معالم تفكيك الظاهرة الدينية في الإسلام عند محمد أركون
29 يناير 2015 | 0 تعليق
محمد أركون -(أرشيفية)
هذه دراسة تندرج في سياق التعريف بمشروع المفكر الجزائري الراحل محمد أركون، واشتغل عليها الباحث المغربي نبيل فازيو، ونشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان " الدين واستراتيجيات الفهم: محمد أركون وتفكيك الظاهرة الدينية في الإسلام".
ويتطلب الباحث في دراسته من أرضية مفصلية، مفادها أنه لا يستقيم الحديث عن المشروع النقدي الذي أسسه محمد أركون في مجال الدراسات الإسلامية، بشِقيْها التراثي والحديث، دونما انتباهٍ إلى المكانة المركزية التي تبوأتها فيه دراسة الظاهرة الدينية، إذ علاوةً على أن العناية بهذه الأخيرة كانت في جملة القضايا التي استبدت باهتمام هذا البحاثة المقتدر، لمدةٍ تربو عن العقود الخمسة التي امتد عبرها مشروعه الفكري، فإن التفكير في سؤال الدين كان سليل إيمان أركون بحساسيته وأهميته، بحسبانه واحداً من العوامل الحاكمة للوعي الإسلامي وللعقل الثاوي خلف تضاعيفه.
ويبقى الدليل الأوقع على هذه الأرضية التي انطلق منها الباحث، أن أركون نظر إلى الدين، باعتباره العامل المحدد للعقل الإسلامي، انطلاقاً من المفعول الكبير الذي أثر به الحدث القرآني في مسار تطور الأحداث في التاريخ الإسلامي، وكذا في مستوى تبلور النظم المعرفية المتعاقبة على ذلك التاريخ. وقد فضل أركون التركيز على البُنى (النُظم) المعرفية والثقافية التي تشكلتْ على هامش التفاعل مع الظاهرة الإسلامية والقرآنية، الأمر الذي جعل كل تفكيرٍ في محددات الثقافة العربية ومكوناتها التاريخية، حديثاً، في المقام الأول، عن تشكلاتٍ تاريخيةٍ ظلتْ تنهل سبب وجودها من الظاهرة الإسلامية على حد تعبير هذا المفكر.
ولعل ما زاد من كثافة هذه القناعة، عند صاحب نقد العقل الإسلامي، ما لاحظه من ارتفاع منسوب الانغلاق الدوغمائي الذي بات يتهدد الوعي الإسلامي المعاصر، فقد تصاعد الإسلام السياسي الذي قام على تسطيحٍ غير مسبوق للفكر الديني ولتاريخيته، مستعملاً في ذلك مختلف الوسائل التي يتيحها العقل التواصلي الحديث، بما يتيحه من تكثيفٍ للرمزية والمعنى. زاد من حدة هذا التعامل الانتقائي مع الظاهرة الدينية، ذلك المآل الذي انتهت إليه المقاربة الاستشراقية مع الاستشراق الجديد الذي بات يحصر جهده الفكري في تعريف القارئ الغربي على ما أنتجه المسلمون في الماضي كما في الحاضر من تراث فكري.
والكاتب هنا بهذه الأرضية، يلج باب التعريف بمشروع "الإسلاميات التطبيقية" للراحل أركون، باعتباره محاولةً لتحقيق مجاوزة مزدوجة؛ فهي مجاوزة للمقاربة الاستشراقية للتراث الإسلامي، وللرؤية التي يصدر عنها الوعي الإسلامي المعاصر في نظره إلى تراثه الديني والثقافي. كيف أسهمت هذه الإسلاميات في بناء فهمٍ للظاهرة الدينية يستجيب لرهانات مشروع نقد العقل الإسلامي؟ ما العلاقة بين العناية بالمسألة الدينية وذلك المشروع؟ ما هي الروافد النظرية التي أفاد منها أركون في مقاربته للدين؟ وما الذي يقصده بهذا الأخير؟ ما هي قيمة قراءة أركون للظاهرة الدينية، وما هي حدودها النظرية كذلك؟
لن نتوقف في هذا العرض عند طبيعة نقد العقل الإسلامي لدى الفقيد أركون، كما اشتغلت على ذلك الدراسة، وإنما نتوقف خصوصاً عند نقد أركون للعديد من الدراسات الاستشراقية، وهو نقد، حسب الباحث، لم يكن غايةً في حد ذاته، بل إنه مثل لحظة عبورٍ إلى بناء فهمٍ جديدٍ للإسلام يتجاوز حدود التصور الضيق الذي قدمه كل من الإسلام السياسي المعاصر والعقل الأورثوذكسي الكلاسيكي عن الإسلام والمجتمعات الإسلامية. فمن المعلوم أن أركون كان من أوائل الذين ابتدروا إلى نقد المناولة الأصولية للإسلام، وقد زاد من ثقل مسؤوليته المعرفية التضخم الذي عرفه المد الأصولي بعد مرحلة الاستقلال، إذ إن، والكلام هنا لأركون، الأديان التقليدية كانت قد استُخدمت، وما تزال تستخدم، كملاذٍ سياسي، واحتمالاً كوسيلة أو كقاعدة انطلاقٍ من أجل الاستيلاء على السلطة.
وقد زاد من تغول المد الأصولي وتوغله في تضاعيف الوعي الإسلامي المعاصر ذلك الفقر النظري، الذي بات يسممم الفكر العربي المعاصر منذ انقضاء جيل طه حسين وأحمد أمين في نظر أركون، مما فتح الباب على مصراعيه أمام القوى الأصولية والدوغمائية، كي تحتكر القول في التراث والدين، وتعتبر نفسها السلطة الوصية عليهما.
عمل أركون، في مناسباتٍ عديدة، على فضح هذا التوظيف السياسي للدين الإسلامي من طرف الإسلام السياسي، صادراً في ذلك عما اعتبره واجباً معرفياً على الإسلاميات التطبيقية أن تنهض به، فبدلاً من الاكتفاء بالوصف البراني للموضوع (الإسلام) على نحو ما تقوم به الإسلاميات الكلاسيكية، يجب العمل على فضح الإعمال الأيديولوجي والسياسي للتراث الإسلامي، وهو أمر يقتضي التسلح بالفكر النقدي الذي يمثل ثمرة إصلاح شامل للعقل ونظام المعرفة في العالم الإسلامي. لذلك، قلت إن إصلاح العقل عند أركون يبقى شرطا قبليا للخروج من المأزق الذي يعيشه العالم الإسلامي برمته.
ومن أهم خلاصات الدراسة، أن تحليل الظاهرة الدينية عند أركون اقتضى التحرك على جبهتين متوازيتين، جبهة التفكير في المساحات اللامفكر فيها التي يمتد عبرها الوعي الديني، في التراث الإسلامي الكلاسيكي كما في الفكر المعاصر من جهة، وجبهة تحليل الخطاب الديني من خلال تقديم قراءة جديدة للنص القرآني من جهة ثانية.
كما استلزم منه ذلك، يضيف الباحث في خاتمة الدراسة، تغيير مواقع النظر والمقاربة التي انطلاقاً منها استشكل قضايا العقل الإسلامي الكلاسيكي والحديث، وذلك ضمن استراتيجية تفكيكٍ شملتْ مختلف مستويات تشكل العقل الكلاسيكي التراثي. وقد كان عليه أن يكشف عن أواصر الصلة التي تربط بين ذينك المستويين. إذ فيما كان مشروعه في نقد العقل الإسلامي يرمي إلى تحليل البنى التراثية المكونة لذلك العقل، مُحاولاً بذلك أن يعيد التفكير في تاريخية النظم المعرفية الحاكمة لتاريخ العقل الإسلامي، ومتنكباً السقوط في التصور الخطي التبسيطي لتاريخية الفكر، كانت فكرة نقد النص الديني تختمر في ذهن هذا الباحث، لا سيما وأنه خبر عن قربٍ النتائج المهمة التي يمكن أن يفضي إليها إخضاع النص الديني للتحليل التاريخي والفيلولوجي الألسني.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


