الدين والدولة والثورة في مصر
06 اغسطس 2015 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

       اهتمّ الباحث المصري إبراهيم الهضيبي بدراسة إشكالية العلاقة بين الدين والثورة في بحث موسوم بـ"الدين والثورة"، منشور على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث. وبين الباحث أنّ محمد علي وخلفاءه قد سلكوا ثلاثة مسارات، هي: "التمصير" الذي بدأ سنة 1822، وقد تمظهر ذلك في الجيش والقضاء والتعليم؛ والثاني هو "التحديث" الذي يقتضي أن تقتحم الدولة المجتمع بتنظيم العلاقات وسيطرة الدولة على الموارد الاقتصادية وتأميم الأراضي الزراعية؛ وأمّا الثالث، فيسميه الباحث "الدولنة" ويقصد به "سطو الدولة على المؤسسات الأهلية، وفي القلب منها المؤسسات الدينية التي مزجت وظيفتها الدينية بوظائف اجتماعية، أهمها تمكين المجتمع من التنظيم الذاتي لشؤونه، وإيجاد نخب مستقلة نسبياً عن الدولة ولها صلات عميقة بفئات مجتمعية واسعة".

واستنتج الباحث أنّ "الثمرة الرئيسة لهذه المسارات هي الانتقال من تحكيم المؤسسات الأهلية إلى حكم الدولة، وقد أثر ذلك على الدين من جهات"؛ منها أنّ "سيادة الدولة عنت احتكار المؤسسات الدينية التابعة لها للمجال الديني، (...) كما أنّ الدولة أخضعت المؤسسة الدينية لمؤسساتها في مواقفها، على نحو ظهر على سبيل المثال في تغير موقف الأزهر من إسرائيل تبعاً لموقف الدولة".

ويرى الباحث في دراسته أنّ الدولة المصرية قد وصلت "أوج سلطانها في الحقبة الناصرية، ثم بدأت في التراجع، لا لصالح المجتمع الذي سلطت عليه، وإنما لصالح السوق الذي فككت المؤسسات المقاومة له". ويستدل على ذلك بالرئيس السادات الذي لم يحتج بعد وصوله إلى الحكم إلا لأشهر كي يعيد توجيه الاقتصاد بعيداً عن سياسات الاكتفاء الذاتي.

وتوازى صعود السوق مع تغيرات مهمة في الساحة الدينية، "إذ تراجع دين الدولة تدريجياً لصالح دين السوق، على نحو تبدّى أولاً في كسر احتكار الأزهر للساحة الدينية مع تمدد الوهابية واكتساب الإخوان مساحات "دينية" مستقلة عنه". كما "ظهرت غلبة السوق كذلك على المستوى الخطابي في "سوق الفتاوى" التي صارت مفتوحة للجميع بغير معايير علمية، بعد أن صارت خاضعة لقوانين العرض والطلب".

ويلاحظ الباحث أنّ صعود السوق قد أدّى إلى انحسار الدين والمجتمع وقصر الخيارات على دين السوق ودين الدولة، واستنتج: "ومن ثم كانت التيارات الإسلامية ـ في مجملها ـ معادية لفكرة الثورة بدرجات متباينة".

التيارات الدولتية السوقية مرحبة بفكرة التغيير الجذري المقترنة بالثورة، لما في ذلك من تهديد لأنماط الحكم السائدة والبنية الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها، وإنما انحاز بعضها للثورة، باعتبارها حركة إصلاحية سياسية تدفع الحاكم وأعوانه من غير تغيير النظام الاقتصادي، دفعتهم لذلك أسباب كالمصلحة التنظيمية للإخوان في ظل انغلاق آفاق السياسة.

في حين أنّ مؤسسات الدولة (الأزهر والطرق) قد انحازت للدولة والحاكم رافضة الثورة، ولم تكن "التيارات الدولتية السوقية مرحّبة بفكرة التغيير الجذري المقترنة بالثورة، لما في ذلك من تهديد لأنماط الحكم السائدة والبنية الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها، وإنما انحاز بعضها للثورة، باعتبارها حركة إصلاحية سياسية تدفع الحاكم وأعوانه من غير تغيير النظام الاقتصادي، دفعتهم لذلك أسباب كالمصلحة التنظيمية للإخوان في ظل انغلاق آفاق السياسة". ويشير الباحث إلى أنّ "موقفهم الثوري ظهر في التظاهر ضد مبارك، ثم ما لبثوا أن عادوا للمنطق الإصلاحي بعدها".

ويؤكد الباحث أنّ الثورة كانت سبباً في تغيرات جذرية داخل الحركة الإسلامية، "إذ أدّت لحظة الثورة وما بعدها إلى التراجع الكبير لإسلاميي السوق الخلّص (التيار النيوليبرالي)، وحلول إسلاميي الدولة المتصالحين مع السوق محلهم (كما هو الحال خارج التيار الإسلامي بتراجع رجال الأعمال وصعود رجال الدولة المتصالحين مع السوق). ومن ثمّ، فقد تراوحت خطابات التيار الإسلامي بعد الثورة بين الدعوة للمشروع الإسلامي والدعوة لتطبيق الشريعة.

إلا أنّ الثورة كما فتحت بعض الأبواب، فقد أغلقت غيرها ،حسب الباحث، "إذ أدّى الصعود السياسي للحركات الدولتية ـ وبالأخص الإخوان ـ في أعقاب الثورة لكشف تناقضاتها، ومن ثمّ تآكل فرص بقائها، وكانت السنة التي تولى فيها الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية كاشفة في هذه الجهة، إذ اختفى "تقنين الشريعة" بالكليّة عن الوجود خلالها. وأمّا المشروع الإسلامي، فقد تلقى صدمات كبرى بالتناقضات بين الشرع والمصلحة، على رأي الباحث.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق