صورة لا تستطيع أن تكون عن قرب لهادي العلوي
24 يونيو 2015 | 0 تعليق

هادي العلوي
محمد عزت*

أخان صغيران ينتميان إلى أسرة فقيرة في ضاحية شديدة الفقر؛ الأول هو حسن قوي البنية الذي يستطيع أن يتسلق الشجر بسهولة ليأتي بالثمار، والآخر هو هادي النحيف الذي لا يستطيع أن يفعل ما يقوم به أخوه، تطور هذا التمايز فيما بعد، ليشمل الفكر والسلوك، وصار لكل واحد منهما طريق يختلف فيه عن الآخر، فـ" حسن " القوي جسدياً، والذي كان يتسلق الأشجار ويقطف الثمار بسهولة اتجه نحو الأوساط المهيمنة في الثقافة والسياسة، وأصبح واحدًا من الرموز الصحافية البارزة في الصحافة العراقية السلطوية، ومقربا للغاية من النظام البعثي، أما هادي النحيف فاتجه نحو ضفة المعارضة لكل ما هو سلطوي ومألوف في الحياة الثقافية والسياسية وصنف ذاته في موقع المهمشين، لكن وبعد نهاية الرحلة القاسية التي امتلأت بالمعنى وغابت عنها السعادة، لم يجد حسن القوي المقرب من النظام شيئًا ليقوله بعد خلاف سياسي امتد طيلة حياة هادي إلا أن يؤكد: "هادي العلوي يطبق على نفسه معتقداته الفكرية، فإذا دون نصًا في الزهد سارع للأخذ به في حياته البسيطة، إنه مدرسة فكرية جدلية، وسيأتي اليوم الذي يقرأ فيه هادي العلوي من جديد".

أن تأخذ صورة من قرب لمفكر عملاق كان وحده أُمة وأكاديميا متكاملة مثل هادي العلوي؛ فهذا شيء في غاية الصعوبة، فهادي العلوي هو قبل كل شيء مثقف يباهي به العرب غيرهم من الأقوام، فهو من اعتبره "جاك بيرك" واحدًا من أخطر عشرة مفكرين في القرن العشرين مع أسماء بحجم فوكو وسارتر وماركوز وبرتراند راسل وتروتسكي وتشومسكي؛ هذا على صعيد القيمة الفكرية، أما على صعيد القيمة الإنسانية، فهو هادي العلوي الذي أنتج كل هذا الإنتاج الفكري المبهر في ظروف معيشية شديدة القسوة والبؤس، حيث كرس نفسه للكتابة والبحث، ورفض أن يأخذ أي أجر أو مكافأة من أية جهة رسمية كانت أو خاصة، وعاش نباتيًا في حياة زهد وتضحية نادرة غمرها المنفى والاشتياق إلى الوطن ومقاهيه ودروبه، يحمل هم فقراء الأمة وحده. إنه هادي العلوي الذي قيل عنه: " صفات العلوي الخلقية نادرة فهو يمتاز بقلب كبير عطوف وكان مثلاً أعلى يحتذى مليئاً بحب الآخرين. ربى نفسه على تضحية لا حد لها ولعل إنشاءه جمعية بغداد المشاعية خير دليل على ذلك، فقد كان ينفق على الجمعية كل ما يحصل عليه من إيراد كتبه ويوزعه على المحتاجين المدقعين المشردين من العراقيين خارج وداخل العراق وساعد المئات بل الآلاف، وبذا أصبح الشخص المثالي الثاني بعد الأمين عبد الكريم قاسم في سمو الأخلاق والكرم اللامحدود والمثالية السامية".

أي منظار دقيق إذن، يستطيع أن يرصد حياة هادي العلوي الفكرية أو الشخصية من قرب؟ إنها صورة لا تستطيع أبدًا الادعاء بأنها من قرب، هي فقط صورة تحاول الاقتراب أكثر وأكثر.

ولد هادي العلوي عام 1932 في بغداد بضاحية كرادة مريمحي العباسيةما بين المجلس الوطني العراقي والقصر الجمهوري في المنطقة الخضراءحاليًا، وفي كرادة مريم واجه أولًا وجه أمه الذي رأى فيه ملامح الفقر، ثم واجه بعد ذلك مكتبة عامرة  بكتب التراث والفقهواللغة والتاريخ، والتي تعود إلى جده السيد سليمان فقيه الكرادةوإمامها، وكانت هذه أول صدمات حياته الفكرية، فوجه أمه الكاتم لأنين الفقر دفعه إلى كره الأغنياء ودولة الأغنياء، ومكتبة جده أدخلته في أول سؤال طوره فيما بعد، وهو " هل يبيح الإسلام التملك العام ويسمح بتقسيم الناس على مالك ومحروم وخادم ومخدوم؟"، ويحكي حسن العلوي عن هادي ومراحل تطوره، فيقول: "كنت أرى هادي في طفولته، كشريط حساس للغاية  يلتقط بذكاء الصور الاجتماعية المتناقضة، فتنطبع في نفسه، وتظل تتفاعل وتتصارع ببطء ولكن باستمرار، حتى إذا ما وصل مرحلة المراهقة، بدأ فهمه يتخذ شكلاً آخر، وبدأت السمات الثورية والفلسفية تتعمق عنده، ثم تطور الأمر ليشير إلى تأكيد شخصيته اللاحقة في فهمه للحياة في كل مفاصلها".

بدأ العلوي حياته الفكرية من اللغة، فهو معجمي قبل أن يكون مفكرًا ماركسيًا ومن اللغة بدأ اهتمامه بإعادة قراءة تاريخنا الإسلامي، فقد أنجز العلوي ثلاثة قواميس بحثت في صيغ جديدة للغة العربية ، زاوج فيها بين اللهجات المحكية والفصحى، وكان يطمح بإكمال هذا المشروع حتى لو تجاوزت قواميسه العشرة.

من اللغة إلى إمعان النظر في تاريخنا الإسلامي بنكهة ماركسية استطاع المفكر المنفي أن يترك لنا واحدًا من أكثر المشاريع الفكرية جدية في عالمنا العربي، وترك لنا أعمالًا يعود إليها المتفائلون والمتشائمون من مستقبلنا على حد سواء، فهي أعمال اتسمت بالعلمية المفرطة قبل كل شيء ولم يحدد محتواها مزاج الباحث النفسي، وإنما ما حدد محتواها هو الجدية المفرطة التي تريد الخشوع أما جلال الحقيقية وحدها.

  في حياته التي وزعت بين العراق وسوريا وإنجلترا والصين، ترك لنا العلوي عدداً كبيراً من المؤلفات، مثل: "آراء وأصداء"، وهو أول كتاب له ويجهله الكثيرون، و"نظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي" و"الرازي فيلسوفاً" و"فصول من تاريخ الإسلام السياسي" و "من قاموس التراث" و"المستطرف الجديد"، و"المنتخب من اللزوميات نقد الدولة والدين والناس" و"شخصيات غير قلقة في الإسلام"، و"المستطرف الصيني" و"الكتاب الأحمر" و"كتاب التاو" و"مدارات صوفية" و"ديوان الوجد" و"المرئي واللامرئي في الأدب والسياسة" و"ديوان الهجاء" و"قاموس الإنسان والمجتمع" و"قاموس الدولة والاقتصاد" و"قاموس العلوم والصناعات" و"تاريخ التعذيب في الإسلام" و"الاغتيال السياسي في الإسلام". إضافة إلى العديد من المقالات والدراسات في المجلات العراقية والعربية. 

         ولعل أشهر تلك الكتب للعلوي هو كتاب "تاريخ التعذيب في الإسلام"، ليس فقط لعنوانه الصادم، وإنما أيضا لمحتواه شديد الموضوعية الذي تناول ظاهرة متفاقمة في عالمنا العربي من محيطه إلى خليجه، ليس عبر النظر إلى سطحها ولكن بالدخول إلى أعمق أعماقها برؤية شديدة العلمية، ورغم أن الكاتب ماركسي ومعارض دائم لأية سلطة لرجال الدين، لكن منهجه العلمي أبى إلا أن يثبت أن الفقهاء مثلوا لعصور طويلة شيئًا أشبه بمراكز حقوق الإنسان في عصرنا الحالي بخيرها وشرها، وبحث في النصوص الدينية المناهضة للتعذيب والمجيزة له، وكيف استخدمت تلك النصوص كلًا من السلطة والمعارضة تلك؛ بتحليل مادي لا يتخلله الأيديولوجيا، فأهم ما كان يميز العلوي أنه  لم تأسره الأيديولوجية بعد أن هجر الأيديولوجيات الحزبية.

تتبع هادي العلوي في التاريخ الإسلامي خط تطور الحركات الاجتماعية وحركات المعارضة في التاريخ الإسلامي وكيف كانت تتخلى عن أهدافها إذا ما وصلت إلى السلطة، فعلى سبيل المثال؛ ولاية العهد التي كانت مرفوضة في أغلبية الفقه الإسلامي لكنه حظيت باعتراف بعض الفقهاء في القرن الخامس الهجري، وقد سبق هذا الاعتراف أخذ الفرق المعارضة بنظام ولاية العهد في حالات وصولها إلى السلطة كدولة الادارسة التي أقامتها الزيدية في المغرب والدولة الفاطمية التي أقامتها الإسماعيلية في مصر. هكذا، تناول العلوي التاريخ الإسلامي بتدقيق وعناية علمية فائقة لا تبتغي إلا الحقيقة ونزع الأيديولوجيا في تفسير حاضرنا بنزعها أولًا في تفسير ماضينا.

توفي العلوي في 27 سبتمبر-أيلول 1998 في دمشق ودفن فيها، بعد أن ترك لنا أعمالًا زينت مكتبتنا العربية ووضعت في مقدمة تراثنا المعرفي الخلاق، وأكدت قبل كل شيء على عادة العراق في إنجاب من تعول عليهم الأمة من علماء، فالعلم في العراق يقوم على جهود أفراد أبطال؛ بسبب فترات القمع الواسعة في هذا البلد، لكن أبناءه دائمًا لديهم القدرة أن يقدموا للتراث الفكري والإنساني ما لم تستطع جموع من البشر أن تقدمه.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق