المقدس والدنيوي محور يوم دراسي في صفاقس التونسية
13 ابريل 2015 | 0 تعليق
جانب من الندوة -(ذوات)
نظّمت وحدة البحث في "المتخيّل" بكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس (الجامعة التونسية) يومًا دراسيًّا في موضوع "المقدّس والدنيوي"؛ وذلك يوم الجمعة 10 أبريل/ نيسان 2015، شارك فيه ثلّة من الأساتذة الباحثين والمختصين في مجال الحضارة العربيّة والإسلاميّة.
مبرّر تناول هذا الموضوع هو ما يثيره من إشكاليّات تسجّل حضورها بشكل دائم في مختلف الأزمنة والثقافات، وتتباين مقارباتها وتصوّراتها وقد ألحّت الورقة العلميّة التي طرحها منسّق هذا اليوم الدراسي، الأستاذ فيصل سعد على ما بين المقدّس والدنيوي (المعبّر عنه في عدد من الدراسات بالمدنّس تجوّزا) من صلات وتلازم أو تكامل، على الرغم ممّا يحملانه من تقابل وانفصال وتعارض "فهذا المقدّس ضارب في عصور بلا بداية، ملازم لحياة الإنسان يضفي على وجوده معنى. ولذلك، ألفيناه يرقى به إلى معانقة رموزه الحميمة ومعبوداته وسائر القوى التي يرى أنّ لها عليه سلطانا. وهذا الدنيويّ يشدّه إلى الدنيا شدّا وبه يتقوّم معاشه حتّى ليضحي مقدّسًا معبودًا يستحيل عنده الوسيلة والغاية معا. وحسبك عدد من القيم الماديّة والأخلاقيّة شاهدا على ذلك (حبّ المال والسلطة والاستبداد وما سواها). ثمّ ألسنا نرى عددا من المقدّسات تتهاوى تحت ضربات التاريخ الموجعة وأمام تيّار الحداثة الجارف (حقوق الإنسان والضمير الحرّ وما عداها). وما بال البشريّة في الوقت الذي تجتاح فيه الدَنْيَوَةُ عالمها وتنزع عنه السحر القديم والقداسة الملازمين لها منذ عصور هي اليوم أشدّ تقديسا لمنظومات الأفكار والقيم والمذاهب الفقهيّة القديمة والأزمنة والأمكنة (عالم القداسة التقليديّ) بما يؤسّس لعودة المقدّس بديلا عن حداثة لم ندركها بعد؟ وها هي بعض الأديان – وقد تشكّل هذا المقدّس قبلها بأحقاب – تدعونا إلى التوفيق بين الدنيويّ والأخرويّ، وتوصينا بألاّ ننسى نصيبنا من دنيانا فيما يحضّنا العلم على استصفاء الحساب مع الخرافة والأسطورة، ويعدنا بجنّة الأرض قبل جنّة السماء. ثمّ أليست المقدّسات رموزا تاريخيّة ثقافيّة بالضرورة، ومن ثمّ هي نسبيّة لها من الدلالات ما يعبّر عن الشيء وضدّه أحيانا: فما هو مقدّس اليوم قد يستحيل مدنّسا غدا، وما استوى مدنّسا عند مجموعة مّا لا يعدو كونه مقدّسا عند أخرى. وبناء على ما تقدّم تغدو أنظمة التمثّلات والتصوّرات المخيّلة للأشياء هي المحدّد للمقدّس والدنيويّ أكثر من دلالة المقدّسات في حدّ ذاتها".
واستنادا إلى ما يثيره هذا الموضوع من أسئلة وإشكالات تحدّدت محاور البحث في النقاط التالية:
- المقدّس والدنيويّ :أيّة علاقة ؟
- المقدّس والقدامة : تماه أم تغاير؟
- المقدّس والحداثة : اتصال أم انفصال ؟
- دنيَوَةُ المقدّس وتقديس الدنيويّ: حقيقة أم متخيّل ؟
- المقدّس والرمز: الدلالات والوظائف
- المقدّس والسلطة
وقدّمت في الغرض خمس مداخلات؛ كانت الأولى بعنوان "الإنسان المقدَّس: بحث في الرّوافد والوظائف" للأستاذ شكري بوشعّالة، وهي عبارة عن دراسة تحليليّة نقديّة لبعض الأخبار والمرويّات والنّصوص التّأسيسيّة والنّصوص الحوافّ ذات الصّلة، انطلاقًا من محورين أساسيّين:
- الأوّل: سؤال المعنى أو في مفهوم الإنسان المقدَّسِ؟
- الثّاني: سؤال المنشإ والمقصد أو في روافد الفكرة ووظائفها؟
وقد حاول الأستاذ شكري بوشعالة إيجاد تفسير سوسيولوجيّ وأنثروبولوجيّ وسيكولوجيّ لتحوّل الإنسان المقدّس بفعل الزّمن والمطاولة إلى ظاهرة اجتماعيّة سعى إلى رصد تجلّياتها الدّائمة والمتكرّرة، سواء من خلال الممارسات الطّقسيّة والشّعائريّة والاحتفاليّات الحاشدة أو من خلال الأدبيّات المنظّرة لها التي حوّلت الممارس العفويّ السّاذج إلى موثّق معقلن.
أمّا المداخلة الثانية، فحملت عنوانًا لها: "مسار التقديس وآليّاته من خلال سيرة الرسول محمّد" للأستاذ باسم المكّي الذي انطلق من تحديد أربع محطّات في حياة الرسول احتفت بها كل المصنفات المهتمة بالسيرة، وهي النسب والولادة المقدسة وشق الصدر ونزول الوحي، وما تركيزه على هذه المحطّات إلاّ لتبيّن آليات إنتاج الصورة المقدسة، وقد خلص إلى أنّ أخبار النسب قامت على آليّة الوصل. أمّا الولادة، فحضرت فيها آليّة التبشير بقداسة جديدة، في حين كانت آليّة أخبار شق الصدر هي التطهير وأخيرا آليّة الوصال ومعانقة المقدس التي اشتغلت في أخبار الوحي، وهكذا أكّد الأستاذ باسم المكّي مدى تفاعل هذه الآليات الأربع في تشكيل صورة مقدسة للرسول، وهي صورة حية و فاعلة في التاريخ.
أمّا المداخلة الثالثة، فكانت بعنوان: "الزمن في الإسلام: بين المقدّس والدنيوي" للأستاذة عفاف مطيراوي التي قامت بعرض نماذج من الزمن المقدّس في الإسلام وتحليلها، مثل الحج والعمرة ورمضان، فبيّنت أهمّية الزمن المقدّس وما يرتبط به من ضوابط وشروط تختلف حينا وتتشابه حينا آخر من دين إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، فضلا عن خاصية هذا الزمن الدوريّة وتنوّع أشكال التفاعل معه إضافة إلى ارتهانه بالمكان المقدّس وارتباطه به.
وفي المداخلة الرابعة التي جاءت تحت عنوان: "الحجر الأسود في الإسلام بين المقدس والتاريخ" للأستاذ حمّادي ذويب فقد لقد حاولت دراسة رمز من رموز المقدس في الإسلام من زاوية تاريخ الأديان والأديان المقارنة، من خلال الوقوف بدءًا على مكانة الحجر الأسود عند العرب قبل الإسلام وعلى تعريفه ودلالة لونه وتفسيراته الأسطورية والتاريخية، والنظر إثر ذلك في بعض تجليات إجلال الحجر الأسود وفي صدارتها تقبيله أو لمسه. وبيّن الأستاذ حمّادي ذويب أنّ تضخيم قداسة الحجر الأسود اعتمد فيها على جملة من التقنيات كالمحاكاة والتعالي الذي يقصد به إعلاء منزلة الحجر إلى مرتبة سماوية يضحي بمقتضاها من مصدر أصلي هو الجنة، وتوقّفت المداخلة على تقنية القلب وتقنية تشخيص الحجر وأنسنته، وارتأى الأستاذ حمّادي ذويب على صعيد آخر بحث وظائف الحجر الأسود، فانطلق في ذلك من وظيفة التطهير وألمع إلى الوظيفة الأيديولوجية ثم وظيفة تمثيل المقدس، وانتهى إلى بيان خلفيات تقديس هذا الحجر. ثمّ بحث في المستوى التاريخي الخاص بنزع القداسة عن الحجر الأسود فتطرق إلى مواقف بعض الفرق والصحابة والعلماء الذين كانت لهم آراء نقدية إزاء الحجر وخاصة عمر بن الخطاب ومحمد بن الحنفية وإبراهيم النظّام. وأبرز بعض الأحداث التاريخية التي عصفت بهذه القداسة، ومنها خاصة حادثة اقتلاع القرامطة له وتحويله إلى البحرين، وأشار في النهاية إلى أنّ تناقض الأخبار الخاصة بالحجر الأسود من علامات مرجعة قداسته.
واختتم اليوم الدراسي بمداخلة خامسة، جاءت بعنوان: "جدل المقدّس والمدنّس في مفهوم الحاكميّة" للأستاذ أنس الطريقي، وهي تدخل ضمن اهتمام هذا الباحث بنقد أنساق الفكر العربيّ الإسلاميّ، في تراثه القريب، الحديث والمعاصر، بغية استكشاف مواطن الاحتباس النظريّ فيها، واقتراح طرق فكّ ذلك الاحتباس؛ وذلك في سبيل إعادة الديناميكيّة المعطَّلة لهذا الفكر.
وفي هذا السياق، انصبّ تركيزه على اختبار مدى صلاحيّة مفهومي التذييت (Subjectivation) والذاتيّة (Subjectivité) بوصفهما تعريفًا فلسفيًّا للإنسيّة أو للنزعة الإنسانيّة (Humanisme)، في تعرية الدور المركزيّ الذي يلعبه التوحيد الإسلاميّ، بواجهتيه العقائديّة، والمدرسيّة المذهبيّة، في إيقاف ديناميكيّة الفكر الإسلاميّ، باعتبارها أهمّ شروط الإنسيّة فلسفيًّا.
إنّ دراسته هذه التي جرت من منظور تأويليّ، كشفت أنّ المدخل الأساسيّ لنسق نظريّ محرّك للديناميكيّة الحضاريّة الإسلاميّة، هو إعادة هذه الديناميكيّة لمفهوم التوحيد الإسلاميّ. وذلك -بنوع من التبسيط- عبر تجاوز المفهوم المدرسيّ القديم للاجتهاد، إلى مفهوم يصيّره تأويلاً منفتحًا على الوجود الإنساني المتحرّك حتمًا، مناطه الأوّل العقائد، وعقيدة التوحيد أساسًا. إنّ ما دعا إليه الأستاذ الباحث أنس الطريقي تحديدًا هو تحويل مفهوم التوحيد الإسلاميّ إلى مضمون مفتوح باستمرار على حركة التاريخ، تشحنه في كلّ مرّة بالمضمون الذي يسند للإنسان في حياته في التاريخ.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

