَا الْوَهَنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ".
ومن بعض أسباب ضعف المسلمين وتقدم غيرهم: الجهل – العلم الناقص: ابتلاؤكم بجاهل، خير من ابتلائكم بشبهِ عالم، والجبن والهلع، وفقدان المسلمين الثقة في نفوسهم، واجتماع اليأس والقنوط من رحمةِ الله .. يقول الشاعر: يرى الجبناء أن الجبن حزم... وتلك خديعة الطبع اللئيم.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


