دولة الرسول: مدنيّة أم دينيّة؟
01 اغسطس 2015 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

تناول الباحث محمد جبرون بالدرس مسألة الديني والمدني في دولة النبي في دراسة منشورة على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث، تحت عنوان "الديني والمدني في دولة النبي صلى الله عليه وسلم: مناقشة من منظور الصحيفة وتنوع التصرفات النبوية).

وقال جبرون في تمهيده إنّ مبرر تناوله المسألة بالدرس هي أنّ "الكثير من المقاربات الرائجة في الساحة العربية منذ مدة، والتي تناولت الديني والمدني في الدولة الإسلامية، وبشكل خاص في دولة النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ، سقطت في فخ الأيديولوجيا، ووسعت من حدود الديني على حساب المدني أو العكس"، لذلك يرى أنّه "كان لزاماً على أهل العلم المتجرّدين من الأغراض "الضيقة"، سياسيّة كانت أو أيديولوجية، الالتفات إلى هذا الموضوع، وإظهار الخريطة الموضوعية للتشابك بين الديني والمدني في الإطار الإسلامي، ونقط ومجالات الاتصال والانفصال بينهما".

يشير الباحث في الفقرة الأولى من بحثه "الإطار الموضوعي لإشكالية الديني والمدني في عهد النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ"، إلى أنّ تعدد الصفات التي اقترنت بالرسول باعتباره ربّ أسرة ونبياً مرسلاً، غير أنّ الأمر تغير بعد الهجرة إلى المدينة، حيث "تحيّز جماعة المسلمين في جغرافية محددة"، ودخلت الجماعة في منطق التحالفات والوفاقات، وهي مرحلة يمكن أن توصف بـ"المرحلة السياسية"، وصار الرسول "إماماً سياسياً، وقائداً عسكرياً، يتولى إدارة شؤون الجماعة". ولكنّ الباحث يتساءل طارحاً الإشكالية الأهم: "كيف يمكن تمييز التصرف الديني أو التصرف الرسالي عن غيره؟ وهل كانت السلطة التي يمارسها النبي في المجالات غير الدينية، سلطة دينية أم مدنية؟ وهل كانت تصرفاته في المجالات غير الدينية تتميز بخصائص معينة، تختلف عن تصرفاته في المجال الديني؟".

ويخرج باستنتاجين مهمين: أولهما أنّ النبي لم يكن يضع الفواصل بين الديني في تصرفاته من غيره؛ وثانيهما أنّ "معظم المشتغلين على إشكالية الديني والمدني في تجربة الرسول، ينطلقون من مفاهيم متباينة ومتعارضة أحياناً، لكل من الديني والمدني". وأشار إلى ضرورة تحديد معيار يميز بين الديني والمدني في تصرفات الرسول، "ووضع تعريف إجرائي للمدني يناسب السياق الإسلامي".

ويؤكد الباحث في الفقرة الثانية من بحثه أنّ "الدولة التي قادها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وانطلاقاً ممّا رسخ تاريخياً، ولدى كافة المذاهب، لم تكن امتثالاً لأمر ديني، ولم يوجد في القرآن الكريم نصّ أو آية دعت النبي وصحابته إلى تأسيس كيان سياسي وما إلى ذلك، وحتى الشيعة الذين يقولون بالنص، فما يحتجون به ضعيف الدلالة، وتأويل يعارضه آخر أقوى منه"،

كان لزاماً على أهل العلم، المتجرّدين من الأغراض "الضيقة"، سياسيّة كانت أو أيديولوجية، الالتفات إلى هذا الموضوع، وإظهار الخريطة الموضوعية للتشابك بين الديني والمدني في الإطار الإسلامي، ونقط ومجالات الاتصال والانفصال بينهما".

ويستنتج بالتالي أنّ دولة النبي "هي في جوهرها مقتضى تاريخي وسياسي اقتضته تطورات الجماعة الإسلامية، وتحيّزها المكاني، والتهديدات الخارجية التي باتت تهدد الدين الجديد ومعتنقيه من طرف قريش وأحلافهم".

ويؤكد أنّ أشهر الأصوليين الذين اهتموا بتحليل تصرفات النبي مثل العز بن عبد السلام وشهاب الدين القرافي وعلال الفاسي ومحمد الطاهر بن عاشور، قد اتفقوا جميعاً على أنّ الديني المقصود منه التشريع قليل. وخلص إلى أنّ " القرارات والسياسات التي نهجها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم  ـ في إطار الدولة التي أنشأها في المدينة، والتي يدخل معظمها في باب التصرّفات بالإمامة، كانت تشريعاً خاصّاً".

وأمّا في الفقرة الأخيرة من البحث: "هل كانت دولة الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ دولة مدنية؟"، فقد رأى أنّ الحكم على هذه الدولة "متأخر" يصدر عنا وقد أشبعنا بثقافة العصر وهواجسه السياسية والثقافية. ويؤكد أنّ "المدني في التجربة العربية الإسلامية لم يفرض نفسه كمجال خاص في إطار الصراع مع الدولة الدينية وسلطتها السياسية المطلقة، كما هو الحال في أوروبا، بل تميز واستقل في سياق التدافع مع الاستبداد المطلق". وأشار إلى "الصحيفة" التي تمثل أبرز ملمح من ملامح المدنية في دولة الرسول، لأنّ الرسول لم يصدر فيها عن أمر إلهي إنما كان الدافع سياسياً مدنياً. وانتهى الباحث إلى أنّ "دولة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دولة مدنية في معظم مظاهرها تقريباً".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق