ميشيل عفلق: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة
29 يناير 2015 | 0 تعليق

ميشيل عفلق -(أرشيفية)
ذوات – محمد بوشيخي

ميشيل عفلق هو المنظر الأيديولوجي الأول لحزب البعث القومي الذي حكم سوريا، ولا زال، منذ 1963، كما حكم دولة العراق منذ عام 1968 إلى غاية سقوط نظام صدام حسين سنة 2003، وهو أيضا الحزب الذي أوجد في أقطار عربية أخرى تعبيرات سياسية وأيديولوجية تأخذ من أدبياته وتتقاسم أهدافه.

اختار عفلق عبارة "أمة عربية واحدة... ذات رسالة خالدة" لتكون شعارا للحزب، ومقصوده بالرسالة الخالدة هي الحضارة والقيم التي "يستطيع العرب في المستقبل عندما يبلغون المستوى الراقي السليم المبدع أن يحققوها وينشروها بين البشر"، كما بين أن هذا الشعار "يهدف في الدرجة الأولى إلى تلبية حاجات الحاضر وضروراته، وهو يعني أن الأمة العربية واحدة، فلا نعترف بهذه التجزئة المصطنعة العارضة"، وبالتالي فإن الشعار يترجم الرفض للدولة القطرية، ويسعى إلى "تحقيق هذه الوحدة ليس في الأرض فحسب، بل أيضا في الروح والاتجاه". فالأمة العربية لها رسالة خالدة، لأنها "لا تعترف بواقعها السيء وموقفها المنفعل ولا تتنازل عن مرتبتها الأصيلة بين الأمم"، وهي رسالة تمكنت الأمة من تبليغها عبر تاريخها المديد، وهي "بصلتها ببعضها وبماضيها لا تزال واحدة ولا تزال فيها الكفاءة لاسترجاع تلك المرتبة التي فقدتها مؤقتا".

ولد عفلق عام 1910 بدمشق من أسرة مسيحية أرثوذكسية المذهب؛ وسافر بعد حصوله على الباكالوريا إلى باريس، حيث تابع دراسته بجامعة السوربون، وفي سنة 1933 عاد إلى سورية ليشتغل بالتدريس، وفي دمشق كرس مجهوده للرفع من الإنتاج الثقافي فأصدر صحيفة الطليعة، وشارك في تأسيس "ندوة المأمون" وجمعية "الإحياء العربي" التي ستحمل اسم "حركة البعث العربي" سنة 1934 لتشكل أول نواة لحزب البعث العربي الذي أسسه برفقه صلاح الدين البيطار،وأصبح يحمل اسم حزب البعث العربي الاشتراكي بعد اندماجه مع الحزب العربي الاشتراكي لأكرم الحوراني في سوريا.

حركة البعث القومي

يُقدم عفلق، من طرف رفاقه والمهتمين بفكره، بأنه "القائد المؤسس" لحزب البعث العربي، نظرا لمركزية فكره في صياغة الرؤية الأيديولوجية لحركة الحزب، وقد عرّف بنفسه تلك الحركة بأنها "التي تستطيع أن تسيطر على الظروف"، خلافا للتنظيمات الأخرى التي تخضع للظروف، وبالتالي تكون "مؤذية فاشلة". فحركة البعث القومي، حركة صادقة أصيلة "انبثقت من قلب العروبة ومن أعماق التربة العربية ومن صميم مشاكل أمتنا".

واعتبر أول شروط هذه الحركة "أن تكون من الناحية الفكرية في مستوى القضية التي تحاول حملها، وهذا يعني أن التفكير الذي تبنى عليه هذه الحركة يجب أن يكون تفكيراً عربيا"؛ أي يعالج جميع المشاكل الأساسية المتعلقة بحياة العرب، مشيراً إلى أن حركة البعث "وضعت يدها على أخطر المشاكل في حياة العرب وعينتها عندما حصرتها في هذه النواحي الثلاث: الحرية، الاشتراكية، الوحدة العربية"، كما طرح شرط ثاني عملي "يتعلق بتنظيم الحركة"، إذ يجب أن يكون تنظيمها "على نطاق عربي شامل"، وأن يكون "التنظيم مستنداً على الطبقات التي تمثل هذه المشاكل الأساسية، حتى تستطيع أن تضمن النجاح. لذلك، يقوم التنظيم في البعث العربي على ثلاث دعائم أيضا هي الحرية، الاشتراكية، الوحدة العربية".

عفلق: حركة البعث العربي لا غنى لها عن فلسفة عامة في الحياة، فهي حركة تقدمية تحررية، وهي بذلك حركة عميقة جداً تتصل بالمفاهيم الإنسانية الخالدة

كما يضيف عفلق بأن "حركة البعث العربي لا غنى لها عن فلسفة عامة في الحياة، فهي حركة تقدمية تحررية، وهي بذلك حركة عميقة جداً تتصل بالمفاهيم الإنسانية الخالدة"؛ فهذه الحركة بمثل هذا التناسق والأحكام والشمول لا يمكن أن "تكون في الوقت نفسه فاقدة لنظرة عامة إلى الحياة". وبالتالي، لابد "للحركة من نظرة أخلاقية"، بل لا بد لها من "نظرة فلسفية عامة؛ أي يكون لها نظرة في الكون ومظاهره وعلله وفي الإنسان ومعنى حياته وفي الأخلاق". ويبسط القائد المؤسس معنى النظرة الأخلاقية للبعث العربي بربطها بالأوضاع الفاسدة التي تُحرم الأكثرية الساحقة من الشعب من العيش الطبيعي الكريم، مما يجعل "المؤمنين بحق الشعب لا يقبلون أن يشاركوا في عيش يعتبرونه الآن غير مشروع، ويرونه ظلما للشعب".

إن هذه الأفكار والمبادئ التي ناضلت من أجلها حركة البعث العربي، والتي ناهز عمرها نصف القرن، لا تزال تشكل، بحسب الدكتور محمد أحمد الزعبي، "أفكارا تنبض بالحياة، ويمكنها بالتالي، أن تزود حركات التحرر الوطني العربية، التي تعتبر ثورات الربيع العربي الحالية تجسيدا لها".

العروبة والإسلام في مشروع عفلق

شاع الحديث عن اعتناق ميشيل عفلق للإسلام، فور وفاته سنة 1989، إبان إعلان القيادة العامة لحزب البعث خبر اعتناقه للإسلام ورغبته في التستر عليه لتجنيب أي تأويل سياسي لاختياره الديني، ورغم أن هذه الواقعة قد شكك فيها الكثيرون، سيما وأنها جاءت في وقت اشتدت فيه حاجة نظام الحكم العراقي لتزويد مرجعيته بمسحة دينية لمواجهة تدفق الشعارات الإسلامية المواكبة للمد الإسلامي في الشارع، فإنه دُفن ببغداد على الطريقة الإسلامية استجابة لوصيته التي تضمنتها رسالة تركها سنة 1980 يقول فيها: "إذا حصل لي حادث، فإني أموت على دين الإسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله".

وقد دافع محمد عمارة بقوة عن إسلام عفلق، الذي صار يسمى أحمد ميشيل عفلق، بل إنه عمل على رصد حضور الإسلام في مشروعه الفكري، وهنا ذكر في كتابه "التيار القومي الإسلامي" أن اعتناق عفلق للإسلام "صحبه تطور في مكانة الإسلام بمشروعه الحضاري"، إذ "كانت القضية أكبر من اهتداء قائد ومفكر إلى دين الإسلام" حتى "غدت تحولا في المشروع القومي الذي صاغه هذا المفكر". فاعتناقه للإسلام تجسد في مشروعه الفكري الذي ولد علمانيا لكنه تطور إلى احتضان الفكرة الدينية خصوصاً بعد عزله عن قيادة الحزب في سوريا من طرف العناصر العسكرية التي اخترقت الحزب، وانتقاله إلى العراق سنة 1975. غير أن حضور الإسلام في مشروعه الفكري والحضاري لم يتضمن ذلك الجانب الغيبي، رغم أنه "يدعو إليه ويحبذه ويراه ضروريا، كشأن إيماني فردي، يحمي الإنسان من ضياع الإلحاد"، لكنه تضمن ذلك الجانب الذي يعده مرجعاً في النهضة وخصوصية يتميز فيها ويمتاز بها عن غيره، إنه "الإسلام: الحضاري"، الذي "جسدته الأمة العربية عندما آمنت بدين السماء" إنه "الإسلام كتجربة بشرية أرضية متفاعلة ومؤمنة بدين الله ووحي السماء".

كما أكد الصحفي شاكر الجوهري أن عفلق لم يمت "على دين الإسلام فقط، لكنه عاش عليه أيضا"، وأضاف أن "هذه هي الخلاصة، والقناعة، التي توصلت إليها من خلال ما كتبه غيري، وما توصلت إليه استقصاءاتي الشخصية التي تركزت على عدد ممن عايشوا مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي، وتجربتي حكم الحزب القومي الأول في العالم العربي في كل من سوريا والعراق".

ويتجسد ارتباط الفكرة القومية لدى عفلق بالإسلام من خلال دعوته لكل عربي، في خطاب ألقي على مدرج الجامعة السورية في 5 أبريل (نيسان) عام 1943، نشر في الجزء الأول من كتابه "في سبيل البعث"، إلى تمثل شخصية النبي محمد (ص)، فعلى الرغم من عجز "أي رجل مهما بلغت عظمته أن يعمل ما عمل محمد"، فإنه يمكنه أن "يكون مصغراً ضئيلا لمحمد، ما دام ينتمي إلى الأمة التي حشدت كل قواها فأنجبت محمدا، أو بالأحرى ما دام هذا الرجل فردا من أفراد الأمة التي حشد محمد كل قواه فأنجبها". فاليوم –يقول عفلق- يجب على الأمة أن تقتفي أثر نبيها العظيم، وهو ما اختزله في عبارة جامعة يقول فيها: "كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمدا".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق