ضد معادلة: "نحن النعيم والآخرون هم الجحيم"
28 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
لم تتمكن دولنا العربية حتى عصرنا الراهن من وضع مشروع مشترك، يسعى إلى احتضان كل الأديان والمعتقدات، مشروع يضمن حضور أتباع الديانات والمعتقدات الأخرى بين ظهرانيها، دون أن يلحقهم أدنى احتقار أو سخرية.
إن استمرار تواجد العديد من الأديان في الدول العربية حتى عصرنا الحاضر، ينم على سريان مبدأ التعارف الذي أقره الإسلام منذ وقت مضى، مبدأ يضمن الحرية والكرامة للأفراد والجماعات غير المسلمة. فالموقف القرآني، رغم إقراره أن الآخر الديني منحرف وزائغ وفاسد، إلا أنه سمح بتواجده ضمن الفضاء الاجتماعي للمسلمين، ما أدى إلى استمرار الأديان والمعتقدات الأخرى وعدم اندثارها. فبدون ذلك التبادل الثقافي مع الإسلام، كما يقول الدكتور عز الدين عناية في كتابه الأخير ، الأديان الإبراهيمية قضايا الراهن، ما كان لليهودية أن تنتج كثيرا من العلماء والأطباء و الموظفين، ولا المسؤولين الإداريين، بل مع تراجع الإسلام في القرن الثاني عشر شهدت القوة الخلاقة لليهودية انكماشا أيضا.
كيف يتمثل العقل الإسلامي الآخر الديني؟
التعارف والاعتراف هذا ما يمكننا أن نستشفه من الآية: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"، إذ لا يمكننا أن نعترف بالآخر دون معرفة عميقة به تاريخيا وواقعيا.
إن الإسلام لا يخلو من تأسيسات وتشريعات حكيمة تقر بحق الآخر الديني في الانو جاد و التعبير عن هويته بكل حرية، إذ أوضحت هذه التشريعات أنه ليس المسلم وحده هو الذي يمتلك زمام الأمور في الفضاء الاجتماعي دون ضابط، بل هو شريك وراع وضامن لهذا التعايش المتنوع فيه. ومن ثم، فإن ما يقوم به فقهاؤنا المتزمتون من إلزام للآخر الديني وتقليص من هامش حريته لا يمت لجوهر الدين الإسلامي بأدنى صلة، بل إن ذلك نابع من إملاءات اجتماعية ناتجة عن تباين تنزيل المبادئ في الواقع الاجتماعي من جماعة إلى أخرى ومن ثقافة إلى غيرها.
غالباً ما يتم الحكم على الآخر الديني من خلال المعايير الإسلامية البحتة التي تجد أسسها في أصول الدين و أصول الفقه، والتي يعتقد أنها معايير عقلية كونية موضوعية، بل ويتم تقديمها على أساس أنها معايير يقينية وملزمة للأخرين، الشيء الذي أدى إلى تحويلها إلى ضوابط إلزامية تحد من حرية الآخر الديني وغير الديني، وتضبط أنشطته وفق هوى جمعي شائع. ومن ثم، فإن التعارف في المجتمع الإسلامي كان حاضرا مبدئيا، غير أن تأويله وتنزيله خضع إلى مقتضيات الثقافة السائدة.
يحضر منهج المفاضلة بشكل ملفت لدى فقهائنا المنغلقين لاهوتيا، إذ لا تعبر تحليلاتهم وقراءاتهم على أدنى حياد علمي، بل تنطلق من دوافع إيمانية ومركزية دينية، يتضح فيها ما للمعتقد الشخصي من أثر على موضوعيتها، ويتجلى ذلك خاصة مع ابن تيمية الذي ذهب إلى أن الدلائل الدالة على صدق محمد أعظم من الدلائل الدالة على صدق موسى وعيسى، ومعجزاته أعظم من معجزات غيره، والكتاب الذي أرسل به أشرف من الكتب التي بعث بها غيره، والشريعة التي جاء بها أكمل من شريعة موسى وعيسى.
في الحاجة إلى الانفتاح على الأفق الإنساني الرحب.
نحن اليوم أكثر مما مضى في مسيس الحاجة إلى تعرية الدين من ملابس العقائد النظامية السائدة، وإظهار مفهومه الجوهري؛ أي الدين القائم على العقل المحض الذي لا يسمح لأية جهة كانت بتوظيفه أو استثماره لخدمة مصالح معينة؛ فليس الدين هو مصدر الأخلاق كما يتوهم غالبية الناس، بل العكس هو الصحيح، فوجود شيء يقدسه الإنسان معطى ضروري غيابه يفرغ الفعل الإنساني من المعنى، بل يجعله تائها في صحراء شاسعة دون وجهة. لكن احترامنا لهذا الشيء المقدس يجب أن يكون احتراما حرا خاليا من الإكراه والقهر و المصادرة التي تفرضها علينا الشعائر النظامية المنغلقة؛ أي ألا يتنافى احترامه مع قوانين العقل المحض؛ ذلك أن هذا الاحترام نابع من حاجة خلقية في طبيعتها وليس من خوف كسول من المجهول. ومن ثم، فإن الدولة لا تحتاج إلى الدين حتى تفرض سلطتها على المواطنين، لأن طاعة السلطة أمر أخلاقي بالدرجة الأولى وتغليفها بلباس ديني لن يضيف إليها أي شيء.
تحركنا ضمن دائرة حدود العقل، ليس إشارة دالة على موقف محتقن من العقائد الدينية بقدر ما هو إشارة دالة على قدرتنا المطلقة على الحرية؛ أي رفض الخضوع لأية وصاية على عقولنا وطرق تفكيرنا حتى فيما يتعلق بالمسائل الدينية،...وحتى نزيل بعض أوجه التعارض الذي يبدو للبعض أن وجودها قائما بين الدين والعقل المحض لابد من فتح الدين على العقل و فتح العقل على الدين، وذلك لن يتسنى لنا إلا بتحاشي استعمال كلمة دين استعمالا مغلقا ( دين يهودي، دين مسيحي، دين إسلامي، دين بودي...) واستعمالها بذل ذلك استعمالا منفتحا ( دين عقلي محض، دين العقل البشري)، وليس دين شعب دون آخر، إنه الدين الحق المتأصل في طبيعتنا البشرية دين الكائنات العاقلة . هذا الاستعمال المنغلق لكلمة دين أدى إلى تشكيل فهم خاطئ حول ما يصطلح عليه بحرية المعتقد، إذ ليس التعسف الديني هو أن نمنع شخص ما بالتمسك بعقيدته، التعسف الديني هو منعه من اتباع عقيدته بشكل عمومي كوني منفتح، وبالتالي، فإن من تسميه السلفية الاستبدادية المتوحشة كافراً، ليس هو في حقيقة الأمر سوى مؤمن مختلف عنّا.
إن أية محاولة للتحرك في دائرة الإيمان المفتوح ليست مروقا عن الدين الحق بقدر ما هي محاولة جادة للاقتراب منه؛ فالدين لا يحتاج إلى قطيع يمارس الشعائر دون فهم لمعناها، كما لا يحتاج لقطيع يتملق الإله بغية الحصول على ما عبر عنه الروائي الأنيق برهان شاوي في أحد مقاطع روايته الأخيرة "متاهة إبليس" بتبن الجنة، بل ولا يحتاج إلى أناس يحولون النعيم الأخروي إلى جهاز ابتزاز أخلاقي للفانين على الأرض. وإنما يحتاج إلى أناس أحرار يؤمنون بأنفسهم وبما تمليه عليهم عقولهم. هكذا لن يعود الدين يفرض على أي أحد أن يصير نفسه عبداً .
إن الدين الحق لا يحتاج لأي طقوس، حتى يضفي المشروعية على نفسه، إنه يحمل الله في قلبه بوصفه فكرة الخير القصوى الممكنة لنا، والمصدر الذي تنهل منه كل القيم الأخلاقية. الإيمان الحر لا يتاجر مع الله ولا يتفاوض معه، بل يؤمن به لذاته. فالعقل وحده الكفيل بإزالة الشعور بالذنب وليس الشعائر. فاختزال الدين في الشعائر أو القشور كما يحلوا لاسبينوزا أن يطلق عليها، لا ينم سوى عن جهل بالأصل السياسي لكل ضرب من ضروب الطاعة في مسائل الآخرة، أو بعبارة أيسر، إن أداء الشعائر والطقوس ضرب عقدي من إنتاج الدولة التي ابتغت من ورائه نقل مصدر الديون من الأرض إلى السماء، وبالتالي إبعاد الشبهات عنبها.
* باحث مغربي وأستاذ فلسفة
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

