ناظم بن إبراهيم لـ"ذوات": النظام والفوضى يهددان الشعر العربي المعاصر
30 يناير 2015 | 0 تعليق

الشاعر التونسي ناظم بن إبراهيم -(ذوات)
ذوات - عيسى جابلي

قال الشاعر التونسي ناظم بن إبراهيم، إن خطاب النخبة التونسية قائم أساساً على نفي تجارب الآخرين، ودعا إلى ضرورة التخلي عن هذه الطريقة، مشيراً إلى أن تجارب راهنة تشتغل على النص بجدية لتثوير علاقاته الداخلية وتفجير مكامن جديدة من شأنها تقديم الإضافة للشعرية العربية.
ورأى بن إبراهيم، في حوار خصّ به "ذوات"، أن المنجز الشعري الإنساني يمكن أن يشكل عامل ضغط إيجابياً "من ناحية حضوره سؤالاً محركاً يطرحهُ الماضي على الحاضر وعلى مُستقبل الكتابة"، مؤكداً أن الإضافة هي هاجس الناقد لا الشاعر. أما عن علاقة الشعر بالتجارب السابقة، فأشار إلى أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: "هل ما زال المجال مفتوحاً لبلوغ ما بلغهُ الأوائل؟" من حيث القيمة الفنية.
وأضاف بن إبراهيم أن للواقع تأثيره في القصيدة، غير أن ذلك لا يعني أنها مجرد انعكاس له؛ فـ"قد تستمد عناصر النص مشروعية وجودها من الواقع وقد تعبر عنه، غير أنها نابعة أيضاً من خيارات جمالية معينة". واعتبر أن القصيدة تعيش حواراً دائماً؛ مع الآخرين من ناحية، ومع نفسها من ناحية ثانية، حواراً مآله الدائم ثراء القصيدة وإثراء العالم.
أما في خصوص تجربته الشعرية، فقد قال ابن إبراهيم إن قصيدته لم تكتب بعد، مؤكداً أن القصيدة تولد بين لحظتين: اللاوعي (المكاشفة الشعرية) والوعي، إذ "تَنْكتبُ القصيدة على مرحلتيْن، مرحلة أولى، في حضرة الشعر تشتغلُ فيها ذاكرة القراءة والتجربة الإنسانية دون أن تتمثل مرجعياتها. ومرحلة ثانية، تحضرُ فيها المرجعيات لتعدل وتصحح وتحذف وتمحو".
وفي ختام حديثه لـ"ذوات" أكد الشاعر ناظم بن إبراهيم أن الشعر "بوصلة العالم"، معتبراً أن "للشعر والكتابة عموماً أن يكونا من بين صمامات الأمان التي تقفُ ضد أي احتمالات للعودة إلى الوراء، التي لا تبدو مؤشراتها غير واضحة". وقال إن الثورة الحقيقية تقتضي "تعاضد الفكري مع الفني مع الثقافي مع السياسي مع التنظيمي"، تنخرط جميعاً في حوار حقيقي غير قائم على النفي.
وناظم بن إبراهيم هو شاعر تونسي من مواليد 02 يونيو (حزيران) 1994، بمدينة قابس بالجنوب التونسي. طالب مرحلة تحضيرية لغة وأدب وحضارة عربية بالمعهد التحضيري للدراسات الأدبية والعلوم الإنسانية بتونس، وهو من مؤسسي العديد من النوادي الثقافية؛ أهمها "النادي الثقافي محمود درويش"، وآخرها "ملتقى الحركة الأدبيّة". نال ابن إبراهيم العديد من الجوائز الوطنية في الشعر. يكتب في العديد من المجلات الثقافية والأكاديمية، مثل "الحياة الثقافيّة" و"نزوى" و"الفكرية". صدر لهُ: "أرض التوليب والجلنار" (شعر) عن دار ميارة للنشر والتوزيع 2014.


* في تونس، اليوم، جيل جديد ينحت نصّاً إبداعياً يتلمس طريقه نحو مواكبة تحولات ما بعد يناير (كانون الثاني) 2011. كيف تقيّم هذا النص؟ وهل تتوقع أنه قادر على التجاوز والتجديد؟
- مشكلتنا في تونس، هي أننا لا نعترفُ بتجارب بعضنا، وإذا دقّقنا قليلاً النظر في خطاب جزء كبير من "النخبة"، وجدنا أنه خطاب قائم على النفي، كأنّ تحقق وجود المثقف التونسي لا يستقيم إلا من خلال نفيه للآخر ولتجربته ومنجزه. ومن ثَمَّ، أرى أنه من الضروري مراجعة هذه الطريقة في التعامل مع تجارب الآخرين. وفي هذا الإطار، وجبَ علينا الاعتراف أولاً بوجود نص إبداعي مهّد لهذه التحولات، قبل الحديث عن نص يحاول مواكبتها. أما في ما يتعلق بهذا الأخير، فأعتقدُ أن السؤال الذي يفرض ذاته على من يكتبون الآن هو: "هل نحتاجُ نصاً للثورة، أم ثورة للنص؟" وأرى أن الكثير من التجارب الإبداعية الراهنة قد أجابت عن هذا السؤال، وعمّقت مستويات اشتغالها على النص محاولة تثوير علاقاته الداخلية، وتفجير مكامن جديدة من المؤكد أنها ستحقق الإضافة للشعرية العربية. لكن، شيئان يتهددان الكثير من التجارب؛ هما النظام والفوضى.
* يولد الشاعر المعاصر، فيجد نفسه "محاصراً" بتجارب شعرية شامخة تشكل مبنى التجربة الشعرية العربية، وهو مطالب بإضافة حجر إلى هذا المبنى، بعيداً عن جوقة الترديد، هل يشكل هذا ضغطاً عليك؟
- لا ونعم ...
أولاً، أعتقدُ أن هذا الحصار – تواصلاً مع افتراض موافقتكم على تسميته بالحصار – لا يتوقّف عند مُنجز الشعريّة العربيّة بمختلف مستويات تشكلها، بل يتجاوزها نحو المُتراكم الإبداعي الجمعي للإنسانية، ولا يمكنُ لهذا الأخير أن يشكل ضغطاً، لأنهُ يستبطنُ من ناحية حضوره بهذا المعنى هَم التجاوز الجمالي الذي قد يواري وراءهُ منزلق التركيز على التنظير وإهمال الإبداع، والذي قد يتعارض في قصيدته مع المساحة التي يتحرك فيها الشعري. القصيدة غالباً ما تُلفتُ من سياق التفكير بها ومن مشروعها الذهني الذي يسبق لحظة كتابتها، وليسَ الشاعر مُطالباً هُنا بغير تتبع المسارات التي يمكن أن تأخذهُ إليها. من جهة أخرى، يمكنُ لهذا المنجز الإنساني أن يُشكل ضغطاً إيجابياً من ناحية حضوره سؤالاً محركاً يطرحهُ الماضي على الحاضر وعلى مُستقبل الكتابة، وهو بهذا المعنى يفرضُ علينا تعاملاً مختلفاً يتجاوزُ النظرة التراثية للتراث، ويستدعي تمثل صرخة الشاعر الأول التي يحاول الشعري ملامستها كلما حضرت الكتابة، وكلما انسَكبَت الفكرة في أوعية المفردات واستحالَت مُنجزاً لفظياً.
* بم يتوسل ناظم بن إبراهيم لبلوغ الإضافة إلى التجربة الشعرية العربية؟ وهل ما زال المجال مفتوحاً لتجاوز ما بلغه الأوائل؟

 الإضافة ليسَتْ هاجساً إبداعياً! الإضافة هاجسُ ناقد الشعر، قبل أن يفشَلَ فيه ويُصبحَ ناقداً. أما بالنسبة إلى الكتابة، فأربطها بمستوييْن: القراءة، وتجربة الحياة

- الإضافة ليسَتْ هاجساً إبداعياً! الإضافة هاجسُ ناقد الشعر، قبل أن يفشَلَ فيه ويُصبحَ ناقداً. أما بالنسبة إلى الكتابة، فأربطها بمستوييْن: القراءة، وتجربة الحياة. إن تفاعل هذه الأخيرة مع التاريخي فينا أثناء العملية الإبداعية يمكن أن يؤدي، في مستوى من مستويات الكتابة، إلى ذلك التحول النوعي الذي ينتجه تراكم كمي ما في ذاكرة الذات المبدعة؛ غير أن ذلك يظل مجرد افتراض طالما لم يتحقق منجزاً فنياً. وفي ما يتعلق بقضية تجاوز الأوائل، ألا يجبُ عليْنا أن نضع السؤال بطريقة أخرى، فنقول مثلاً: هل ما زال المجال مفتوحاً لبلوغ ما بلغهُ الأوائل؟ وهنا لا أتحدث عن المنجز، بل عن القيمة الفنية، وعن استكناه كيفيات خلق مساحات جديدة للشعري. أعتقدُ أن شاعراً مثل المتنبي يضحكُ من أولئك الذين يتعاملون مع منجزه، باعتباره منجزاً منتهياً وجبَ تجاوزه، ويضحكُ أكثر من جوقة الذين يقلّدونه. ما أردتُ قولهُ: إن شعار التجاوز شعار خطر ومسؤولية أخطر، خاصة في ظل وجود من يدّعي التجاوز دون أن يترجمَ ذلك في منجزه. ومن هنا، عندما نبلغُ ما بلغه الأوائل سنتجاوزهم، وفي النهاية نحنُ نجُر أسلافنا وراءنا كما قال كازانتزاكيس، مثلما نحن أبناء ظروفنا الموضوعية وشرطنا التاريخي، وأبناء هواجسنا والمساحات التي يُمكن أن يأخذنا إليْها الشعري في تراوحه بين الوضوح والغموض. المجال مفتوح، لكن لنمتلئ بالأوائل ولنترك لمنجزنا أن يحدد حقيقة التجاوز من عدمها.
* القصيدة المعاصرة معمار مركب تتشابك عناصره وتتبعثر وتلتئم، تجمع ما لا يجمع، وتفرق ما لا ينفرق، هل إن تشظي الواقع وتيه الذات الشاعرة قد لفحا وجه القصيدة، أم إنها كذلك تبني شعريتها؟
- مؤكد أن للواقع تأثيرهُ على الشاعر وعلى النص أيضاً؛ لكن ذلك لا يعني أن يُمَثل الثاني انعكاساً شرطياً للأول. قد تستمد عناصر النص مشروعية وجودها من الواقع وقد تعبر عنه، غير أنها نابعة أيضاً من خيارات جمالية معينة، وهي إذ تدخلُ النص لا تُحافظ على إحالاتها المرجعية، بل تتجاوزُ ذلكَ لتصطبغَ بدلالات جديدة تقتضيها العلاقات التي تُحرك عوالم القصيدة. ليست هناك في جميع المعاجم مفردة أكثر شعرية من الأخرى. ومن ثَمَّ، لا تتحدد شعرية الجملة إلا من خلال مجموع العلاقات التي تدخلُ فيها المفردة مع بقية المفردات. الشاعر ابن واقعه، ومعمار القصيدة نابعٌ من خيار جمالي ساهم الواقع في بلورته، والشعرية نابعة منهما داخل التفاعل الجدلي بين النص والتاريخ.

* أيّ متلق تخاطب القصيدة إذن، وهي على هذه الدرجة من التشعب، أذاك الغامس يده في أتربة الحقول، أم ذاك المنزوي في صالونات الأمسيات الشعرية الضيقة أم من؟

- إنها تخاطب الجميع. تخاطبُ ذاك المنزوي في الصالونات الضيقة لتُعفر بدلته الأنيقة بالتراب ورائحة الأرض، وهي تُحدثه عن ذاك الغامس يده في أتربة الحقول، وتخاطبُ هذا الأخير لتُـثمنَ مهمتهُ التاريخية في تأثيث العالم. إنها تفتحُ حواراً لا ينتهي مع الآخرين ومع نفسها، فتُثري الآخرين وتُثري نفسها. أؤمنُ كثيراً بقولة الفيلسوف الألماني هايدغر: "الإنسان يقيم في العالم شعرياً". وهذه الإقامة، لا يُمكن أن تتحقق فعلياً إلا من خلال هذا الحوار المفتوح، المتوتر في بعض الأحيان والقائم على مساءلة الأشياء في إطار مسيرة الشعر التاريخية الهادفة إلى إنقاذ الجوهر الإنساني الذي يضمحل يوماً بعد يوم في واقع يتردى أكثر فأكثر.

* أنت أصغر ناشر تونسي، بديوانك الأول الصادر حديثاً "أرض التوليب والجلنار"؛ ولكن مع ذلك نلاحظ، ونحن نقرأ نصوصك، توظيفاً عجيباً للمنجز الإبداعي الإنساني المعاصر، قصة ومسرحاً وسينما ورقصاً وموسيقى...إلخ، هل إن هذا التوظيف واعٍ أم إن "لحظة المكاشفة الشعرية"، كما يسميها أستاذنا محمد لطفي اليوسفي، هي من يصنع النص بكل "براءة"؟

- أرجو ألا أكون صغيراً لهذه الدرجة! أمازحكم طبعاً..

يعرّف جاك دريدا الشعر باعتباره فعل اختلاف، ويعرفه نزار قباني باعتباره فعلاً انقلابياً، ويجبُ على الشعر أن يُحافظ على طابعه هذا دون أن يتحول إلى صراخ أو مباشراتية أو شعاراتية مفرغة من محتواها الفني

أولاً، لا أزعم أن ما أنجزتُه وَفِي تمام الوفاء للمشروع الذي رسمتهُ لـ"أرض التوليب والجلنار"، وقد يكون هذا من مقتضيات أية عملية إبداعية. يحدث أحياناً أن نفكر ونحنُ نمسكُ القلم في كتابة شيء ما ثم نكتُب شيئاً آخر مختلفاً تمام الاختلاف عما فكرنا به. ومن هنا، أقول دائماً إني لم أكتُب قصيدتي بعد؛ غير أن ذلك لا يمنعني من تأكيد فكرة إمكان انبثاق هذا التوظيف عن اللحظتيْن: لحظةُ اللاوعي / المكاشفة، ولحظة الوعي. كثيراً ما تَنْكتبُ القصيدة على مرحلتيْن؛ مرحلة أولى، في حضرة الشعر تشتغلُ فيها ذاكرة القراءة والتجربة الإنسانية دون أن تتمثل مرجعياتها. ومرحلة ثانية، تحضرُ فيها المرجعيات لتعدل وتصحح وتحذف وتمحو، حتى يستقر النص على صيغته النهائية التي تظل دائماً قابلة للتنقيح والاشتغال. بقدر ما لا براءة محضَة في الكتابة، بقدر ما تمثل القصدية وحدها منزلقاً خطراً قد يُفقِدُ النص روحه الإبداعية.
* كان بيت أبي القاسم الشابي "إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر" القائد الحقيقي للحراك الذي شهدته بلدان عربية كثيرة، ما الذي يمكن أن يقدمه الشعر في خضمّ التحولات الراهنة في تونس أو في البلاد العربية؟
- ما الذي يمكنُ أن يقدمهُ الشعر أكثر من أن يكون بوصلة للشعوب في انتفاضاتها ضد الاستبداد؟ لا أعتقد أن باستطاعة الشعري أن يقدم أكثرَ مما قدمه هذا البيت من إرادة الحياة، أو مما قدمته صرخات فريديريكو غارثيا لوركا أو ماياكوفسكي أو ناظم حكمت للإنسانية. قد يكونُ القول بقدرة الشعر على تغيير العالم من الطوباوية؛ لكنه يستوعبُ جانباً من الصحة إذا نظرنا إلى المسألة بأكثر عمق. الشعري يشتغل في مساحة الذاكرة والتاريخ وإعادة تسمية الأشياء والعالم، وهو بهذا المعنى يلعب دوراً هووياً خطراً. أما في ما يتعلّق بما يمكن أن يقدمهُ راهناً في خضم التحولات التي نشهدها، فأعتبر أنه يمكنُ للشعر والكتابة عموماً أن يكونا من بين صمامات الأمان التي تقفُ ضد أي احتمالات للعودة إلى الوراء التي لا تبدو مؤشراتها غير واضحة.
يعرّف جاك دريدا الشعر باعتباره فعل اختلاف، ويعرفه نزار قباني باعتباره فعلاً انقلابياً، ويجبُ على الشعر أن يُحافظ على طابعه هذا دون أن يتحول إلى صراخ أو مباشراتية أو شعاراتية مفرغة من محتواها الفني؛ لكن، حتى وإن تحقق كل ذلك في خضم ما يحدث، فإنه غير كافٍ في ظل غياب تبلور بدائل سياسية حقيقية تستجيب لمتطلبات المرحلة، وللمطالب الأولى التي رفعها الجماهير ضد القمع والاستبداد. التغيير الحقيقي يستدعي تعاضد الفكري مع الفني مع الثقافي مع السياسي مع التنظيمي، وعندما تفتح هذه المستويات المختلفة والمؤسسات التي تعبر عنها حواراً حقيقياً غير قائم على النفي، ستحدثُ ثورة حقيقية ومتكاملة. أوَ ليست الثورة أيضاً عملاً إبداعياً؟

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق