محمد عدنان البخيت.. شغف التاريخ بهوى شامي
13 اغسطس 2015 | 0 تعليق
محمد عدنان البخيت
كان عام 1963 مفصلياً في حياته العلمية، عندما بدأ الإعداد لرسالة الماجستير في الجامعة الأمريكية ببيروت؛ فذات حوار مع مشرفه العلامة القومي المعروف قسطنطين زريق حول تاريخ بلده الأردن استفزه سؤال أستاذه "أنتم لديكم تاريخ؟" ليغير عنوان رسالته من "الأباضية في المغرب العربي" إلى "تاريخ الكرك في العهد المملوكي"، لتغدو هذه الإضاءة التاريخية نبراساً لأجيال متوالية من الباحثين والطلبة الذين أشرف عليهم في دراسة هذه المرحلة والحقبة العثمانية من تاريخ بلاد الشام، ومن خلال أبحاثه وتحقيقاته وترجماته العديدة في هذا الدرب الذي لم تسبره أقلام الباحثين مثله، مغطياً عشرات المدن والمناطق منفرداً أو مشاركة.
أبصر محمد عدنان البخيت النور العام 1941 وسط عائلة من الفلاحين في مدينة ماحص التي كانت آنذاك أقرب إلى قرية زراعية، ووجد نفسه منذ نعومة أظفاره يروي البساتين، ويشارك في قطاف الأشجار والخضراوات برفقة والدهسلامة البخيت الذي يعيد له الفضل الأول في زراعة حب العلم والمعرفة في نفسه بإصراره على تعليم أبنائه، رغم ضيق الحال "والدي كان رجلاً مستنيراً، فهو أول من اشترى راديو يعمل على البطارية، وكثيراً ما أمّ دارنا أصدقاؤه ليستمعوا إلى إذاعة الجيش، أو ليقرأ عليهم بضعة مقالات من جريدة الجهاد".
في عام 1949 بنى والده بيتاً للعائلة في العاصمة عمّان بجبل الهاشمي، فبدأ دراسته رحالة كما سيختار لنفسه في حياته العلمية، حيث تلقى تعليمه الابتدائي بين عمان وماحص، وتابعها في مدرسة صويلح الإعدادية التي كان يضطر لأن يطوي المسافات إليها يومياً مشياً على الأقدام، وهناك تأثر بأستاذه الشركسي أحمد شاهنكري الذي يدين له بعشقه للغة العربية. في الثانوية كان على موعد مع رحلة أخرى عندانتقاله إلى كلية الحسين في عمان، حيث أقام في منزل عائلة عمه في منطقة المحطة حتى أنهى هذه المرحلة.
اختير عام 1959 مع 54 طالباً من أوائل ضفتي المملكة الأردنية الهاشمية للدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت عاصمة تنوع الفكر السياسي والثقافي العربي آنذاك، حيث تفتحت مداركه في تلك الأجواء الرحبة، وليصدر للطلبة الأردنيين،
وهو لم يجاوز الخامسة والعشرين مجلة "البتراء" تحت شعار "علم، وخلق، وجرأة" في تجربته الصحفية الأولى، وخلال هذه المرحلة عانى مصاعب مادية فتولى مسؤولية سكن الطلاب مقابل أجر بسيط يعيل به نفسه.
نال درجة الماجستير عام 1965، وعمل مساعد باحث بجامعته خلال المدة 1963-1966، وبعد عودته للأردن عين سنة واحدة معيداً بقسم التاريخ في الجامعة الأردنية، قبل أن يبتعث عام 1967 إلى بريطانيا ليحصل على درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي من مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن عام 1972 بأطروحة حملت عنوان "إمارة دمشق في القرن السادس عشر" التي كانت باكورة جهوده في التأريخ لولاية الشام في العهد العثماني المجال الذي يعد أبرز الباحثين العرب فيه، حيث أسهم وهو المتقن للغة التركية والإنجليزية بدأب عز نظيره في إضاءة مساحات واسعة من تاريخ هذه المرحلة التي عانت إهمال الكثير من الباحثين الذين كانوا يتجنبونها، وهم ينظرون إليها بظلامية.
من خلال هذه الأطروحة، نتعرف على منهجية البخيت التي ألزمها نفسه في جميع دراساته اللاحقة، وأصبحت مدرسة أورثها طلبته، ففضلاً عن مصادره العربية التي تتبعها مخطوطة، نجده يرجع إلى المصادر الأوروبية والتركية وأهمها دفاتر الطابو وسجلات الأوقاف والمحاكم الشرعية التي أشبعها دراسة وتحليلاً، فلا يكتفي بذكر الأحداث والأماكن، بل يقدم صورة بانورامية لموضوع دراسته بالبناء على المعطيات التي تقع تحت يديه، راسماً سياقاً تاريخياً ماتعاً وغنياً يسهل فهمه، فيربط مثلاً بين كثرة الألوية في ولاية الشام من حماة إلى العريش ومن صيدا وبيروت إلى تدمر ووجود قوى محلية متنوعة الانتماءات والولاءات الدينية والعرقية، ويدرس علاقتها ببعضها وبالحاكم السياسي، مركزاً على موقف الدولة من هذه القوى وطريقة تعاملها معها في لعبة التوازنات التي كانت تمارسها في المنطقة آنذاك.
لم تقتصر الوثائق الرسمية وحدها وتبويبها على العناية التي أولاها في تتبع الحقيقة والدقة التي كانت تهجس به في كل أعماله بهدف تصويب كثير من المعلومات المتداولة، بل تعدى ذلك إلى المذكرات والوثائق الشخصية وما كتب الرحالة، وما ورد في تقارير القناصل الأجانب.
وعلى هذا المنوال، سار محقق "حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية" في سائر أعماله التي تروم تجاوز عملية جمع المعلومات والأرقام والتواريخ إلى الفهم والاستيعاب الدقيقين، كما في دراسته الأولى من نوعها عن السكان المسيحيين في الشام في تلك المرحلة من خلال تسعة ألوية راسماً خطاً بيانياً لتناميهم وتناقصهم عبر الزمن من خلال تتبع مضن للوثائق المتوافرة.
بالإضافة إلى لجوء البخيت لدفاتر طابو العهد العثماني والسجلات والوثائق في دراساته، فقد اهتم بنشرها إيماناً منه بالخدمة الكبيرة والصورة الأصدق التي تقدمها لمجهود البحث العلمي ليطلع عليها الباحثون، وخصوصاً الشباب منهم الذين طالما قال إنهم المعول الأول عليهم في تقدم الأمة، وهم الأولى بالدعم.
وفي هذا السياق، وجه طلبته أمثال هند أبو الشعر ونوفان السوارية في رسائلهم إلى الالتفات إلى الصفحات المنسية من تاريخ الأردن والشام، ومنها: مملكة غزة في العهد المملوكي، مملكة صفد في العهد المملوكي، القدس في القرن الثامن عشر، السلط وجوارها، بلاد الشام في مؤلفات الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي ورحلاته.
لم تنحصر اهتمامات "سنديانة تاريخ الشام" على هذه البقعة من العالم العربي، لنجده يشد رحاله العلمية صوب أرض الكنانة ليحقق بالاشتراك مع د. نوفان السوارية عام 2010 كتاب "المعجم المختص" الذي وضعه الزبيدي صاحب تاج العروس لأعلام مصر في زمانه، واستغرق منه هذا العمل مجهود تسع سنوات زار في أثنائها معظم الأماكن التي أوردها الزبيدي في كتابه وحققها وصفاً دقيقاً.
أسس "أبو سلامة"، كما يحب أن يُكنى، مركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنية عام 1972، وما يزال يرأس مجلس إدارته إلى اليوم، كما أسس في العام ذاته واحداً من أنشط المراكز البحثية التاريخية عربياً ألا وهو "لجنة تاريخ بلاد الشام" التي مايزال يتولى رئاستها، وأصدر معها عشرات المنشورات.
عمل مدرساً بقسم التاريخ بالجامعة الأردنية ابتداء من عام 1972، ثم تولى عمادة البحث العلمي فيها ورئيس تحرير مجلة (دراسات) العلمية المحكمة الصادرة عن الجامعة 1984-1989، وذهب فصلاً واحداً باحثاً زائرًا في جامعة برنستون، بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1978.تولى العديد من المناصب الأكاديمية أبرزها نائب رئيس الجامعة الأردنية 1989-1991، ورئاسة جامعة مؤتة 1991-1993، ليغادر هذا المنصب ويؤسس ويرأس جامعة آل البيت حتى عام 2001، التي شهدت معه عصرها الذهبي بصرامته وجديته التي عرف بها.
ويرأس البخيت حالياً مجلس أمناء جامعة البلقاء التطبيقية والمركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن، وهو عضو في العديد من المؤسسات واللجان العلمية داخل المملكة وخارجها. نال العديد من الأوسمة والجوائز؛ منها وسام الاستقلال من الدرجة الأولى،
والميدالية الذهبية في العيد الفضي للجامعة الأردنية، ووسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب، ووسام الحكومة الفرنسية من رتبة فارس عام 2010، وفي عام 2011 حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية "تقديراً لجهوده العلميَّة المُتَميِّزة المُتَمثِّلة في كتابه (دراسات في تاريخ بلاد الشام) بمجلَّداته الثلاثة: فلسطين، الأردن، سوريا ولبنان، التي أحاط فيها بجوانب بالغة الأهميَّة من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لتلك البلدان؛ مستقياً مادته العلمية من وثائق الأرشيف العثماني وسجلات المحاكم الشَّرعيَّة والكنائس علاوة على المصادر التقليديَّة، ومستخدماً الأسلوب الإحصائي البياني، ومُستخلصاً لمعلومات جديدة مُؤثّرة، ومُؤسِّساً بذلك لمدرسة عربية في هذا المجال".
ونظراً لجهوده العلمية المتميزة في مجاله اختارته اليونسكو، عندما قررت إعداد موسوعتها العالمية المعروفة "تاريخ الإنسانية" ليكون المحرر المسؤول عن المجلد الرابع الذي يغطي المدة 470- 1400م من الحقبة الإسلامية. وفي عام 2013 كان البخيت من ضمن العلماء العرب السبعة الذين كرمتهم جمعية المؤرخين الأتراك، ومقرها أنقرة، لتميزهم في الدراسات العثمانية على مستوى العالم.
وفي خضم انشغالاته، لم تنقطع صلة البخيت بعالم الصحافة والإعلام؛ حيث أسس مجلة ''راية مؤتة'' الثفافية، ورأس تحرير مجلة الندوة 1985 – 2001م، وأصدر مجلة (الأمل) الصادرة عن نادي ماحص الذي أسسه ويتولى رئاسته الفخرية منذ عام 1985، وظل مواظباً على كتابة مقالته الأسبوعية في مجلة "المجلة" المعروفة سنوات طويلة.
رغم هذه المسيرة العلمية والأكاديمية الحافلة، لم يكتب لصاحب الآراء الجريئة التي لا تعرف المجاملة أن يتولى منصباً سياسياً، يقول حول ذلك بـ "سخريته الجادة" التي عُرف بها "ماتت كل عماتي وهن حزينات، لأنهن لم يرينني في سيارة نمرة حكومية ومعي شرطي حراسة"، ربما كان هذا "الحظ السياسي العاثر" أكبر حسن حظ حظي به مجهود البحث العلمي في مجال دراسة التاريخ الذي نذر له حياته، مع أكثر من سبعين دراسة علمية، وإعداد وتحرير عشرات المؤلفات والتحقيقات، فضلاً عن مشاركته في أكثر من مئة وعشرين ندوة ومؤتمراً داخل الأردن وخارجه ساهم في معظمها بأبحاث أكاديمية. إلا أنه ما يزال "يطلب عند الناس ما عند نفسه" حالماً بتوثيق وتحقيق جميع التاريخ العربي والإسلامي من خلال مخطوطاته المتناثرة في أرجاء العالم، وعلى أسس علمية بعيداً عن الأهواء السياسية والمذهبية والانطباعات الشخصية.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

