إيليا أبو ماضي: بيّاع السجائر يصير شاعر المهجر الأكبر!
15 اغسطس 2015 | 0 تعليق

إيليا أبو ماضي
ذوات - عيسى جابلي

"وصف أبا ماضي بعض من عرفه، بقامته القصيرة، وجسمه الضامر، وعينيه البراقتين، وتميز بحديثه الرفيع الذي فيه معاني الشعر بلهجته الخطابية الحماسية. واختلف الدارسون في صفاته النفسية، فعدّه بعضهم متفائلاً مقبلاً على الحياة، مبدداً لآلامها، داعياً إلى المرح والابتسام، وقال بعضهم: «إنه لا يمكن أن يعدّ من المتفائلين، بل هو متشائم أيضاً، ولكن على غير طريقة جبران ونعيمة فهو متشائم مرح، وهو أبيقوري في فلسفته، لا أدري في نظرته إلى الحياة»"، هذا ما تذكره الباحثة عزيزة مريدن عن إيليا أبي ماضي في الموسوعة العربية محددة بعض ملامحه الجسدية والنفسية.

هو واحد من أشهر الشعراء العرب، ومن أبرز شعراء المهجر. عاش حياته متقلباَ بين لبنان، مسقط رأسه، ومصر وأمريكا. اختلف في تاريخ ميلاده، غير أن الراجح أنها كانت سنة 1889. تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة القرية، ثم غادر في سن الحادية عشرة إلى مصر. وتذكر عزيزة مريدن في مقالها عنه في الموسوعة العربية أنه استقر في الإسكندرية "وكان يبيع السجائر فيها نهاراً، ويكبّ على دراسة النحو والصرف، وقراءة شعراء العصر العباسي ليلاً، ثم أخذ يقلدهم بنظم الشعر، ورآه الأديب أنطون الجُميّل في دكانه مرة يكتب شعراً فقرأه وأعجب به، ونشره له في مجلة «الزهور» التي كان يصدرها. وقبل أن يبلغ العشرين من عمره طبع ما تجمّع لديه من قصائد في ديوان سمّاه «تذكار الماضي».

وكان يبيع السجائر فيها نهاراً، ويكبّ على دراسة النحو والصرف، وقراءة شعراء العصر العباسي ليلاً، ثم أخذ يقلدهم بنظم الشعر، ورآه الأديب أنطون الجُميّل في دكانه مرة يكتب شعراً فقرأه وأعجب به، ونشره له في مجلة «الزهور» التي كان يصدرها. وقبل أن يبلغ العشرين من عمره طبع ما تجمّع لديه من قصائد في ديوان سمّاه «تذكار الماضي».

ولعل ما لاقاه من هجوم عنيف، ونقد للغته وأوزانه، أو لعل إخفاقه في تجارته أيضاً كانا السبب في مغادرته الإسكندرية إلى أمريكا الشمالية".

هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1911 (أو 1912)، فاستقر في مدينة "سينسيناتي" أربعة أعوام مارس فيها التجارة مع أخيه، وظل في الأثناء مهتماً بالشعر. وفي سنة 1916، انتقل إلى نيويورك بدعوة من شباب فلسطينيين لتحرير "المجلة العربية" التي يصدرونها. وتذكر مريدن أنه أسهم أيضاً في تحرير مجلة "الفتاة" وجريدة "مرآة الغرب".

أصدر سنة 1929 مجلة "السمير" نصف الشهرية، ليحولها فيما بعد إلى جريدة يومية سنة 1936. وكانت نيويورك بوابته نحو أصدقاء كثيرين التقاهم هناك منهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة ورشيد أيوب الّذين أسس معهم "الرابطة القلمية" سنة 1920.

ففي ليلة 20 أبريل (نيسان) سنة 1920، اجتمعت طائفة من الجالية السورية من الأدباء والمثقفين في المهجر فدار الحديث عن الأدب السوري، وما يمكن أن يضطلع به الأدباء لتطويره واقترح أحدهم فكرة رابطة تضم قواهم وتوحد أهدافهم وأقرت الفكرة بإجماع، وتم الاتفاق على:

-       أن تسمى الجمعية "الرابطة القلمية".

-       أن يكون لها ثلاثة موظفين وهم الرئيس ويدعى "العميد"، فكاتم السر ويدعى المستشار، وأمين الصندوق ويدعى الخازن.

-       أن يكون أعضاؤها ثلاث طبقات: عاملين ومناصرين ومراسلين.

-       أن تهتم الرابطة بنشر مؤلفات عمالها ومؤلفات سواهم من كتاب العربية المستحقين وبترجمة المؤلفات المهمة من الآداب الأجنبية.

-       أن تعطي الرابطة جوائز مالية في الشعر والنثر والترجمة تشجيعاً للأدباء.

لإيليا أبي ماضي أربعة دواوين شعرية:

- تذكار الماضي: ديوان صغير نشر في مصر عام 1911م، وأهداه الشاعر إلى الأمة المصرية معبراً عن حبه لها وتعلقه بها، ولم يضمّنه قصائده الوطنية النقدية خوفاً من السلطة الحاكمة آنذاك. وعنه يقول الشاعر زهير ميرزا في مقدمة ديوان أبي ماضي الصادر عن دار العودة: "هبط الشاعر مصر وله من العمر أحد عشر عاماً أو تزيد قليلا، وتعاورت عليه حاجات الحياة اليومية من طعام وشراب، وحاجات الحياة العقلية من علم ودرس، إذا به ينصرف لهما معاً فيعمل ويدرس، ويستغرق ذلك منه قرابة ثماني سنوات كان يقرض خلالها بعض الشعر، جمعه في ديوان أسماه "تذكار الماضي، وطبعه في الإسكندرية".

- ديوان «إيليا أبو ماضي» ـ الجزء الثاني: صدر سنة 1919 عن مطبعة "مرآة الغرب" بنيويورك بمقدمة صديقه جبران خليل جبران التي يقول فيها: إيليا أبو ماضي شاعر كبير "يصعد إلى الملإ الأعلى ولكن على سلم أبقى وأقوى من الجبال؛ يصعد بعزم الروح، ويتمسك بحبال، غير منظورة ولكنها أمتن من سلاسل الحديد؛ يتمسك بحبال الفكر، ويملأ كأسه من عصير أرق من ندى الفجر، يملأها من خمرة الخيال؛ والخيال هو الحادي الذي يسير أمام مواكب الحياة نحو الحق والروح".

ويضيف جبران مثنيا على أبي ماضي: "وإيليا أبو ماضي شاعر، وفي ديوانه سلالم بين المنظور وغير المنظور، وحبال تربط مظاهر الحياة بخفاياها وكؤوس مملوءة بتلك الخمرة التي إن ترشفها تظل ظمآناً حتى تمل الآلهة البشر فتغمره ثانية بالطوفان".

 

- الجداول: صدر كذلك في نيويورك عن مطبعة مرآة الغرب عام 1927م مع مقدمة للأديب المهجري ميخائيل نعيمة بارك فيها الشاعر وشاعريته، وقد خلا هذا الديوان من القصائد الوطنية وقصائد المناسبات، إلا نادراً، واشتمل في معظمه على قصائد ذاتية وإنسانية تميزت بطرافة صورها وأخيلتها، وعذوبة أنغامها أشهرها "الطين" و"المساء" و"الطلاسم". تقول عزيزة مريدن: "يعد هذا الديوان مرحلة تطور وتحوّل في شعر أبي ماضي ونضجه من حيث جدّة الموضوعات، وتوازن المبنى والمعنى،

إيليا أبو ماضي شاعر كبير يصعد إلى الملإ الأعلى ولكن على سلم أبقى وأقوى من الجبال؛ يصعد بعزم الروح، ويتمسك بحبال، غير منظورة ولكنها أمتن من سلاسل الحديد؛ يتمسك بحبال الفكر، ويملأ كأسه من عصير أرق من ندى الفجر، يملأها من خمرة الخيال؛ والخيال هو الحادي الذي يسير أمام مواكب الحياة نحو الحق والروح.

والعناية بالقوافي، واستخدام الأبحر القصيرة والمجزوءة، وقد بدا فيه، على انتمائه للرابطة القلمية، مستقلاً عن سائر أعضائها بشخصيته الشعرية، ونظراته الفكرية الفلسفية الخاصة إلى الكون والحياة".

- الخمائل: صدر أولاً في نيويورك عن مطبعة مرآة الغرب عام 1940م، ثم طبع في لبنان، دار صادر، وعنه تقول الباحثة عزيزة مريدن في الموسوعة العربية: "يعد "الخمائل" امتداداً للجداول من حيث الأسلوب والفكر والموضوعات التأملية والإنسانية، وتنويع الأوزان والقوافي، إلا أن الإلحاح فيه على الدعوة إلى التفاؤل والتمتع بالحياة أشدّ وأوضح".

وجاء الديوان طافحاً بمعاني التفاؤل كما في قصائده الشهيرة "عش للجمال" و "كن بلسماً و "كم تشتكي".

وللشاعر قصائد أخرى نشرها بعد ديوان "الخمائل" في جريدته "السمير" وغيرها من صحف المهجر والمشرق العربي، لكن لم يتح له نشرها في ديوان مستقل. وله مقالات كثيرة إلى جانب افتتاحيات جريدته "السمير" لو جمعت في كتب لوقعنا منها على الشيء الكثير من الموضوعات الحساسة، والمعالجة القيّمة، إن لم نقع على آيات في البلاغة والمقدرة اللغوية، كما ترى الباحثة مريدن.

وتضيف الباحثة: "لم ينل شاعر مهجري من الشهرة والمنزلة بين قراء العربية ما ناله أبو ماضي، فقد حفظ الناس كثيراً من قصائده، وأثنى الدارسون على شعره، ومنهم جبران خليل جبران في مقدمة الجزء الثاني من ديوانه يقول فيه: "سلالم من المنظور وغير المنظور، وحبال تربط مظاهر الحياة بخفاياها"، ومنهم ميخائيل نعيمة، في تقديم "الجداول"، إذ وجد في بعض أبياته "مثالاً جلياً للحقائق التي يدركها الخيال بوثبة واحدة، ولا يدركها العلم بأجيال طويلة". ورفع بعضهم منزلته فجعله "الركن الأول في بناء الشعر المهجري... إذ أحدث تجديداً في الكلمة الشعرية جعلها تتسع لمضامين الحياة الاجتماعية والفكرية، وللمشكلات النفسية دون أن تخرج من إطار البساطة والوضوح".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق