الدين والتحولات المعرفية والحضارية بين اختبارات الفلسفة والعولمة
30 يناير 2015 | 0 تعليق

مخطوط تراثي -(أرشيفية)
ذوات

لعل من أشد الاختبارات التي واجهت الدين في الأزمنة القديمة، الاختبار الذي مثّلته الفلسفة والعلم والحداثة والعولمة والمستقبل. وعن تداعيات هذا التحدي، قديماً وحديثاً، تأتي هذه الدراسة القيمة للباحث السعودي زكي الميلاد، والتي نشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان: "الدين والتحولات المعرفية والحضارية: من اختبارات الفلسفة في الأزمنة القديمة إلى اختبارات العولمة في الأزمنة الحديثة".

في خلاصات التحدي الأول، يخلص الباحث إلى أنه مع كل الجدل والنزاع الذي أحدثته الفلسفة في ساحة الفكر الإسلامي، إلا أن الموقف العام الذي تشكل، تحدد في منحى التوفيق بين الدين والفلسفة، المنحى الذي اتخذ من الدين أساساً في النظر إلى الفلسفة، ولم يجعل من الدين سببا طاردا للفلسفة ومحرما لها ومانعا؛ كما أنه المنحى الذي قرّب الفلسفة من الدين، وجعل منها معلما متصالحا مع الدين.وفي نطاق هذا المنحى، تحددت صورة الفلسفة الإسلامية وهويتها، وتفردت من هذه الجهة على غيرها من الفلسفات الأخرى، وبرهنت على إمكانية التوفيق والتصالح بين الدين والفلسفة، وفصّلت المقال في إثبات ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، كما جاء في العنوان اللامع لكتاب فيلسوف قرطبة وفقيهها ابن رشد (520-595هـ/1126-1198م)، الكتاب الذي مثّل جوهر الفلسفة الرشدية.

ويضيف الميلاد أنه بهذه الخلاصة، يكون الفكر الديني الإسلامي قد عبر، بهذا الاختبار الذي واجه الدين من الفلسفة إلى الطريق الآمن، الطريق الذي فكّ النزاع ما بين الفلسفة والدين، وخلّص الفلسفة من أن تمثل مصدر تهديد للدين، وجنّب الدين من معاداة الفلسفة. ومن جهتها، أسهمت الفلسفة في دفع الفكر الديني نحو الاقتراب من النظر العقلي.

في التحدي الخاص بالعلم، ذلك الذي فُرِضَ على الدين، يرى الميلاد أنه في ساحة الفكر الديني الإسلامي؛ لم تشهد الحضارة الإسلامية، في جميع أزمنتها وعصورها، نزاعاً بين الدين والعلم على صورة ما حصل في المجال الأوربي، وفي ساحة الفكر الديني المسيحي، مضيفاً أن الدين في المجال الإسلامي ظهر في صورة المناصر للعلم والمساند له والمصطف إلى جانبه. ومن الدلالات التي يستند عليها في البرهنة على هذا الموقف، الإشارة إلى كلمة (اقرأ) التي تعد أول كلمة نزلت من القرآن الكريم، وسجلت موقفا له علاقة بالعلم، حتى قيل إن أول كلمة نزلت في القرآن جاءت وثيقة الصلة بالعلم وليس بأي شيء آخر، في دلالة صريحة على صلة الدين بالعلم في الإسلام، العلم الذي أصبح طلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة، إلى غير ذلك من دلائل وشواهد لا حصر لها.

والمحصلة، إذن، أن الدين في هذا الاختبار الطويل والعنيف خرج آمنا من النزاع مع العلم، وارتفع النزاع وحلّ مكانه البحث عن التصالح بينه وبين العلم.

وبالنسبة إلى التحديث الذي فرضته الحداثة على الدين، يرى زكي الميلاد أنه بالانتقال إلى ساحة الفكر الديني الإسلامي، نجد أن هناك تحولات مهمة حصلت في الموقف تجاه فكرة الحداثة، تحولات عبرت بأحد مسارات الفكر الإسلامي من صدمة الحداثة في الطور الأول إلى قبول الاقتران بين الإسلام والحداثة في الطور الثاني، ووصل به الحال في الطور الثالث إلى البحث عن حداثة إسلامية، في خطوة كشفت عن عنصر الحركة والدينامية في ساحة الفكر الإسلامي، دفعت به إلى التحول في هذه الأطوار. وفي هذا النطاق، يعُدّ الباحثُ كتاب الدكتور طه عبد الرحمن الموسوم بـ: (روح الحداثة... المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية) الصادر عام 2006م، أحد الملامح الكاشفة عن التحول نحو الطور الثالث والراهن في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر؛ فمن هذا الاختبار وغيره، نجح الدين في إثبات قدرته على البقاء والديمومة، وتحولت الحداثة من موقف العداء للدين وتقويض أركانه، ووضع نهاية حتمية له إلى موقف التصالح معه، التصالح الذي جعل من الممكن البحث عن حداثة دينية في المجال الديني العام، والبحث عن حداثة إسلامية في المجال الإسلامي الخاص.

 في عصر العولمة بدأ الدين يسجل حالة صعود على مستوى العالم؛ وذلك بخلاف المخاوف والهواجس التي ظنّت ورجّحت احتمالية تراجع الدين وانكماشه في ظل تيار العولمة الذي وصف تارة بالكاسح،

في ما يتعلق بالتحدي الذي فرضته العولمة على الدين، يورد الباحث بعض الإشكالات؛ منها: هل يمتلك الدين القدرة على مواكبة العولمة وفتوحاتها الكبرى وانتصاراتها المدهشة التي حوّلت العالم الكبير والواسع إلى ما يشبه القرية الصغيرة والمتصاغرة مع مرور الوقت؟ وهل بإمكان الدين استيعاب العولمة ومنجزاتها؟ معتبراً أنه من ثابت القول إنه ليست هناك إجابات نهائية ومكتملة وحاسمة حول هذه التساؤلات والمخاوف والإشكالات، وما زال النقاش حولها لم يتوقف ولن يتوقف أيضا، ولكن المفارقة التي أثارت انتباه الباحث هي أنه في عصر العولمة بدأ الدين يسجل حالة صعود على مستوى العالم؛ وذلك بخلاف المخاوف والهواجس التي ظنّت ورجّحت احتمالية تراجع الدين وانكماشه في ظل تيار العولمة الذي وصف تارة بالكاسح، وتارات بالجارف والخطير إلى غير ذلك من أوصاف دالة على قوة هذا التيار وتعاظم تأثيره.

وأخيراً، في ما يتعلق بالتحديث الذي يفرضه المستقبل على الدين، وعلى ضوء هذه الرؤية التي عبرت من الأزمنة القديمة والعلاقة بين الدين والفلسفة، إلى الأزمنة الحديثة والعلاقة بين الدين والعلم، وبين الدين والحداثة، وبين الدين والعولمة؛ تأكدت قدرة الدين على البقاء والثبات، وعبور الأزمنة على امتدادها الطويل، وتحولاتها السيالة والمتلاحقة، من الأزمنة القديمة إلى الأزمنة الحديثة، الأمر الذي يعني أن الدين لا ينتمي إلى الماضي، ولا يتحدد بالماضي؛ فالدين ما زال حيا ومؤثرا في الحاضر، وسيكون أيضا حيا ومؤثرا في المستقبل.

ويضيف زكي الميلاد أنه لا يمكن استبعاد الدين في برامج ومشاريع النظر إلى المستقبل واستشرافه، وكل رؤية تستبعد الدين عند النظر إلى المستقبل هي رؤية قاصرة وخاطئة؛ فقد ثبت أن الدين له طاقة في التأثير على البشر لا تعادلها ولا تجاريها أية طاقة أخرى، وله منزلة في النفوس لا تنازعها أية منزلة أخرى، فلا بد من الاستفادة من هذه الطاقة الكبيرة، وهذه المنزلة العميقة للدين في نفوس البشر، وعدم تضييعها وإهمالها عند النظر إلى المستقبل واستشرافه. وفي إطار علاقة الدين بالمستقبل، وإدماج الدين في المستقبليات، وفي حقل الدراسات المستقبلية، نحن بحاجة إلى الدين للوقوف في وجه الحروب ومنعها ومقارعتها، وفي التصدي لظاهرة العنف بأشكالها كافة، وفي التخلص من نزعات الكراهية والتعصب والتطرف، ولسيادة الأمن والسلام والمحبة، ونشر قيم الحق والعدل والمساواة، والدفاع عن الكرامة والحقوق والحريات، ليكون الدين مصدر سعادة البشر كافة.

لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق