فرات إسبر: في الكتابة حياة أخرى
20 يوليو 2015 | 0 تعليق

ذوات - نزهة صادق

لها حضور متميز يدعو القراء للتحليق في سموات الكلمات، وللرقص بين دفات القوافي، والسمو بين معانيها، في شطحات صوفية ترى أن أرض الله لن تثبت جاذبيتها إلا من خلال المعرفة، إنها امرأة لم ترضخ يوماً للظلم، ولا للاستسلام، وجعلت من القصيدة موطناً لها، تعبر به كل القلوب في زمكانية لا محدودة، إنها فرات إسبر الشاعرة السورية التي  تتنفس الشعر وتتفرد في معانيه، وترى أن في الكتابة حياة أخرى.

من هي إسبر ومن تكون، سؤال يطرح نفسه بشدة ؟

ولدت إسبر في قرية بعيدة ، ومن بعدها  بدأت سيرة  الحياة  التي تميزت  باغترافها كل ما هو جميل من طبيعة  هادئة وجميلة.  في البداية كانت حياة القرية قلقة وضجرة. وهكذا  بدون مسارات  دخلت إسبر لكلية الحقوق ودرست فيها حتى السنة  الرابعة ، ولم تتمكن من الحصول على الشهادة. بعدها اشتغلت بالعمل الوظيفي الاداري  وبالتعليم ، حيث كان أكثر من عمل وظيفي،  بل أعطاها  مساراً معيناً في حياتها، التي كانت تتأرجح  بين التعب والقلق، في عالم لا يحض المرأة  ولا ينتبه إليها ، لآن القوانين  ليست صالحة للاستعمال في بلاد العرب، خاصة  بالنسبة إلى المرأة التي  تتزوج  من غير  جنسيتها، والتي عليها أن تدفع ضرائب عالية من فقدان الانتماء ،

فلسفةُ الموت غير مفهومة لا شعرا ًولا نثراً ولا حتى في النص الديني الذي يجعلنا نخاف الله وجبروته.

رغم  الولادة  والأرض  والذاكرة، كما قالت إسبر.

بيت إسبر الأول كان مكتبتها

لكل إنسان بيت،  وبيت إسبر الأول كان مكتبتها ، التي كانت تحوي الكثير من الجمال  والأشخاص الذين تعرفت عليهم ، ففي بيتها المكتبة تعرفت إلى أشخاص لهم ذاكرة وتاريخ  من خلال  الكتب ، ومن خلال  ما تركوه من أرث  ٍعظيم ٍلا يموت. ولم تتصور أنه في  يوم من الأيام  ستملك ُ كتابا ًمطبوعا مثلهم.

كانت علاقة إسبر بالكتب  مثل علاقتها بإخوتها، فعندما كانوا صغار ا ً كانوا يتنافسون  على خمس ليرات سورية  لكل واحد ٍ منهم يقوم بتنظيف  المكتبة من الغبار.

تعرفت إسبر في المكتبة   على أسماء  مهمة جدا،  وعلى الرغم من أنها لم   تكن تفهم  ما في دواخل الكتب ، إلا أنها أحبت  الأغلفة   الأنيقة بصور أصحابها  التي كانت تضعها  في  الواجهة. وفي علاقتها الخاصة بعالم المكتبة تقول إسبر:" أحببتُ  لحية ماركس ووجه لينين مع أنه لم يكن في  بيتنا  شيوعيا ً.  هكذا رويدا ًرويدا  كبرت ُ وتعرفت إلى عبد العزيز المقالح  الذي يحب  صنعاء، التي تقصف كل يوم .  اليوم   عرفت حقيقة  لماذا الشاعر  ينتمي إلى أرضه ووطنه . تعرفت إلى بدوي الجبل  والمتنبي  وأبو فراس الحمداني . لم أكن  قارئة  جيدة  لهم، ولكنني  كبرت ُ في هذا المناخ ، وأعتقد أن  ما أملكه من مخزون في  ذاكرتي  يعود  إلى سماعه شفاهياً  في بيتنا ومن بعد ها بدأت أدربٌ  نفسي،  كما تربيتُ  لأجدني  أملك خمسة دواوين  شعرية ، أعادتْ إليّ  ثقتي  بنفسي .

الكلمات أوطان ٌ بالمعنى الروحي والنفسي

في ظل  هذا الخراب  الذي نعيشه  ، حملتها وهاجرت بها كأولادي  الذين حصلوا على جنسياتهم  في  بلاد بعيدة وغربية. بينما كل هذا الوطن العربي   من المحيط إلى الخليج ليس بقادرٍ على حماية نسائه ومنحنهن حقوق الرجال، لذلك أول أقول دائما لا تمنح الأوسمة   للنساء، يمنح الحديد دائما للرجال".

أعطتها  الغربة  الكثير من العمق  وأفقا ًواسعا ً ورحبا ً للنظر ورائه ، إلى ذلك الماضي البعيد، وعلى الرغم من البعد الجغرافي،  ولكن الشاعرة إسبر تؤكد بأنها ما غادرت وطنها أبداً،  فهي مثل  شجرة جذرها  في  أرض ورأسها  في أرض. واليوم في ظل هذه الحرب الملعونة، تقول الشاعرة السورية: "أسامحها بلادي، أسامح كل حجر كريم فيها، فقط أتمنى أن تعود إلى أمانها وسلامها  من تتار العصر الجديد ، والذين قتلوا كل جميل فيها حتى رؤوس  شعرائها وتماثيلهم  من أبي العلاء  إلى   أميراتها".

 بالنسبة إلى إسبر الحديث عن القصيدة ، لا تواريخ له ، فلم تعلم يوما متى بدأت الكتابة، والمعرفة هي الطريق  إلى  الله، فيمكن للمرء أن يعرفه  في كل الموجودات التي تحيط به ، البلدان والعمران، وكل ما صنع  الإنسان، والمعرفة الحقة ترفض العنف،  والله  كله محبة بكل الأديان  السماوية، على الرغم من أن  كل الوسطاء  الذين يقدمون الله لنا بشكل مرعب وعنيف.

      هناك صراع تاريخي وجودي بين  المعرفة والعنف، وقد رسم التاريخ لهما طريقان لا يلتقيان أبدا كخطين متوازيين إلى الأبد، ولذلك ترى فرات أن الطريق إلى لله و إليه ليست أبدا مع أولئك الذين  يعتقدون أن الحوريات بانتظارهم ، بل أكثر من ذلك تدعو للقطيعة  بيننا وبين هؤلاء .وإذا  كانت المدن  تمنحنا  المعرفة، كما تقول فرات، فعلينا  أن نفتح الطرق  إليها، وإذا كان  كل هذا  العنف  من السماء،  فلا بد من قطيعة حقيقية  مع هذه  السماء .

 

 الكلمات أوطان بالمعنى الروحي والنفسي

بالنسبة إلى إسبر الكلمات أوطان ٌ بالمعنى الروحي  والنفسي ، فالكتابة حمتها  من هشاشة العظام ، وهذه حقيقة لطالما تذكرها دائما ، وتقصد بها هشاشة  العظام بالمعنى  الفيزيولوجي والنفسي .

أحببتُ لحية ماركس ووجه لينين مع أنه لم يكن في بيتنا شيوعيا.

 وقد يقول البعض إنها تبالغ، ولكنها تحكي تجربة صادقة مع ذاتها،  فعندما تصفو الروح ، يصفو الجسد، لذلك نجد أن رسائلها بالإضافة إلى كونيتها تخص الإنسان، فهي رسائل لإسبر بنفسها لها ولذاتها،  بدءا من " مثل الماء لا يمكن كسرها"،   وهي عنوان المجموعة الأولى، والتي صدرت في  2004  و تلاها  الكثير  من النصوص  التي هي  كشف للذات  الخاصة   ومنها أيضا " المرأة التي  لم يقرأها أحد "  و "امرأة  متصوفة " فالقارئ يجد  الكثير من النساء  في نصوص إسبرو هي رسائل منها ولكل امرأة  .

تتأمل إسبر كثيراً في النصوص  التي تكتبها، تردّدها بصوت مرتفع في البيت  وتعيد  القراءة  كالغناء  بالنسبة إليها، " الكلمات هي الجسور بين البشر، الكلمة تصنع بيتا وتصنع صداقات. هكذا  تبني  جسور المعرفة  بين  البشر التي  بدأت ب"مثل الماء لا يمكن كسرها" في 2004  ومن بعدها  "خدعة الغامض"  في 2009  وهذه أراها   أعمق مجموعاتي،  وأرى فيها نضجي الروحي الذي آمل أن يكتمل  في فهم هذ العالم  الذي نحيا به . ومن ثم تأتي   مجموعة "زهرة الجبال  العارية "،  أسئلة ترددت  في  من هي العارية  الجبال أم الزهرة؟،  لتكون  النتيجة  امرأة برقة  الزهرة وبقوة الجبل  مرت عبر " نزهة    بين الأرض  والسماء " وهي مجموعتي  الرابعة".

رسالة إسبر في الحياة هي الإنسان يكفي أن يسمعها  شخص في مكان ما في الأرض  الأرض،  ويكتب  لها معبرا ًعن إعجابه، لتفرح وتنشد أنشودة الحياة وتفرح وتنطلق في بداية جديدة مع نص جديد، فهي سيدة البدايات.  ولأنها كذلك تنشر نصوصها وتخاف من النشر كثيرا، تخاف من أن تكون سطحية وهشة في كلماتها، ومن أن تسقط في التكلف الشعري، الذي يفقد الكلمة معناها وجوهرها فينفر القارئ الحساس والذكي منها.

حقا ً الحياة مبتدأ والموت خبر.

ترى فرات أن فلسفةُ الموت غير مفهومة لا شعرا ًولا نثراً ولا حتى في النص الديني  الذي يجعلنا  نخاف  الله  وجبروته ، نخاف  جنته وناره، وكأنه  جزّار  يقف  على باب  الجنة والنار .

  الطريق  إلى أرض الله   كانت في زيارة إسبر إلى المغرب  ولأول مرة ، إذ فتحت أمامها هذه الزيارة فضاءً واسعاً  من المعرفة والاطلاع   والفهم على هذا التاريخ العظيم الذي  تحدث عنه ابن خلدون. وكما تقول: "أن تقرأ غير أن تشاهد وتعيش وترى.. بدأت رحلتي إلى الدار البيضاء أولاً ومنها إلى الرباط،  حيث  كان التاريخ يشهد على عظمة الإنسان فنا وعمارة وأخلاقاً  ومن برتقال مراكش  شربنا وتذوقنا طعما لذيذا ًللحياة ..  وفي ساحة الفنا وقصر البديع والباهية أيقنتُ أن المشرق  لا معنى له بدون  المغرب ..  بدون هذا المحيط الواسع الذي يمتد من آسفي إلى العالم.  كانت رحلة قصيرة  في الزمن عميقة بالمعنى  والنضج .. لأكتب  نصاً من وحي بلاد يوسف بن  تاشفين ومن شواطئ آسفي  التي وقف عليها عقبة بن نافع  لنمضي  إلى الصحراء   إلى كلميم    التي تعانق الرمال .  وكان  لا بد من قول  الشعر فيها  في آخر يوم أودع فيه مراكش  الحمراء ..."

تعرفت إسبر على خصائص  وفضائل المغرب  من خلال ابن  خلدون، وعن الهوية كلما سئلت هل أنت سورية ؟ تذرف الدمع الغزير في كل جواب عن وطنها،  وعن كل سؤال ينبش جرحها العميق:  كيف الحرب  في بلادك ؟وكيف الأهل ؟.

المغرب الطريق إلى أرض الله بالمعنى   الروحي والإنساني.

وكلما دعا لها إنسان من بلاد ابن خلدون في جملة روحانية  "حمى الله سورية "، ترد الدمع  العين  "حمى الله مغربكم"، وقد ألهمتها تجربتها في المغرب لكتابة نصها الشعري،  الذي  حييت فيه بالمغرب   ورأت فيه  الطريق إلى أرض الله  بالمعنى   الروحي والإنساني.

ولكن هناك أرض أخرى لله، غير أرض الشعر،  أرض الله  التي   لا تعرف  غير العنف،   من خلال  من يتكلمون  باسمه ويذبحون باسمه،  ويسبّون   النساء  ويغتصبون الأطفال  باسمه .

تتوفر الآن الشاعرة فرات على ديوان جاهز للطبع،  ولكن  ضيق  الحال لا يسمح  بسبب  غلاء  طباعة الدواوين الشعرية  لنشره ، وبالمقابل  وكما تقول كاتبتنا السورية" لا أحد يهتم بالشعر  .. وهو يحتل المرتبة الأخيرة بالنسبة   لدور النشر، و المرأة الشاعرة لا يثق الناس فيها، بدليل أن العالم العربي لا يكرم ُ إلا الرجال".

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق