في الثقافة الافتراضيّة
05 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

د. يحيى اليحياوي *

لو تسنّى للمرء أن يسلّم بأنّ العولمة إنما هي، في محدداتها ومرجعياتها وخلفياتها وطبيعتها وطبيعة الفاعلين بصلبها، ظاهرة اقتصادية بامتياز، فإنه سيسلّم حتماً بأنّ باقي "العولمات" لا تغدو غير كونها فروعاً، في حين أنّ الأولى هي المصدر، أعني هي الأصل.

وعلى هذا الأساس، لا تبدو العولمة الإعلامية مثلاً أو التكنولوجية أو العلمية، إلا رافداً من روافد العولمة الاقتصادية، ليس فقط على اعتبار أنّ لهما توجهاً متلازماً تلازم الروح والجسد، ولكن أيضاً لأنّ هدفهما المشترك يتغيا فتح الأسواق، والزيادة في الأرباح، وتسريع وتيرة دورة رأس المال، وما سوى ذلك.

ولما كانت طبيعة رأس المال هي نفسها، لا تتغير كثيراً بتغير القطاع المستثمر فيه، فإنه يصبو موضوعياً إلى تحقيق عولمته، وعولمة المكونات التي تدفع بمجاله على مستوى السعة وعلى مستوى وتيرة الاشتغال.

من هنا الاعتقاد (اعتقادنا الخاص على الأقل) بأنّ ما يتعولم من الثقافة، إنما تلك الجوانب المرتبطة عضوياً برأس المال المادي، وليس الثقافة في شموليتها، أي الثقافة باعتبارها رموزاً وهويّة وانتماء ولغة وكينونة للأفراد والجماعات.

ومعنى هذا أنّ الذي يخضع للعولمة في الثقافة هو مكونها المادي الجلي، بحكم قابليته لذلك، وليس الثقافة في كل مكوناتها ومشاربها ومصادرها. ومعناه أيضاً أنه لو تسنى لفاعلي العولمة الكبار (شركات متعددة الجنسيات وفاعلين عابرين للحدود) لو تسنى لهم أن ينشروا على نطاق واسع منتجات السينما ومسلسلات التلفزيون وبرامج التسلية والترفيه وأسطوانات الموسيقى وغيرها، فإنه لن يتسنى لهم عولمة سلم القيم أو منظومات التمثل التي كانت خلف صياغة المنتجات ذاتها وإنتاجها.

وبالقدر نفسه، فإنهم لن يتمكنوا (أو هكذا يبدو الأمر لحد الآن) أن يفرضوا المكونات الثقافية ذاتها على سلم القيم ومنظومات التمثل المتلقية...إذ لا يخضع لطقوس ومنطق العولمة إلا "السلع الثقافية" الصرفة، وليس بأي حال من الأحوال الرموز والتصورات والتمثلات.

ولهذا السبب ولغيره حتماً، فإنّ البعد الاقتصادي (الهاجس الاقتصادي يقول البعض) هو الذي يجعل منظمة التجارة العالمية مثلاً، تدفع بطرح إخضاع السلع ذاتها لمنطق السوق، ثم لمعادلة العرض والطلب، تماماً كما تخضع باقي السلع ذات الطبيعة التجارية الخالصة.

لا يختلف سياق التحليل كثيراً لو اقتصرت زاوية الرؤية مرّة أخرى على المكونات الثقافية القابلة للعولمة؛ فما يثار من حديث عن عولمة المعرفة مثلاً، لا يحتكم إلى الدقة كثيراً ولا هو بقادر على مجابهة محك التمحيص، إذ ما يروّج عبر وسائل الإعلام المقتنية لأدوات البث العابرة للحدود (فضائيات وتلفزيونات بالسواتل)، وما ينشر على مواقع الشبكات الإلكترونية (وبالأنترنيت تحديداً) لا يعدو غير كونه معلومات ومعطيات وبيانات وأخبار خام، وليس إلا في القليل النادر منه معرفة، باعتبار هذه الأخيرة تنظيراً ونمذجة لما يروّج بواقع الحال، أو من شأنه أن يروّج، كما يستشف ذلك مما تقدمه سوسيولوجيا المعرفة من أدبيات حول ذلك. وباعتبار المعرفة أقرب إلى الثقافة، منها إلى المعلومات أو البيانات أو المعطيات الرقمية: المعلومة عابرة، في حين أنّ الثقافة والمعرفة قارّتان.

 ما يتعولم من الثقافة، إنما تلك الجوانب المرتبطة عضوياً برأس المال المادي، وليس الثقافة في شموليتها، أي الثقافة باعتبارها رموزاً وهويّة وانتماء ولغة وكينونة للأفراد والجماعات.

والقياس، في هذا الباب، ممكن باللجوء إلى أطروحات نقل التكنولوجيا مثلاً، إذ ما ينقل من الدول الكبرى إلى الدول الأقل نمواً أو التي هي في طريق النمو، إنما تقنيات وأعتدة وأجهزة، وليست بأي حال من الأحوال طرق التصميم أو الاختبار أو المعرفة،؛ فتبقى التقنيات نفسها بالتالي غريبة عن المحيط المنقولة إليه، في انفصام كبير مع منظومة قيمه ونمط عيشه. وحتى لو استطاع المرء تملك هذه الأجهزة والأعتدة والتقنيات، ومن ثمة إدراك كنهها، فإنه لا يخضعها لآليات إعادة الإنتاج، بغرض تبيئتها وموطنتها والنسج على منوالها، في أفق الاستقلالية التكنولوجية أو المعرفية. إنها تخضع وبطريقة تلقائية، بمجرد وصولها "للمكان عينه"، تخضع لمنطق الاستهلاك الذي يدمّر السلعة ويقوّض معالمها، ولا يستخرج منها عناصر القيمة المضافة، أو مكامن الإبداع.

ليس ثمة من مجازفة كبرى لو اعتبر المرء بالمحصلة الأولية أنّ الذي يتعولم من الثقافة، إنما هو المكونات ذات القابلية لذلك؛ أعني ذات "الطبيعة الاقتصادية الخالصة"، بدليل أنّ "المجموعات الثقافية" الكبرى (المصممة والمنتجة للمواد الإعلامية السمعية/البصرية، أو للبرامج المعلوماتية أو للموسوعات العلمية المرقمنة) لا تدّعي أنها تنتج وتبيع مواد ثقافية، أو ذات طبيعة معرفية، بقدر ما تعتبر أنّ نشاطها يتناول المضامين والمحتويات كسلع للاستهلاك. ولذلك، نراها تدفع باتجاه أن تعتبر هذه المواد والبرامج سلعاً صرفة، لا خاصية من بين ظهرانيها تميزها عمّا سواها من سلع.

بالتالي، "فغزو" السوق للثقافة وللمجال الثقافي إنما يريد أن تبقى الأمور محصورة في هذا التصور، تصور الثقافة على أنها سلعة، حتى وإن تعلق الأمر بسوق الكتاب والنشر والصوت والصورة وما سواها؛ أي بالثقافة في محدداتها الأصل.

بالمقابل، يبدو الأمر مع الشركات الكبرى ومع تزايد هيمنة الشبكات التقنية التي تتوفر عليها، أنّ الثقافة إنما أضحت مطالبة، تماماً كرأس المال "الإلكتروني"، بأن تقتني الشبكات ذاتها، إن هي راهنت على هدف التدويل وتغيّت الانخراط في مسلسل العولمة، وهو ما فتئت الأدبيات تبشر به تحت مسمى "الثقافة الافتراضية".

والثقافة الافتراضية المقصودة في هذا الباب، إنما هي تلك الثقافة المرتكزة على الفضاء الافتراضي، حيث تنفصم العلاقة بين الزمن والمكان، ويصبح الفضاء الواقعي جزءاً ليس إلا من الفضاء الافتراضي، وحيث المستوى المحلي والوطني يغدو مكوّناً (ليس إلا) من مكوّنات الفضاء ذاته، وليس فضاء قائماً بذاته، مستقلاً.

الثقافة الافتراضية لا تحتكم إلى حدود ولا تخضع لقوانين وطنية، إنها "ثقافة الشبكات"، حيث لا إكراهات إلا ما تفرضه الشبكات ذاتها أو تقيمه.

والمقصود بالثقافة الافتراضية، من ناحية ثانية، هو مجموع الثقافات المرتبطة ببعضها بعضاً عبر الشبكات الإعلامية والاتصالاتية والمعلوماتية وغيرها. بالتالي، فالفاعلون في القطاع الثقافي يعتبرون أنّ الشبكات هاته، إنما تمثل بنية الارتباطات الضرورية لبلوغ فضاء النظام العالمي. ثم "إنها الأدوات الجديدة على مستوى العولمة، التي يلجأ إليها فاعلو القطاع الثقافي لإسماع صوتهم على نطاق عالمي".

ومعنى هذا أنّ الثقافة الافتراضية لا تحتكم إلى حدود ولا تخضع لقوانين وطنية، إنها "ثقافة الشبكات"، حيث لا إكراهات إلا ما تفرضه الشبكات ذاتها أو تقيمه. وعلى هذا الأساس، فطبيعة الثقافة نفسها تبقى من طبيعة الثقافة المعولمة المتحدث فيها من قبل، إذ ما يخضع للافتراضي في الأولى، إنما هي البيانات والمعلومات والمعطيات، وليس الثقافة كنموذج حياة وسلوك وكمنظومة قيم ورموز، هي عصية على ذلك وبكل المقاييس.

ثم لو تسنى للثقافة ذاتها أن تغدو افتراضية في جانبها الأول، فإنها لا تستطيع في الجانب الثاني أن تتجذر في المجتمع أو من بين ظهراني منظومة القيم، ليس فقط بحكم تعذر عملية تملكها، ولكن أيضاً على اعتبار صعوبة النفاذ إليها من لدن الأفراد والجماعات: القدرة على بلوغ الشبكات والنفاذ إلى بنوك المعطيات مسألة جوهرية في هذا الباب.

من هنا، فإنّ "الثقافة الشبكية"، المراد توسيع نطاقها لتأسيس ثقافة عالمية، تبقى رهينة المرتبطين بالشبكات، القادرين على الإبحار في مواقعها، المتمكنين من أدواتها، والمتوفرين على القدرة على فرز مضامينها واستخلاص المفيد منها. وهو إكراه موضوعي بامتياز، ليس فقط لأنّ من شأنه أن يكون عنصر إقصاء للعديد من سكان الأرض (غير القادرين وغير المرتبطين)، ولكن أيضاً على اعتبار طبيعة "الثقافة" المروجة، والتي تبقى صورة طبق الأصل لمنظومات القيم السائدة عالمياً، والتي تعترض مدها الإكراهات السابقة.

لا يقتصر الأمر هنا على إشكالية البلوغ (والتي من الممكن تجاوزها بهذا الشكل أو ذاك)، بل يتعداه إلى إشكالية التملك التي لا سبيل يذكر لتكريس ثقافة عالمية في غيابها. وإشكالية التملك المقصودة هنا إنما تتمثل في قدرة الأفراد والجماعات على صهر "قيم خارجية" في منظومة قيمهم، وتحويلها إلى مكوّن من مكوّناتها. وهو أمر يتعذر على طبيعة العولمة الثقافية القائمة أو تحويله إلى واقع مادي ملموس، حتى بوجود "فاعلين ثقافيين" غايتهم توظيف "قيم" العولمة ومزاياها ذاتها لبناء "ضمير ثقافي عالمي واحد".

لهذه الاعتبارات ولغيرها دون شك، فإننا نزعم أنّ العولمة "الثقافية" الحالية إنما هي عولمة اقتصادية وتقنية وإعلامية للثقافة (باعتبارها سلعة استهلاكية)، وليست بأي حال من الأحوال عولمة للثقافة "النقية"، أي للثقافة كتمثل ذاتي وجماعي للكون وكمنظومة في القيم متجذرة وناظمة للهويّة.

*باحث مغربي متخصص في الإعلام

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق