نزار قباني: الدمشقي العاشـق
16 يناير 2015 | 0 تعليق
الفقيد نزار قباني -(أرشيفية)
واحد من أهم قامات الشعر العربي في القرن العشرين. قدم للجمهور العربي تجربة آسرة فاتنة، مغايرة للذائقة المعهودة، حيث القصائد العصماء، والعمود الشعري الكلاسيكي، المشدود إلى الماضي. بعيداً عن هذا، شيد نزار قباني منزلاً شعرياً منفرداً بأسلوبه وإيقاعه وموسيقاه، كان منخرطاً في تفاصيل اليومي وقضاياه، ملتزماً بمصير الإنسان العربي ترجه عواصف الهزائم والنكبات والنكسات.
المنزل الدمشقي..
ليس أحد أقدر على وصف البيئة التي نشأ فيها نزار قباني من نزار نفسه. تحدث عن المنزل الذي عاش بين أحضانه، كما لو كان قطعة من الجنة سقطت في دمشق: "بوابة صغيرة من الخشب تنفتح. ويبدأ الإسراء على الأخضر والأحمر والليلكي، وتبدأ سنفونية الضوء والظل والرخام. شجرة النارنج تحتضن ثمرها، والدالية حامل والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا.. أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء، وتنفخه، وتستمر اللعبة ليلاً نهاراً.. لا النوافير تتعب، ولا ماء دمشق ينتهي".
ويواصل: "الورد البلدي سجاد أحمر ممدود تحت أقدامك والليلكة تمشط شعرها البنفسجي والشمشير والخبيزة والشاب الظريف والمنثور والريحان والأضاليا، وألوان النباتات الدمشقية التي أتذكر ألوانها ولا أتذكر أسماءها، ولا تزال تتسلق على أصابعي كلما أردت أن أكتب.. القطط الشامية النظيفة الممتلئة صحة ونضارة تصعد إلى مملكة الشمس، لتمارس غزلها ورومانتيكيتها بحرية مطلقة، وحين تعود بعد هجر الحبيب، ومعها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها ويطعمها ويكفكف دموعها.. والأدراج الرخامية تصعد وتصعد على كيفها، والحمائم تهاجر على كيفها.. ولا أحد يسألها: ماذا تفعل؟ والسمك الأحمر يسبح على كيفه، ولا أحد يسأله: إلى أين؟".
هنا ولد نزار ونشأ في وسط هو الجمال بعينه، إذ يقول: "كان اصطدامي بالجمال قدرا يوميا". وذلك ما أثر في ما بعد في تجربته الشعرية وانعكس على قصيدته، وهو ما يقول عنه: "قدم لي البيت الدمشقي الاكتفاء الذاتي. هذا البيت القديم أعطاني اللون الأخضر المتفشي في كل شعري، وأعطاني هذا الماء في شعري".
غير أن هذا العامل لم يكن الوحيد في حياة نزار وتجربته الشعرية، فقد أغرم في صباه بالرسم، ومارسه لمدة ثلاثة أعوام: "الرسم ربما كان قدري، فقد غرقت سنتين أو ثلاثا في قوارير اللون والصباغات والأقمشة. رسمت بالماء وبالفحم وبالزيت. رسمت أزهاراً وثماراً وبحاراً ومراكب وغابات وشواطئ ونساء عاريات. لم أكن رساماً رديئاً، ولكنني لم أكن أيضاً رساماً جيداً". ولكن الرسم على أهميته لم يستطع أن يقول نزاراً الحالم ،فوصف اللون بأنه "لا صوت له"، وأنه "طفل جميل لكنه أخرس".
ربما ذلك ما جعله يجرب فن الموسيقى: "في الرابعة عشرة من عمري سكنني هاجس الموسيقى. ظننت أن عالم الأصوات أرحب وأغنى، وأنه بخلاف عالم الخطوط، يستطيع باب الخلاص". ولكن الملل سرعان ما سرى في أحشائه، فسئم دروس "السولفيج"، فقرر إيقاف الرحلة مع اللحن، ليجد نفسه في حيرته من جديد، حيرة البحث عما به يقول ذاته. فكان الحرف، وكانت القصيدة.
المرأة: الجسد... المدينة... القصيدة
شكلت المرأة الموضوع الرئيس في قصائد نزار قباني على مدى نصف قرن أو أكثر. غير أنها لم تكن مجرد امرأة مختزلة، بل تعددت دلالاتها ومعانيها.
المرأة عند نزارقباني، كائن شعري ملتبس، تكون فيه مرة وطناً، وتارة حبيبة، وطوراً قصيدة، ويبدو ذلك جلياً في قصائده:
فكيف أزعم أني دونما وطن؟
وكل أنثى أحبتني هي وطن.
لقد تلفّع نزار قبّاني بصوت المرأة، فصار صرختها في وجه أمة لا ترى فيها غير عورة يجب حجبها. وولى نصه صوب القضايا، التي كثيراً ما أغفلها أو تغافل عنها معاصروه وسابقوه. لقد عاد نزار إلى جسد المرأة، فرسم طفولة نهده، ونسج من كمّ دنتيلها نصاً، ومن قرطها الطويل قصيدة، دون أن يعير اهتمامه إلى امرأة بعينها، فما قيمة الأسماء:
"رانية.. أم زينب
أم هند.. أم هيفاء
أسخف ما نحمله، يا سيدي، الأسماء"
وما قيمة الأسماء ما دامت المأساة واحدة، والانغلاق الذي تواجهه المرأة العربية في عصره واحداً؟
لقد شكل نزار قباني صوت المرأة الصادح الصارخ في وجه كل من:
"يصادر الأحلام من خزائن النساء
يمارس الحجر على عواطف النساء
يستعمل السكين
والساطور كي يخاطب النساء".
يثور نزار ضد من:
"يصنع تاج الشرف الرفيع
من جماجم النساء"
كان نزار قباني ثورياً بامتياز في علاقته بالمرأة، ولم يكن مثل الكثير ممن يتغنون بالحرية في نصوصهم وينكرونها في حياتهم الخاصة، وهذه الثورية تترجمها علاقته المتفردة ببلقيس رفيقة دربه التي خصها بديوان شعري، وجاءت صرخته بعد اغتيالها مدوية:
"سأقول في التحقيق:
كيف أميرتي اغتصبت
وكيف تقاسموا فيروز عينيها..
وخاتم عرسها..
وأقول كيف تقاسموا الشعر الذي
يجري كأنهار الذهب".
الشاعر الملتزم
لم يكن نزار قباني شاعر المرأة فحسب، ولا عمر بن أبي ربيعة عصره، كما أراده البعض أن يصفه، فقد كان شعره محايثاً لقضايا عصره، معرياً الخراب والهوان الذي سرى في كيان أمته، التي اكتفت بالتغني بأمجاد الماضي وترديد ذكرى بطولات زائفة. وكان ناقداً لاذعاً موجعاً حين أعلن:
"نسيت قبائلنا أظافرها،
تشابهت الذكورة والأنوثة في وظائفها،
تحولت الخيول إلى حجارة،
لم تبق للأمواس فائدة..
ولا للقتل فائدة..
فإن اللحم قد فقد الإثارة
***
دخلوا علينا..
كان عنترة يبيع حصانه بلفافتي تبغ،
وقمصان مشجرة،
ومعجون جديد للحلاقة،
كان عنترة يبيع الجاهلية".
ولم يقف نزار قباني عند وصف خنوع العرب وتكالبهم على المظاهر الزائفة، بل عرى جمودهم وتحجرهم واقتفاءهم أثر الخرافة، إذ كانوا مغيبين عن كل ما بلغه العالم من تبدل. يقول في قصيدته "خبز وحشيش وقمر":
ما الذي يفعلهُ قرصُ ضياءْ؟
ببلادي..
ببلاد الأنبياءْ..
وبلاد البسطاءْ..
ماضغي التبغ و تجَّار الخدَرْ..
ما الذي يفعله فينا القمرْ؟
فنضيع الكبرياء..
ونعيش لنستجدي السماءْ..
ما الذي عند السماءْ؟
لكسالى.. ضعفاءْ..
يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمرْ..
ويهزّون قبور الأولياءْ..
علَّها ترزقهم رزّاً.. وأطفالاً.. قبورُ الأولياءْ
ويمدّون السجاجيدَ الأنيقات الطُرَرْ..
يتسلون بأفيونٍ نسميه قَدَرْ..
وقضاءْ..
في بلادي.. في بلاد البسطاءْ.."
ولم يثر نزار في وجه الأمة العربية فحسب، بل كان من المعلنين عن عدائه لكل أعداء أمته، وهو ما سيعلنه صراحة في قصيدته "أنا مع الإرهاب"، التي قد لا يجد كثير من الشعراء الجرأة الكافية لقولها، فيعلن انتقاده للهيمنة الغربية الأمريكية على الشعوب العربية والتحكم في مصائرها، فيعلن:
"أنا مع الإرهاب..
ما دام هذا العالم الجديد
يريد أن يذبح أطفالي
ويرميهم إلى الكلاب..
***
من أجل هذا كله..
أرفع صوتي عالياً:
أنا مع الإرهاب!!
أنا مع الإرهاب!!
أنا مع الإرهاب!!"
الكون الشعري.. ومعالم التجديد
نجح نزار قباني في أن ينزل القصيدة العربية من عليائها وتهويماتها الأسطورية، لتغدو أكثر التصاقا بالقارئ العربي وهمومه البسيطة وتفاصيل يوميّه، فتميزت لغته بالسلاسة والسهولة، دون أن يسقط النص في المباشرة، كما وظف أدوات جديدة بها يشيد معمار نصه، فالتفت إلى تفاصيل المرأة البسيطة وأدوات زينتها ولباسها ولغتها وحركاتها ينسج منها نصه، ويشد مفاصله. تفنن نزار في استحضار نصوص وأصوات شعرية قديمة وأحداث تاريخية وأماكن، وانزاح بها في بعض الأحيان عن دلالاتها الأصلية ليكسب النص ثراء، وينأى به عن الوضوح الذي يقتل الفن. ويمكن أن نستدل على ذلك باستحضار صورة عنترة وقيس بن الملوح، ليكسبهما في النص دلالة جديدة معاصرة، وكذا شأن الأمكنة (بيروت، خان الخليلي، غرناطة، ستوكهولم....).
فأثارت نصوصه جدلاً واسعاً لجرأتها على كسر النظام التقليدي للقصيدة شكلاً ومضموناً، وهو ما يشير إليه بقوله: "إنني لا أشعر أنني على قيد الحياة إلا حين تتساقط الحجارة على زجاج نافذتي... في هذه اللحظة أشعر أن جرعة الشعر التي أعطيتها للناس بدأت تتفاعل في دورتهم الدموية... وأن الزلزال الذي كنت أحتفظ به في داخلي قد أنتقل إليهم.
عندما أنشر قصيدة ولا يرجمونني بسببها.. أشعر أنني مريض وتبدأ حرارتي بالارتفاع".
يموت الشاعر لتكتمل القصيدة..
رحل الدمشقي العاشق في 30 أبريل (نيسان) 1998 عن عمر يناهز 75 عاماً، تاركاً عشرات الدواوين والكتابات النثرية وعشرات القصائد التي تغنى بها ألمع وجوه الطرب في الساحة العربية كماجدة الرومي وكاظم الساهر، كما ترك حرقة في الشارع العربي عبر عنها بعض الكتاب والأدباء والشعراء بكل مرارة. فقال: " سوف يتضاعف الآن المعجبون بنزار قباني لكونه أصبح تجربة مكتملة الحياة والشعر فهذا شاعر لا يمكن العبور عليه دون اتخاذه درسا لنوع خاص وشخصي من الكتابة". وقال عنه الراحل محمود درويش في قصيدته "في بيت نزار قباني" التي نشرت في ديوانه "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي":
قلتُ لهُ حين مُتْنا معاً، وعلى حدة:
أنت في حاجةٍ لهواء دمشق!
فقال: سأقفز، بعد قليل، لأرقد في حفرة من سماء دمشق.
فقلتُ: انتظر ريثما أتعافى، لأحمل عنكَ الكلام الأخير
انتظرني ولا تذهب الآن، لا تمتحنّي ولا تَشْكُل الآس وحدك!
قال: انتظر أنت، عش أنت بعدي
فلا بدّ من شاعر ينتظر
فانتظرتُ! وأرجأتُ موتي..
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

