كُونْدِيرا : كائن على قَدْر الاحتمال
25 مايو (أيار) 2014 10:55 | 0 تعليق |
نهض في وجه الشعر في روايته "الحياة هي في مكان آخر" (LA vie estailleurs) وقال إن شخصية الشاعرغارقة في المتخيل على حساب الواقع، واللغة على حساب الفكر، والمجرد على حساب دينامية الجسم والحياة.
قد يلاحظ قارئ هذا الروائي أنه لا يهتم كثيراً بحياة شخصيته وتتبع مسارها، لأنه يتعامل معها بما هي مفاتيح أو مداخل للتفكير في ما هو أهم منها، أي في المفاهيم الكبرى التي استبدت بتاريخ الفلسفة، كالوجود، والحقيقة، والمعنى، والهوية، والتاريخ، والزمان.
استعاد في كتاباته سؤال المرأة الذي تم "دفنه" في فلسفة أفلاطون، وبُعِث من جديد عنده وعند آخرين، كدولوز وبودريار، في صورة شخص مصطنع (سيمولاكرsimulacre) يظهر فيها الفرد في صورته الثانية، الخالدة. وهو التصورالذي يعتبر أساسا فلسفياً لعلم جمال القصيدة المعاصرة، في مقابل الأيقونة، حيث تُدْرَك القصيدة بما هي كينونة فردية مستقلة بذاتها، وبما هي محلٌ لنمو الإحساس الجمالي أي بما هي محل الكينونة عند هايدغر.
تثير قراءة هذا الفيلسوف، ميلان كونديرا (Milan Kundera)، أسئلة عديدة، منها أنه جعل من المرأة سؤالاً فلسفياً لا تمثلاً جاهزاً، وأنه أثار أسئلة الصداقة والحب والرغبة والسياسة الجديدة للمرأة التي يجهلها الرجل، وكذلك سؤال منطق الفلسفة نفسه.
فمن يكون إذن هذا الروائي؟ الذي تساءل عن المرأة وشده تقكيره نحوها؟ وأين تتجلى حياته الفكرية؟ وكيف جعل من الرواية فضاءً جديداً و"ساحة" (أغورا Agora) قادمة من المستقبل، تتساءل عن كينونة الإنسان وعن سُبُل تجاوز الميتافيزيقا؟ وكيف تمكّن من الجمع بين الأضداد التي أنكرت الميتافيزيقا الجمع بينها ؟
يعد ميلان كونديرا من الروائين الذين كتبوا الرواية باللغتين التشيكية والفرنسية، وقد كان أحد مقاصده تقريب المسافة بين الفلسفة والأدب، وخاصة الرواية، حيث حاول في كتابه "فن الرواية"(l’art du roman) الإجابة عن السؤال: ما هي مهمة الرواية؟ وذهب إلى أن هذه الوظيفة تكمن في" تجاوز الميتافيزيقا"، مراهناً في ذلك، خلافاً لهايدغروناقداً صريحاً له، على أوّليّة النثر في قُبالة الشعر.
ففي الوقت الذي يميّز هايدغر بين الكينونة وبين الوجود، معتبراً ان تاريخ الفلسفة والعلوم هو تاريخ نسيان الوجود، يستدرك كونديرا هذا النسيان في الأدب، وخاصة في الكتابة الروائية ، ويضيف الى ذلك أنه مع (سيرفانتس Cervantès) يتم اكتشاف واستثمار جميع أفكار هايدغر، وأن الفلسفة تتمظهر في الكتابة الأدبية التي تحتضن تحليلات هايدغر في (الوجود والزمان)، بينما يعاني الوجود من الغياب والنسيان في الكتابات الفلسفية والعلمية.
يحاول كونديرا في (فن الرواية)، أول أعماله باللغة الفرنسية، عقد مقارنة بين تاريخ الفلسفة وخاصة الفلسفة الحديثة، وبين نشأة الرواية فإذا كان ميلاد الفلسفة الحديثة يعود بالنسبة إليه إلى الفيلسوف الفرنسي ديكارت، فإن نشأة الرواية تعود برأيه إلى سيرفانتيس. وهذا يعني أن الرواية عنده تكتمل في الفكر الحديث من خلال تحريره من ثقل الماضي، كما جاء في روايته "كائن لا تحتمل خفته"، ومن صنمية الذاكرة، كما جاء في روايته "البطء"، وقد اعتمد في ذلك على سرد مرح تجلى في (كتاب الضحك والنسيان).
جاءت كتابات كونديرا الأولى باللغة التشيكية - وهو المولود من أب وأم تشيكيين في العام 1929 - لكنه، غداة هجرته الى فرنسا في العام 1975، أصبح ينشر باللغة الفرنسية(رقصة الوداع، الهوية، الجهل، كائن لا تحتمل خفته...). وفي إشارة الى واقعة الهجرة يقول: "ليس الكاتب هو الذي يدير ظهره لبلده، لكن بلده هو الذي يضعه خارج القانون ويفرض عليه السرّيّة ويدفعه إلى أن يضحي بنفسه".
وقدتم نقل الأغلبي من أعماله الى اللغة العربية باستثناء أخر كتاب له، والذي صدرهذا الشهر، وهو كتاب"عيد اللامعنى".
في مُحَصّل هذه السيرة المعرفية يمكن القول إن كونديرا أنتج أعمالاً تنطوي على أوضاع جديدة. فكتاباته تبدو حافلة بالغرابة والابتداع، وهي تخرج عن المألوف المتداول في الكتابات السابقة، وأبعد من ذلك هي تمثل نموذجاً (براديغم) جديداً وتعيد النظر في الحياة والميتافيزيقا التي تهاب تنوعها واختلافها. ولعل أبلغ دليل على ذلك قوله:"تصوّر أنك صادفت مجنونًا وادّعى أمامك أنّه سمكة، وأننا جميعًا سمك. أتراك تجادله؟ أتراك تتعرى أمامه لتقنعه بأنك لا تملك زعانف؟ أتراك تقول له صراحة ما تفكر فيه؟ هيّا قل لي!لو أنك قلت له الحقيقة فحسب، واقتصرت على إخباره برأيك الحقيقي فيه، فمعنى هذا أنك توافق على الخوض في نقاش جاد مع مجنون، وأنّك أنت نفسك مجنون كذلك. ينطبق هذا بالضبط على العالم الذي يحيط بنا، فإذا أصريت على أن تقول له الحقيقة بصراحة، فهذا معناه أنّك تأخذهُ على محمل الجد. وأخذُ شئ غير جاد على محمل الجدّ معناه أننا نفقد كل جدّيتنا. فأنا مضطر للكذب لكي لا آخذ مجانين على محمل الجدّ، وكي لا أصاب أنا أيضًا بالجنون".
أضف تعليقاً
* اختياري
