شلومو ساند: أنا مع حرية التعبير ولكنني أرفض التحريض العنصري ضد الأديان
22 يناير 2015 | 0 تعليق

المؤرخ شلومو ساند -(أرشيفية)
ذوات - عيسى جابلي

قال المؤرخ "شلومو ساند" إنه ينتصر دوماً لحرية التعبير، ولكنه في الآن نفسه يرفض التحريض العنصري ضد الأديان. وذلك عقب الجريمة "شارلي إيبدو" التي جدت في بداية الشهر الحالي في باريس. وقد ذهب "ساند" في مقاله التحليلي المعمق إلى رصد الخلفية الفكرية التي أنتجت الجريمة، وركز خاصة على الذهنية الغربية التي يعرف آليات التفكير التي تحكمها.

وأكد "ساند"، في مقال بعنوان: "أنا لست شارلي" نشره موقع "ليدرز على شبكة الأنترنيت منذ أيام: "لا شيء يمكن أن يبرر اغتيالاً، فما بالك بقتل جماعي اقترف بدم بارد. فما حصل في باريس في بداية شهر يناير (كانون الأول) الجاري يعتبر جريمة لا تغتفر إطلاقا". والقول بهذا الأمر ليس جديدا، فملايين الناس، في رأيه، يتبنون هذا الرأي ويشعرون به صادقين.

غير أن حادثة شارلي كانت مثير لأسئلة كثيرة في ذهن المؤرخ، يقول: "ورغم ذلك، وفي ظل هذه المأساة الرهيبة، فإن أول الأسئلة التي تبادرت إلى ذهني هو التالي: هل إن الاشمئزاز العميق الذي شعرت به أمام جريمة القتل ينبغي بالضرورة أن تقودني إلى التماهي مع عمل الضحايا؟ هل يجب أن أكون شارلي، لأن الضحايا كانوا تجسيداً أسمى لحرية التعبير، كما صرح بذلك رئيس الجمهورية؟ هل أنا شارلي، لا فقط لأنني علماني ملحد، بل أيضاً بسبب عدائي الجوهري للأسس الجائرة للديانات التوحيدية الغربية الثلاث؟".

وأبدى "ساند" تحفظه على عمل الرسامين في تناولهم للإسلام ونبيه قائلاً: "بعض الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها شارلي إيبدو، والتي رأيتها قبل ذلك بكثير، كانت بالنسبة إليّ مبتذلة، ولم يكن يضحكني منها إلا القليل. ولكن، ليس هذا هو المشكل. ففي أغلبية الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها الأسبوعية (شارلي) حول الإسلام، في العشرية الأخيرة، لاحظت حقداً مخادعاً موظفاً لكسب المزيد من القراء، غير المسلمين بالتأكيد. وتقليد شارلي للرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها الصحيفة الدانماركية، بدا لي بغيضاً. وسبق لي، في 2006، أن اعتبرت رسم محمد بعمامة في جانبها قنبلة يدوية استفزازاً محضاً. لم يكن هذا مجرد رسم ساخر موجه إلى الإسلاميين، بقدر ما كان تشبيها غبياً للإسلام بالإرهاب".

وأضاف: "يقال إن شارلي تهاجم كل الأديان دون تمييز، ولكن هذه كذبة". فالأسبوعية، في رأيه، قد سخرت بالتأكيد من المسيحيين، وأحياناً من اليهود، ولكن، لا "شارلي" ولا الصحيفة الدانماركية، يمكن أن تسمح بنشر رسم كاريكاتوري للنبي موسى بقبعة يهودية في وضع ساخر، على حد تعبيره.

يقال إن شارلي تهاجم كل الأديان دون تمييز، ولكن هذه كذبة. فالأسبوعية سخرت بالتأكيد من المسيحيين، وأحياناً من اليهود، ولكن، لا "شارلي" ولا الصحيفة الدانماركية، يمكن أن تسمح بنشر رسم كاريكاتوري للنبي موسى بقبعة يهودية في وضع ساخر

ورأى "ساند" أن "رياح الميز العنصري الديني الكريهة السيئة تهب على أوروبا. فهناك فرق جوهري بين انتقاد الدين أو المعتقد السائد في مجتمع ما، وبين انتهاك دين أقلية مهيمن عليها أو التحريض ضده" في إشارة منه إلى الأقلية المسلمة التي تعيش في أوروبا، التي ستكون الضحية الثانية لما حصل في باريس، يقول: "في فرنسا أو في الدنمارك، في ألمانيا أو في إسبانيا، حيث يعيش الملايين من العمال المسلمين في أسفل السلم الاجتماعي، والذين توكل إليهم في الغالب أشق المهام، يجب توخي أقصى درجات الحذر قبل نقد الإسلام، وخاصة عدم السخرية منه بوقاحة". وأبدى تعاطفه مع المسلمين الذين يعيشون على الهامش في أوروبا، يستغلون لأداء أشق الأعمال في المصانع الكبرى والمزارع والخدمات: "اليوم، خاصة بعد هذه المجزرة الرهيبة، أبدي تعاطفي مع المسلمين الذين يعيشون في الأحياء المعزولة المتاخمة للمناطق الحضرية، والذين يتهددهم خطرُ أن يصبحوا الضحية الثانية لجرائم القتل في "شارلي إيبدو" وفي محل "إيبار كاشر".

وختم صاحب كتاب "كيف اختُرع الشعب اليهودي؟" بالقول: "ربما ليس الغرب المستنير الضحية البريئة الوديعة كما يريد أن يظهر. فمن المؤكد أنه يجب أن تكون قاتلاً قاسيا شريراً لتقتل أشخاصا أبرياء عزلاً، ولكن يجب أن تكون منافقاً أو غبياً لتغض الطرف عن المعطيات التي أحاطت بهذه المأساة". وشدد على ضرورة الوعي بخطورة المرحلة ودقتها، مؤكداً على أن هذه الوضعية تقتضي أن يعي المؤمنون والملاحدة معا أن التعايش المشترك يقتضي نبذ كراهية الآخر حتى لا تزداد الوضعية سوءاً.

يذكر أن "شلومو ساند" هو مؤرخ يهودي بارز عرف بكتابه "كيف اختُرع الشعب اليهودي"، الذي نشره سنة 2008، الذي أكد فيه أن "الشعب اليهودي" بني على أسطورة الأصل المشترك التي روجتها الصهيونية، وهو الأمر الذي ينفيه "ساند". كما عرف بموقفه المناصر لحل الدولتين لفض النزاع الفلسطيني. له مؤلفات كثيرة كان آخرها كتاب "Comment j'ai cessé d'être juif" الذي نشره سنة 2013.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق