جدل التداول والتقريب عند طه عبدالرحمن
20 اكتوبر (تشرين الأول) 2014 19:00 | 0 تعليق

الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن -(ذوات)
ذوات

تتصدى دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم العلوم الإنسانية والفلسفة للباحث المغربي محمد همام لمفهومي التداول والتقريب بالفحص والتحليل في مشروع الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن.

الدراسة التي جاءت بعنوان "مفهوم المجال التداولي في المشروع العلمي لطه عبد الرحمن: دراسة في جدل التداول والتقريب"، توضح كيف اشتغل وفكر وأنجز الدكتور عبد الرحمن مفهوم المجال التداولي كبديل معرفي وفلسفي، عمّا عهده المتفلسفة والمتكلمة العرب المتقدمين والمتأخرين من اقتفاء آثار المنقول في تقلباته وتحولاته، سواء كانت ضارة أو نافعة، مذمومة أو محمودة.

وقع اختيار طه عبد الرحمن على مصطلح "التداوليات" منذ سنة 1970، مقابلاً للمصطلح الغربي "براغماتيقا" لأنّه، بنظره، يوفي المطلوب حقه، باعتبار دلالته على معنيين: "الاستعمال" و"التفاعل" معاً.

ووضع عبد الرحمن لهذا المفهوم المحوري، وفق ما أورد الباحث همام، تعاريف مخصوصة وقواعد محددة، واعتبر حقائقه وقيمه ملزمة للمبدع إلزاماً لتحقيق التوازن بين أقدار العبارة وأقدار الإشارة، وإنتاج فلسفة طبيعية مأصولة.

وبين الباحث أن عبد الرحمن توصل إلى إبداع المجال التداولي ووضع قواعده عبر الاستقراء العام والناظم لأشتات قواعد الممارسة الإسلامية العربية. وقدم نماذج صريحة على انتماء قطاعات معرفية في المجال الإسلامي العربي إلى الممارسة التداولية.

مفهوم المجال التداولي

يعرف عبد الرحمن التداوليات، بحسب الباحث، بأنّها الدراسات التي تختص بوصف، وإن أمكن، بتفسير العلاقات التي تجمع بين "الدوال" الطبيعية و"مدلولاتها"، وبين "الدالين" بها. ويميز بين أنواع شتى من التداوليات، كالتداوليات الصورية، والتداوليات الدلالية، والتداوليات الحوارية... وقد كشف عن ثغراتها وعدم استجابتها لمقتضيات التخاطب الطبيعي، ليركز اهتمامه بقسم التداوليات في أبوابه الثلاثة: باب "أغراض الكلام" وباب "مقاصد المتكلمين" وباب "قواعد التخاطب"، وعليه تكون التداوليات في مشروع عبد الرحمن عبارة عن نظرية استعمالية، حيث إنّها تدرس اللغة في استعمال الناطقين بها، ونظرية تخاطبية، حيث إنّها تعالج شروط التبليغ والتواصل الذي يقصد إليه الناطقون من وراء استعمال اللغة.

وعمل عبد الرحمن على صوغ دعوى خاصة به تقول بأن "لا سبيل إلى تقويم الممارسة التراثية ما لم يحصل الاستناد إلى مجال تداولي متميز عن غيره من المجالات بأوصاف خاصة ومنضبطة بقواعد محدَّدة يؤدّي الإخلال بها إلى آفات تضر بهذه الممارسة".

قواعد أصول المجال التداولي

ويوضح الباحث أن عبد الرحمن صاغ مبدأً للتفضيل التداولي العام ستتفرع عنه جميع القواعد التداولية؛ ومكونات هذا المبدأ؛ أي العقيدة الصحيحة واللسان البليغ والعقل السليم هي أصول المجال التداولي.

وتتفرع عن كل أصل تداولي عام قواعد تداولية محددة، تقوم بوظائف مخصوصة بحسب تراتبيتها؛ فالأصل العقدي يتكون من قواعد الاختيار والائتمار والاعتبار، ويتكون الأصل اللغوي من قواعد الإعجاز والإنجاز والإيجاز، وأما الأصل المعرفي، فيتكون من قواعد الاتساع والانتفاع والاتباع. وعمل عبدالرحمن على تصنيف هذه القواعد بناء على ما تحققه من ثمار في المجال التداولي.

صاغ طه عبد الرحمن مبدأً للتفضيل التداولي العام ستتفرع عنه جميع القواعد التداولية؛ ومكونات هذا المبدأ؛ أي العقيدة الصحيحة واللسان البليغ والعقل السليم هي أصول المجال التداولي

ويميز عبد الرحمن هذه القواعد التداولية عن القواعد الدلالية التي يكون المقصود بها، عادة، تحديد ألفاظ الدليل أو رصد جملة المضامين التي تلازم صور الأقوال. أمّا التداولية، فهي عند الفيسلوف تضبط الممارسة الاستدلالية لا من زاوية معاني الألفاظ والعلاقات التي تربط بينها، وإنّما من زاوية العلاقات بين مستعملي هذه الألفاظ أو جملة الاستعمالات التي ترد بها الأقوال في مختلف مقامات الكلام.

آفات الإخلال بالقواعد التداولية

يمكن أن يحصل الخرم في القواعد التداولية كلما ورد على هذا المجال منقول معرفي من مجالات أخرى مخالفة، دون الأخذ بعين الاعتبار المقتضيات التداولية للمجال المنقول إليه. وقد يكون الخرم لقاعدة واحدة أو لعدة قواعد بحسب الوظيفة التداولية اتحادًا أو اختلافًا. ويتسبب هذا الخرم، وفق عبد الرحمن بحسب الدراسة، بجميع مستوياته في آفات تداوليةٍ مضرة بالمجال التداولي الأصلي. فالإخلال بالقاعدة التفضيلية يتسبب في فقد مجال التداول لعامل الإرادة، وافتقاده القدرة على الإنهاض العقدي، فيسبب آفة "التثاقل"، أو تعطل الإنهاض اللغوي فيسبب آفة "التقصير"، أو تعطل الإنهاض المعرفي فيسبب آفة "التكاسل".

أما الإخلال بالقاعدة التأصيلية، فيفقد المجال التداولي الأصلي عامل الفعل، فيتعطل إنتاجه العقدي فيسبب آفة "القعود"، أو يتعطل إنتاجه اللغوي فيسبب آفة "الاحتباس"، أو يتعطل إنتاجه المعرفي فيسبب آفة "التوقف". أمّا الإخلال بالقاعدة التكميلية، فيفقد المجال التداولي عامل الاعتبار، فتتعطل قدرته على التوجيه العقدي فيسبب آفة "السهو"، وتتعطل قدرته على التوجيه اللغوي فيسبب آفة "اللغو"، وتتعطل قدرته على التوجيه المعرفي فيسبب آفة "اللهو".

ولأنّ كل آفة من الآفات المذكورة تتطرق لوظيفة من وظائف أي أصل تداولي، فإنّها، بحسب عبد الرحمن، تضر لا محالة، بالوظيفتين الأخريين، كما أنّ الإخلال قد يتطرق لأكثر من قاعدة تداولية، فتنتج عن ذلك آفات متعددة للمجال التداولي.

الاشتغال التقريبي

يشكل الاشتغال التقريبي الجزء الثاني من النظرية التكاملية في مشروع عبد الرحمن العلمي؛ والتقريب هو المقتضيات المعرفية والمنهجية التي سلكها، وينبغي أن يسلكها كل راغب في وصل المعرفة المنقولة بباقي المعارف الأصلية، أو جعل المنقول موصولاً ومأصولاً، وفق المقتضيات التداولية.

اعتمد عبد الرحمن في تعريفه "التقريب"، بما يبرز خصوصيته، آليتين مشهورتين من ضروب الحد هي: آلية التميز وآلية التَّضاد

واختار عبد الرحمن من النماذج المعرفية المقربة، بحسب الباحث، علم المنطق وعلم الأخلاق؛ الأول كونه نموذج العلوم النظرية المنقولة، ولانفراد موضوعه في النظر المجرد بمكانة لا تضاهى، والثاني كونه نموذج العلوم العملية، ولانفراد موضوعه بمرتبة في العمل لا تضاهى.

شرائط التقريب التداولي

اعتمد عبد الرحمن في تعريفه "التقريب"، بما يبرز خصوصيته، آليتين مشهورتين من ضروب الحد هي: آلية التميز وآلية التَّضاد. هاتان الآليتان اللتان تبنيان على الأخذ بالعلاقات وليس بالعناصر. من هنا استخرج عبد الرحمن الأوصاف التي يتميز بها التقريب عن غيره، وسماها بـ "الأوصاف العامة"، كما استخرج الأوصاف التي يُضاد بها غيره وسماها: "الأوصاف الخاصة". وميَّز التقريب عن بعض المفاهيم التي يتداخل معها، مثل "التوفيق" و"التسهيل" و"المقاربة".

وللوقوف على العمليات الخاصة للاتصال التداولي من خلال الآليات التقريبية، استثمر عبد الرحمن، وفق الدراسة، آلية المقابلة من خلال كشف مظاهر الانفصال التداولي التي ينطوي عليها مقابل التقريب، وهو التبعيد. هذه المظاهر الانفصالية تتحقق من خلال التبعيد لتميزه بأوصاف ثلاثة هي: "التطويل" و"التهويل" و"التعطيل".

ويخلص عبد الرحمن من عمليات المقارنة الدقيقة التي أنجزها بين التقريب والمفاهيم المتداخلة معه إلى أنّ التداول هو المرجع الأول للتقريب، وأنّ التصحيح هو وظيفته الأصلية، وأنّ اليقين هو قيمته الأساسية. كما أنّ التقريب يقوم بعمليات خاصة لها ارتباط بأصول المجال التداولي الثلاثة، وهي التشغيل العقدي والاختصار اللغوي والتهوين المعرفي. وكل من هذه الوظائف الخاصة؛ أي التشغيل والاختصار والتهوين، يتصف بالأوصاف الثلاثة العامة للتقريب؛ أي "التداول الأصلي" و"التصحيح" و"اليقين".

وحصر عبد الرحمن، بحسب الباحث، آليات التقريب التداولي في ست صور مما استعمل في التراث استعمالاً متفاوتاً، يعتبرها بمثابة آلية صورية لكنّها ذات طبيعة لغوية، وهي آليات: الإضافة والحذف والإبدال والقلب والتفريق والمقابلة.

وقد استثمرت آلية أخرى حاسمة في تقريب مضمون الفلسفة بما يعني التهويل، وإن لم يذكرها عبدالرحمن ضمن الصور الست السابقة، وهي آلية "التخصيص" التي حولت مضمون الفلسفة من "العلم بالموجود من حيث هو موجود" إلى المضمون التداولي المحول الأول، وهو "العلم بالموجود الحق الذي هو العلة الأولى لجميع الموجودات"، إلى المضمون التداولي المحول الثاني، بخلفية كلامية، وهو "العلم بالمصنوعات من حيث دلالتها على الصانع".

أخذت الأخلاق الإسلامية، بنظر طه عبد الرحمن، بنمط في الاستشكال الفلسفي مخالف لنمط اليونان وبنهج في الاستدلال مخالف لنهج اليونان، وهي تستمد مرتكزاتها، وفقه، من ثلاثة علوم محورية هي "علم الفقه" و"علم الكلام" و"علم التصوف والسلوك"

ويستخلص عبد الرحمن تصنيفاً جديداً لضروب التقريب الفاسدة؛ فـ "التقريبات المفردة" تضم بحسب الأقل ضرراً والأهون التقريب القلق يليه النقل المقلد يليه النقل المستلب. و"التقريبات المزدوجة" تضم بناء على التصنيف نفسه؛ أي من الأقل ضرراً، النقل المتعصب يليه النقل المستهتر يليه التقريب المعكوس. و"التقريبات المثلثة" تضم التقريب المنكوس وحده.

وامتلأ التراث الإسلامي بأمثلة كثيرة لكل الضروب الفاسدة من التقريب، واكتفى عبد الرحمن، وفق الدراسة، بتقديم تحليل نموذج تقريبي معكوس أنجزه الفارابي في "كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق".

آليات الاشتغال اللغوي التقريبي لعلم الأخلاق اليوناني

أثبت عبد الرحمن بطلان دعوى قلة اهتمام علماء الإسلام بمجال الأخلاق، من خلال إثبات صلة الشريعة الإسلامية بالأخلاق وإبراز الخصوصية الاستشكالية والاستدلالية للأخلاق، ومن خلال توضيح قضايا الكليات الأخلاقية الفطرية.

وقد أخذت الأخلاق الإسلامية، بنظر عبد الرحمن، بنمط في الاستشكال الفلسفي مخالف لنمط اليونان وبنهج في الاستدلال مخالف لنهج اليونان، وهي تستمد مرتكزاتها، وفقه، من ثلاثة علوم محورية هي "علم الفقه" و"علم الكلام" و"علم التصوف والسلوك".

ووقف عبد الرحمن عند ثلاثة مصطلحات تعبر عن مدى تشبع النص الأخلاقي اليوناني بمقتضيات لغتهم، إثر التفاعل العميق بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي وتأسيس الأول على الثاني، وهذه المصطلحات هي: "الخلُق" و"الفضيلة" و"العدل" عند أفلاطون وأرسطو على الخصوص. وهذا الارتباط بين المعنيين الاصطلاحي واللغوي هو الذي يحدث تفاوتاً في إدراكها لما ينقل المفهوم الأخلاقي إلى اللغة العربية؛ ذلك أنّ الدقائق الدلالية والوجوه الاستعمالية التي تأسس وفقها المفهوم في لسان اليونان لا تكون مستحضرة عند عملية النقل، مما يؤثّر سلباً في إدراك حقيقة أحكامها وإشكالاتها. وهذا ما يبرر القيام بعمل تقريبي لهذه المفاهيم وفق مبدأ الاستعمال اللغوي الخاص بمجال التداول العربي.

وأبطل عبد الرحمن دعوى اعتبار مسلك التأديب الذي سلكه المقرب المسلم للأخلاق اليونانية قد ولد لنا أخلاقيات منتحلة وخالية من الاستدلال كانت سبباً في انحلال المجتمع لعباراتها القصار.

ويصل عبد الرحمن إلى أنّ التقريب اللغوي للأخلاق اليونانية يساهم بما لا يدع مجالاً للشك في طي التفاوت بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي في المفاهيم الأخلاقية المنقولة، فيتحقق التداخل والترابط بينهما. هذا التداخل الذي يتحرك وفق المقاصد الأصلية للخطاب الأخلاقي الإسلامي، وتكتسب مفاهيمه قوة الاستعمال، فتنتظم هذه الأخلاق المنقولة في عمق البنية العملية لمجال التداول الإسلامي العربي.

 لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق