محمد أركون والخروج من الدوائر المغلقة
11 اغسطس 2015 | 0 تعليق

محمد أركون
د. سامح محمد إسماعيل *

تمثل جهود "محمد أركون" ( 1928-2010) نقطة ارتكاز محورية، وحلقة وصل لا غنى عنها، في سياقات مشاريع التنوير، ومحاولات الخروج من دوائر التراث المغلقة.

وفي رأي أركون، تتجلى أزمة الحركات الأصولية الماضوية في تلك القطيعة التي اعترتها منذ القرن الخامس عشر مع الإبداع والإنتاج الحضاري،  فأصبحت تعكس كل أنواع النسيان والحذف والبتر والتبعثر، بشكل أصبح معه إسلام اليوم استمرارا مباشرا لإسلام عصر الانحطاط الحضاري الذي يشوبه التجمد والتقلص (1)، حيث حلت الحركات الدينية وجماعات المرابطين والموحدين محل الفكر الجاد الذي كان تجسد حتى القرن الرابع عشر بمفكرين من أمثال : "فخر الدين الرازي" و"الآمدي" و"ابن خلدون" (2).

 ومضى "أركون" يفند فكرة المعصومية التي تم إسباغها على المفسرين والأئمة، والتي أنتجت عقلا جمعيًّا خاضعًا ومستسلمًا، وأدى كل هذا إلى تكريس نوعين من المرجعيات بعد موت النبي هما: العلماء في الجهة السنية، والأئمة في الجهة الشيعية، وأصبحوا وحدهم القادرين على تفسير وتأويل كلام القرآن، أي إنتاج تأويلات معصومة، وبالتالي المحافظة على مكانة الوحي والعلاقة مع الغيب، ويبقى من الحتمي في رأيه القيام بمراجعة جذرية شاملة لكل المذاهب والفتاوى ومفاهيم الوحي، وكل ما أنجزه العقل السلفي وفرضه منذ قرون، كل هذا في رأيه يمكن زحزحته أو تعديله بعمل إنساني آخر، ومن ثم الوصول إلى مفهوم جديد للدين(3) .وبالتالي، فإن الشرط الضروري الذي لا غنى عنه هو النقد التاريخي واللاهوتي والفلسفي لما أسماه "الأرثوذكسيات الإسلامية" بكل أنواعها(4) من أجل الانتقال من مرحلة الفكر الدوغمائي الجامد والمغلق الذي يفرض هيمنته ومعطياته الظلامية إلى اليوم، إلى مرحلة الفهم الحديث والواسع للظاهرة الدينية .

لقد انصب اهتمام أركون على نقد العقل الإسلامي، وإعادة قراءة مفاهيم الاجتهاد والثقافة والمعرفة والحداثةوما بعد الحداثة، معتمدا علىمفاهيم أنثروبولوجية وإبستمولوجية؛ كلها تحاول فهم التراث ونزع الطابع الميثولوجي  عن مجمل التفسيراتالإنسانية للنص المقدس، وتفكيك هذا البناء التراثي الجاثم بسطوته على العقل الجمعي المسلم من خلال النقد التفكيكي /التركيبي؛ لتقديم بدائل تتمتع بالمصداقية بعيدًا عن الأنساق التقليدية التي تبلورت في العصور الوسطى .

كل هذا في رأيه، يدفع إلى حتمية مواجهة العقل التراثي، ذلك العقل الذي يراه "أركون" قد فرض سطوته على جميع أنماط المعرفة وكل مستوياتها، مما سوغ لرجال الدين  تقديم الأحكام الأخلاقية / التشريعية التي تنظم علاقات البشر في المجتمع على أساس أنها تمثل التعبير الحقيقي عن إرادة السماء، فجعلوا الناس يتصورونها ويفهمونها ويستبطنونها ويطبقونها وكأنها تمثل فعلاً مشيئة الله، وهكذا راح الفكر اللاهوتي يبذل كل ما في وسعه لكي يحدِّد الأسس الإلهية الموجهة لكل ما يفعله الإنسان(5)، هذا الإخضاع الذي تعرض له العامل الديني من قبل العامل السياسي – الأدلجة - من خلال تجربة الأمويين يدفع إلى  القول إنه بعد موت النبي لم يتح للإسلام أن يحظى بالشروط نفسها التي كان يحظى بها سابقًا على مستويي التعبير الرمزي والسياسي، فالنبي محمد كان يرسِّخ يومًا بعد يوم نظامًا سياسيًا محددًا، ثم يركِّز قواعده وبشكل ناجح ومطابق على مجريات عملية الترميز، فكل قرار قضائي / سياسي كان يتخذ من قبل النبي، كان يلقى مباشرة تسويغه الديني الرمزي وغائيته من خلال العلاقة المعاشة مع الله(6).ولعل ذلك بحكم كونه النبي المرسل ورجل الدولة في الوقت نفسه، وبالتالي حدث ذلك التماهي بين عملية بناء النظام السياسي في الآن التاريخي، وبين عملية الترميز والتسويغ الديني، وهو ما حاولت النخب الحاكمة بالتحالف مع المرجعيات الفقهية مواصلته فيما بعد لتوفير غطاء من القداسة على تطلعاتها ومشروعاتها السياسية .

ويحمل "أركون" بشدة على سيطرة الفكر الديني (السكولاستيكي) أي القائم على السرد والتكرار والتجميع على واقع الثقافة العربيةالإسلامية، مما أدى إلى خلوها في النهاية من أي فــكر فلسفي أو علمي يساعد على تطوير الواقع الثقافي،وبالتالي سجن العقل الإسلامي – على حد وصفه- في عملية استنباط الأحكام من النصالمؤسس "الـقرآن"، ومحاولة تطبيقها على الواقع، مما أدى إلى تنميط فاعلية العقلالعربي في آلية توليد النصوص، ويثور "أركون" على هذه الآلية محاولا إقامة بديل فكري يساعد العقل العربي والإسلامي على تخطي أزمته، وهذا البديل هو "قراءة ماضيه وحاضره انطلاقا من خطابات المجتمعات العربية الإسلامية وحاجاتها الحالية، أي الانطلاق من المعطيات الموجودة فعليًّا نحو تحليل الواقع الفكري والاجتماعي بعيدا عن سلطة السياج الـدوغمائيالمغلق "، ويرى أن أفضل وسيلة لذلك هي تطبيق مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية من خلال "عملية انخراط إبستيمولوجي كاملة " كفيلة بإبطال مقولة "إن الـتراث هو ذلك الـمعطى الفكري المكتفي بذاته"، ذلك أن هذا التراث الماضوي لا يمكن أبدًا توظيفه في واقعنا المعاصر لحل أزماتنا الفكرية الراهنة(7) .   

ويعني ذلك التخلص من عملية " القوننة " و"النزعة التبجيلية " التى أسبغها رجال الدين على تلك القوانين المهيمنة على شتى مناحي الحياة، أي نزع القدسية المزعومة عنها لتحقيق تلك المصالحة بين العقل المسلم وبين الزمان .

وهكذا وبعد عملية التفكيك، يحاول "أركون" بناء الموقف الإشكالي العام،والذي يراه متمثلا في تلك العلاقة القائمة بين التراث والحداثة، محاولا حل هذه الإشكالية من خلال إرساء "وعي تاريخي"  يحل محل التفسيراتاللاهوتية والميثولوجية، واستخدام هذه المنهجية التاريخية يتم من خلال التدقيق بكل المعطيات التاريخية، وهو ما يكسب الفكر العربي الإسلامي بعدًا علميُّا،ونجده في هذا الصدد يميز بين مصطلحين متقاربين "الحداثة و التحديث"، و يرى أن الحداثة هي تلك التي تتخطى حـدود الزمن وتلغي حواجزه، لأن الحداثة أكبر منأن تؤطر بسياج التاريخ فـهي "موقف للروح أمام مشكلة المعرفة". أما "التحديث" فيراه مقتصرا على تطبيق المناهج الغربية والفكر الغربي بطريقة آلية دون أي إبداع أو محاولة تعديل(8).

وبالتالي ووفق تلك الطروحات، يمكن الفكاك من محدودية الدوائر التراثية الضيقة، والانطلاق لا لدائرة أوسع وأكبر، وإنما إلى حيث اللادوائر ليصبح العقل البشري المطلق الحرية والكامل الإرادة هو المرجعية الأولى، ذلك العقل الذي يتشكل في التاريخ وأية قطيعة بينه وبين الزمان تعتبر انتحارا عقليا غير مبرر.

 

(1)محمد أركون، الإسلام، أوربا، الغرب، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1995، ص 55

(2)نفسه، الإسلام، أوربا، الغرب،  ص 65

(3)نفسه، الإسلام، أوربا، الغرب، ص ص 77-78

(4) نفسه، ص 99

(5)محمد أركون : معارك من أجل الأنسة، ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الساقي، بيروت 2001،ص56

(6)محمد أركون : الفكر الإسلامي نقد و اجتهاد، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،   1993، ص63

(7) نفسه، ص ص 31-32

(8) عبد الوهاب شعلان : إشكاليات الفكر العربي المعاصر في أطروحات أركون، الجابريالعروي، حسن حنفي، علي حرب، مكتبة الآداب، القاهرة، ط1 2006،ص20.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق