محمد سعيد العشماوي: في نقد مفهوم الخلافة الإسلامية
19 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
يعد المفكر المصري محمد سعيد العشماوي (1932-2013) من أوائل الباحثين العرب المنشغلين بمفهوم الدولة الإسلامية من زاوية نظر نقدية، ولعل ما يمز كتابات العشماوي بهذا الشأن هو اندراجها ضمن مشروع أكبر يروم إعادة تأسيس مناهج النظر في قضايا الثقافة الإسلامية. من هنا كان التعدد "المقارباتي" في إنتاجه الفكري الذي يشهد به تنوع مؤلفاته التي باشرها منذ أواخر الخمسينات من القرن الماضي ومن أهمها: تاريخ الوجودية في الفكر البشري"، "حصاد العقل في اتجاهات المصير الإنساني"، "أصول الشريعة"، "الربا والفائدة في الإسلام"، "الاصول المصرية لليهودية"، "الإسلام السياسي"، "الشريعة الإسلامية والقانون المصري".
الخلافة: نظام سياسي وليس ديني
أما قضية "الدولة الإسلامية"، التي عالج مضامينها في عدد من كتبه، فقد خصص لها كتابا بعنوان "الخلافة الإسلامية"، صدرت طبعته الأولى سنة 1990، حيث ذكر في مقدمتها مقصد الكتاب في "بيان أصول الخلافة، وطبيعتها، وحقيقتها"، وما انتهت إليه من التحول إلى نظام سياسي وليس نظام ديني، وأنها "تحتوي كل ألاعيب السياسة، وكل دناياها وكل أخطائها، وكل مساوئها"، كما اعتبر وصفها بالإسلامية بغير الحقيقي لأن هذا يفيد –خلافا للواقع- على "أنها انبنت على قيم الإسلام وأخلاقياته".
فكتاب "الخلافة الإسلامية" يستعرض من خلاله، المستشار العشماوي، مختلف المراحل التاريخية الحاسمة في مسار التاريخ السياسي الإسلامي، كما يتوقف عند المنعرجات الخطيرة في بلورة الوعي المغلوط حولها الذي ساد ذهنية المسلم. وفي هذا الصدد تناول أحداث "الفتنة الكبرى" بمنظور مختلف عن المعهود منتقداً موقف أهل السنة والجماعة التي يعتبرها حصيلة "اجتهادات من صحابة الرسول والمبشرين بالجنة"، دون أن يجرأ أحدهم على القول "إن كل واحد من المشتركين في الفتنة قد أخطأ"، وأن الأمر لا يتعلق باجتهادات بل بمطامع، وأنه لم يكن هناك فقه بل سياسية. وبذلك بقيت الفتنة الكبرى بأحداثها التي شكلت كل التاريخ الإسلامي "دون تقييم صحيح واضح" فترك الامر إلى خيالات كل مسلم فكان من تبعات ذلك ظهور فرقة الشيعة "التي أعادت تركيب الأحداث بصورة تخالف المعروف والمشهور في التاريخ الإسلامي".
مرض فصام الشخصية
كما ينتقد العشماوي السلوك الانتقائي في تناول الخلافة الأموية حيث تقدم على أنها "خدمت الدين الإسلامي بالفتوحات المتصلة والغزوات المستمرة، ونشر الإسلام بين غير المسلمين"، لكن يتم السكوت عن حقيقة أنها "دنست حرمة المدينة في عهد يزيد بن معاوية وأهدرت حرمة مكة في عهد عبد الملك بن مروان" كما يتم التستر على ضربها "الكعبة بالمنجنيق مرتين فهدمتها في كل مرة".
إن الأمثلة المتوالية على هذا التقييم الخاطئ للخلافة، في نظر العشماوي، تشهد "بأن التاريخ الإسلامي كان دائما أبدا –نتيجة فصام الشخصية- يتبع أسلوب الشظايا المتناثرة والفسيفساء المتباعدة". ف"مرض فصام الشخصية" يشكل بالنسبة للعشماوي المركب المركزي في تفسير الخلل المنهجي لدى المسلمين في تمثل الخلافة، وهو الذي يظهر أكثر ما يظهر، كما يقول، في "السياسة والعمل السياسي"، لأن "التاريخ -في المفهوم الغالب- هو تاريخ الحكام أو الأحداث السياسية".
في تمايز الديني عن المدني
كما يتصدى العشماوي لمناقشة ما يعتبره خلطا "بين الحكومة المدنية والحكومة الدينية"، الشيء الذي ولد الظن لدى الكثير من "أن الخلافة نظام ديني لا بد منه لتمام الاعتقاد أو لصحته". وفي سياق التمييز بين نظامي الحكم المدني والديني يرى أن الأول "تقيمه الجماعة، مستنداً إلى قيمها مرتكزاً على إرادتها مستمراً برغبتها، حتى ولو طبق أحكاماً دينية أو قواعد شرعية"، أما الحكم الديني فهو الذي "يضفي على الحاكم صفات دينية أو يسبغ على الرئيس معاني شرعية"؛ فالعشماوي لا يرى مناط التفرقة بينهما في تطبيق الأحكام الدينية أو القواعد الشرعية، إنما "في صفة الحاكم ووصف الحكم، ففي الحكم المدني يكون الحاكم شخصا غير معصوم ولا مقدس، بينما يكون في الحكم الديني معصوما مقدسا".
ويستنج المفكر المصري من تحليلاته أن الخلافة هي في الأصل نظام مدني لأنها لم تكن موضوعا لأوامر القرآن ولا السنة، مفسراً الدعاوي الشرعية إلى الاعتصام بحبل الله والتضامن مع جماعة المؤمنين عن طريق تعلقها بالدين ووحدة الجماعة وتكوين الأمة؛ فهذه الدعاوي لا تحدد "شكل الرياسة أو نوع القيادة أو رسم الإمامة". فالخلافة الإسلامية، في تصور العشماوي، بدأت بصفتها مجرد رياسة للجماعة قبل انحدارها إلى "أن أصبحت نظاما دينيا"، حتى صار الخليفة هو "خليفة الله، ونور الله، وظل الله؛ وهي صفات تفاعلت مع الواقع وأثرت فيه فجعلت من الخليفة شخصا معصوما لا يحاسب، مقدسا لا يساءل"، فانتهى بها الأمر إلى "أن أصبحت نظاما دينيا بحكم الواقع".
في أنواع الحكومات
وفي سياق إثراء الجهاز المفاهيمي في تحليل مفهوم الخلافة وتفكيكه، نقرأ للمستشار العشماوي في كتابه "حصاد العقل في اتجاهات المصير الإنساني" توصيفات لأربعة أنواع من الحكومات هي: "حكومة الله"، "الحكومة الدينية"، "الحكومة العنصرية"، "الحكومة المدنية" و"حكومة الامام".
ف"حكومة الله" هي التي تبلورت خلال العهد المدني من البعثة المحمدية أي خلال مرحلة الأحكام التشريعية المنظمة للمجتمع وعلاقاته، وهي تعني "أن تكون الحاكمية لله وحده"، فحتى النبي لا يكون فيها "إلا منفذا لإرادة الله"، فتكون طاعة النبي من طاعة الله نظرا لرابطة الوحي بينهما "بحيث تتم المراجعة من الله أولا بأول لأي تصرف أو حكم له لا يكون موافقا. كما تتم مراجعة الأحكام التي تتضمنها الآيات القرآنية ذاتها، فيما يعرف بالنسخ"؛ بل إن المراجعة كانت تطال أفعال النبي ذاته وهو ما أشارت إليه عدد من الآيات. أما "الحكومة الدينية" فهي التي "يرتبط فيها نظام الحكم والقانون والأخلاق بالعقيدة الدينية" ويستمد الحاكم فيها "سلطانه من الجماعة المحكومة لا من الله". وهنا يرى المؤلف أن عدم اختبار النبي لخليفة من بعده "يرجع لاختلاف نظام الحكومة في عهده عن الحكومة من بعده"، وانسجاما مع هذا الطرح صرح ابو بكر الصديق عندما ولي الخلافة "وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني" وكذا قول عمر "إن رأيتم في اعوجاجا فقوموني"، فالدين في هذه الحكومة خلافا لحكومة الله "منفصل عن شخص الحاكم"، وتحددها ثلاثة مقومات تتمثلا: أولا، في اختيار الحاكم من المحكومين فيكون لهؤلاء أن يراقبوه وأن يخرجوا عليه، وثانيا أن تستهدف الحكومة نشر الدين وحكم المؤمنين بأحكام الشريعة، ثم أخيراً "أن تكون عالمية الاتجاه إنسانية النزعة".
إن الإخلال بهذه المقومات، يؤدي بحسب الكاتب، إلى السقوط في نموذج "الحكومة العنصرية" وهذا ما حصل تاريخياً عقب انفراط "حكومة الخلفاء الراشدين"، واستمرت حتى "تاريخ انتهاء الخلافة العثمانية سنة 1924"، وفي ظلها بدأ "التلاعب في تفسير النصوص الدينية، وبدأت وسائل تحريف هذه النصوص وتغيير معناها لتؤيد النظر الحاكم". أما "الحكومة المدينة" فهي التي "عممتها الحضارة الغربية"، وهي"لا تستند إلى الدين في تثبيت دعائمها والقضاء على خصومها، وإن كان من اللازم أن تتأثر بالقيم الدينية وأحكام الشريعة"، فالدولة في هذا النموذج عوضت الدين في النماذج السابقة من حيث وظيفته "في استجماع الناس واستقطاب الولاء".
وفي آخر النماذج يذكر الكاتب "حكومة الإمام" التي تبلورت في الفكر الشيعي، حيث تعتبر الولاية، أي الانضواء تحت إمام العصر، ركنا من أركان الإسلام؛ وهذا يعني أن حكومة الله في التصور الشيعي لا زالت قائمة "بفضل استمرار الأئمة الذي يتولون شرح الأحكام للناس"، غير أن العشماوي يسجل فارقاً بين موقع هذه الحكومة في التصور الشيعي وما كانت عليه زمن النبي في كون الوحي في العهد النبوي كان له كيان ظاهر يتحدد في القرآن وأعمال النبي، أما في حكومة الإمام "فهي حكومة لله تشرح وتبين الأحكام، مستنبطة ذلك من القرآن ومن سنة النبي، يسددها في ذلك الأمانة والعصمة".
العشماوي، المفكر المنبوذ
لم تلق أفكار محمد سعيد العشماوي الترحاب في الأوساط الدينية ولا في الأوساط الشعبية، ووجهت جرأته في الطرح بشدة وغلظة خصوصا من طرف التيار الجهادي الذي أصدر فتوى بإهدار دمه عقب صدور كتابه "الإسلام السياسي" سنة 1999، كما كان محل نقد من طرف المفكرين الإسلاميين من أمثال الدكتور صلاح الصاوي في كتاب "تحكيم الشريعة ودعاوى العلمانيين"والدكتور محمد عمارة في كتاب "سقوط غلاة العلمانية"، أما علماء الشريعة فصدر أعنف نقد في صفهم من قلم الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتاب "الأنوار الكاشفة لما في كتاب العشماوي من الخطأ والتضليل والمجازفة"، سنة 2002، استهله بتقديم شبهه فيه بالمتطرفين قائلا أن "كلاهما يعمل ضد الدين وأهله، فلا فرق بين من يحمل قلما يهاجم فيه الإسلام وقيمه وقممه، وبين من يحمل بندقية يسيء بها إلى سماحة الدين الحنيف".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


