الخراط: تضطلع مؤسسة مؤمنون بلا حدود بمهمة إرساء خط فكري يشبه حركة الإصلاح الديني
03 اغسطس 2015 | 0 تعليق

الدكتور محمد الخراط
حاوره: محمد بوشيخي

يشهد الفكر العربي في الفترة الأخيرة، تحولات بنيوية ونشاطا حيويا، رغم الوقائع التراجيدية في جزء مهم من أرجائه، وهي تحولات تحتاج حتما إلى رصد وترشيد خدمة للمشروع التنويري العربي، وبالتالي طرح السؤال حول وجهة ومسار الفكر العربي راهنا ومدى قدرته على التعبير والالتزام بقضايا المواطن العربي واقعاً.

في هذا الصدد، يستضيف موقع ذوات الباحث التونسي الدكتور محمد الخراط، المختص في قضايا التاريخ والحضارة في العالم العربي، قصد محاورته حول جوانب من راهنية الفكر العربي ونوع علاقته بالتراث وتحديات العصر الحديث، وكذا التحديات التي تواجهه أمام تنامي خطابات العنف والإقصاء.

1-    الدكتور محمد الخراط، بداية نهنئكم لحصولكم على جائزة مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، للمرّة الثانية على التوالي، عن بحثكم المعنون بـ"استدعاء الشأن الديني إلى المجال العام"، بعد إحرازكم السنة الماضية عن كتابكم "تأويل التاريخ" جائزة المؤسسة لأحسن كتاب. وبهذه المناسبة هل لنا أن نعرف تقييمكم لعمل مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، ورصيدها الإنتاجي خلال السنتين اللتين قضتهما من عمرها؟

ـ في البدء لا بدّ أن أشكركم على التهنئة، وأشكر كلّ من بعث إلينا برقيق الكلام وحميد التشجيع، والشكر موصول بالثناء والامتنان لمؤسسة مؤمنون بلا حدود التي أعتبر نفسي واحداً من أبنائها. إنّ العمل المحمود الذي تضطلع به مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث يتجاوز ـ في رأيي ـ نشر الثقافة والمعرفة والحثّ على البحث والتحصيل بإقامة المجالس العلمية ونشر الكتب والمقالات ودعم الشباب مادياً وفكرياً وعقد المؤتمرات الدولية، يتجاوز ذلك إلى إرساء خط فكري ثقافي جديد أشبه ما يكون بحركة الإصلاح الديني والثورة الثقافية،

إنّ العمل المحمود الذي تضطلع به مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث يتجاوز ـ في رأيي ـ نشر الثقافة والمعرفة والحثّ على البحث والتحصيل بإقامة المجالس العلمية ونشر الكتب والمقالات ودعم الشباب مادياً وفكرياً وعقد المؤتمرات الدولية، يتجاوز ذلك إلى إرساء خط فكري ثقافي جديد أشبه ما يكون بحركة الإصلاح الديني والثورة الثقافية.

لأنه يؤصّل نمطاً جديداً من التفكير، ويقدّم خطاباً مستحدثاً للفكر في عالمنا العربي، وبالرغم من أنّ عمر هذه المؤسسة لا يتجاوز السنتين، فإنّها بما قدّمته من أبحاث ودراسات قد ساهمت في دفع حركة الفكر العلمي الرصين، وأثبتت أنّ المراهنة على الثقافة والمعرفة هي المعركة الأم والوجهة الحاسمة للوطن العربي في هذا العصر.

2-    اشتغلتم في كتابكم "تأويل التاريخ" على نماذج فكرية مغاربية، تتجسد في فكر كلٍّ من هشام جعيط من تونس ومحمد أركون من الجزائر وعبد الله العروي من المغرب، فلماذا هذه النماذج بالضبط دون غيرها؟

ـ كان كتابنا "تأويل التاريخ العربي" مسلطاً على بعض المفكرين المغاربة، وهم كما ذكرتم هشام جعيط من تونس، ومحمد أركون من الجزائر، وعبد الله العروي من المغرب، وكان اختيارنا لهم مرتبطاً بمجموعة من العوامل أهمّها أنهم ينتمون إلى مجال جغرا- ثقافي متقارب، وأنهم ينحدرون من اختصاص علمي رئيسي موحد هو علم التاريخ، فضلاً عن أنّهم ـ في رأينا ـ يقدّمون أعمالاً على قدر مهم من العمق المعرفي والدقة العلمية وشمولية النظرة عزّ نظيرها في أعمال أخرى. طبعاً هناك أسماء مفكرين مرموقين آخرين في المغرب العربي، ولكنّي اخترت عيّنة تمثيلية تبدو لي متقاربة من حيث الرؤية والرهانات والعمق، هناك عبد الكبير الخطيبي ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن ومحمد الطالبي وعبد المجيد الشرفي... وغيرهم كثير ممن لهم باع في المعرفة وغور في العلم، ولكننا ركزنا على من لهم صلة مباشرة بعلم التاريخ من جهة، ويعرضون تصورات شاملة عن الوضع العربي الإسلامي من جهة أخرى، ويتصدّون للقضايا الحارقة في الثقافة العربية المعاصرة كالهويّة والعقل والدين والسياسة والعولمة... بيد أنّ خصوصية الموضوع هي التي فرضت خصوصية الاختيار.

3-    تحدّث المرحوم محمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي عن قطيعة إبستمولوجية بين المغرب والمشرق، كيف تنظرون من جهتكم إلى نوع العلاقة "الفكرية" بين المغرب والمشرق؟ ثم كيف تنظرون إلى مسارات التطور داخل الفكر العربي المعاصر عموماً؟

ـ محمد عابد الجابري من المفكرين الكبار الذين استطاعوا بجهد عظيم ونفاذ بصيرة أن يشرّحوا العقل العربي، وأن يكتبوا في بنيته وشروطه ومحدداته، ومن بين استنتاجاته التي وافقه فيها البعض وخاصمه من أجلها البعض الآخر حديثه عن القطيعة الإبستمولوجية بين المغرب والمشرق. وأنا في الحقيقة أميز تمييزاً ضرورياً بين تحليل الظواهر والحكم عليها من جهة، وبين معالجة المعرفة والثقافة ومنهج المعالجة من جهة أخرى. لنقل إنّ تحليل الظواهر يكشف عن تباين في طبيعة المعرفة بين المشرق والمغرب، فهل نعدّ ذلك قطيعة إبستيمولوجية؟ هذا الحكم لا يمكن أن ننتهي إليه إلا إذا كان عملنا ـ على شاكلة ما صنع الجابري ـ منطلقاً من تقسيم العقل العربي تقسيماً حاسماً إلى علوم ثلاثة متباينة لها شروط مختلفة ومرجعيات متمايزة، فإذا رأينا البرهان غالباً على البيان والعرفان في جهة ثم رأينا البيان غالباً على البرهان والعرفان في جهة ثانية نحكم بما حكم به الجابري. لقد خلص إلى أنّ الفلسفة الإسلامية المشرقية ممثلة في الفارابي وابن سينا تتناقض مع فلسفة المغرب والأندلس ممثلة في ابن باجة وابن رشد، ذلك أنّ العقلانية الرشدية ـ في نظره ـ عقلانية واقعية، في حين يرى أنّ العقلانية الفارابية والسيناوية عقلانية صوفية، الأولى تنطلق من الثقة المطلقة في العقل، والثانية تنتهي دوماً إلى نوع من التصوف والغنوصية. فالجابري يرى أنّ الثقافة العربية الإسلامية شابها الفكر الغنوصي الذي تجلى في الحركة الإسماعيلية والحركة الباطنية وفكر التشيع والتصوف، فتأسس ما سمّاه "العقل المستقيل" لأول مرّة في الثقافة العربية الإسلامية من خلال الموروث القديم الوافد الذي تحمله الهرمسية والصيغة المشرقية من الأفلاطونية المحدثة، فالفكر الهرمسي والأفلاطوني المحدث الذي قطع مع العقلانية الأرسطية هو المسؤول ـ عند الجابري ـ عن دخول فكر العرفان والتصوف إلى ثقافتنا. إنّ هذه القراءة قد انتهت إلى استبعاد إنجازات فكرية رائعة من دائرة العقل والعقلانية ممثلة في الفكر الصوفي والإشراقي، ذلك أنّ الجابري يرى ألا قيمة فكرية تذكر لهذا الإنتاج إيديولوجياً، لأنّه فكر متسرب إلينا ويمثل إيديولوجية الخصم الفارسي، أمّا إبستيمولوجياً فإنّ هذه المصنفات الغيبية لا تمتّ إلى العلم بصلة، وبالتالي فهي من قبيل تهويمات الخيال التي تتنافى مع العقل، وهذا الكلام في نظرنا يخلط بين فهم العقل باعتباره أداة معرفية وفهمه من خلال أنماط تمظهره في المجتمعات المتنوعة ونوعية التعامل معه وكيفيات تطبيقه ومستتبعاته. إنّ المنهج الإبستيمولوجي الذي قد يثبت جدواه في تحليل المعارف يمكنه أن يقف عاجزاً أمام التأويل، وهذا ما يفسّر الموقف السلبي للجابري من التأويل حين اعتبره مطيّة اتخذها العقل المستقيل للدخول إلى الساحة الفكرية العربية، وليس الانصراف الكلّي إلى المنهج الإبستيمولوجي الذي نراه عند الجابري سوى اقتناع فكري متأسس على أنّ البرهان يمثل نمط المعقولية الوحيد، وأنّ التفكير بالعقل يظلّ السبيل الأمثل إلى الحقيقة.

هناك اليوم تباين في القيمة العلمية والنقدية للدراسات بين المشرق والمغرب بسبب عوامل تاريخية وسياسية كثيرة ولكنه ـ عندي- وبفعل العولمة آيل إلى الاختفاء وتضافر المعرفة على المدى المتوسط خصوصاً بعد ما شهدته البلاد العربية من ثورات وما ينتظرها من التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية إقليمياً ودولياً.

لكنّ التفكير بالعقل ليس كالتفكير في العقل، مثلما أنّ الفلسفة ليست كالعلم تستعمل الأداة بدون تفكير في قيمتها وحدودها، فالتفكير في العقل هو جنوح ذلك العقل إلى إدراك ذاته، ولا مناص وقتها من الحدس والتأول حتى ينتج المعنى، فنقف على ماهية العقل، ولكي نقف على حقيقة هذه الماهية لا بدّ لنا من تعريف إنطولوجي للعقل يتجاوز دلالته أداة معرفية إلى اعتباره قوة إدراكية تعطي للحقيقة معنى، وتميز الإنسان في علاقته بذاته وبالوجود والعالم.

بالنسبة إلى هذا الزمن الحديث، هناك اليوم تباين في القيمة العلمية والنقدية للدراسات بين المشرق والمغرب، بسبب عوامل تاريخية وسياسية كثيرة، ولكنه ـ عندي- وبفعل العولمة آيل إلى الاختفاء وتظافر المعرفة على المدى المتوسط، خصوصاً بعد ما شهدته البلاد العربية من ثورات وما ينتظرها من التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية إقليمياً ودولياً.

4-    نلاحظ أنّ ارتفاع منسوب الدراسات النقدية للتراث العربي الإسلامي خلال العقود القليلة الماضية يرافقه من الناحية الميدانية ارتفاع في خطابات العنف والتكفير والإقصاء، هل يعبّر هذا عن عجز العمل الأكاديمي في اختراق الأوساط الشبابية والشعبية عموماً؟ أم أنّ إكراهات الظروف الاقتصادية والبيئة الاجتماعية تبقى هي المحددة لسلوك رجل الشارع؟

ـ من أجل الإجابة عن هذا السؤال لا بدّ أن نبحث أولاً عن مصدر خطابات العنف والتكفير والإقصاء، ثم عن العوامل التي تساهم في تغذية هذا الضرب من الخطابات، وبعدها نرى هل أنّ الأعمال النقدية التي تقدم خلال السنوات القليلة الماضية كافية لوقف هذا التيار أو قادرة على ذلك.

هناك ظروف عالمية تنيخ بكلكلها على الإنسان المعاصر في كامل المعمورة، وإن كانت تمارس قهرها بشكل أعنف على الفرد الذي ينتمي إلى المجتمعات التابعة، والمجتمع العربي منذ قرنين تقريباً وهو يعيش التبعية ثقافياً وسياسياً واقتصادياً، والعولمة بقدر ما تعرض من آليات التواصل فإنها تفرض استراتيجيات الاحتكار والقمع. والفرد العربي يستفيد من آخر مكتسبات العلم الحديث ومن آخر إنجازات العولمة ووسائل الاتصال الحديثة، ولكنه لا يتمثلها ليعيد إنتاجها، وحتى حين يعيد إنتاجها فإنه يفعل ذلك وفق مقتضيات الفضاء المعرفي الذي نجمت عنه، اليوم نحن نستعمل الإنترنت، ولكننا عاجزون عن التحكم فعلياً فيها، لأننا استقبلنا المنتوج ولم نتمثل المبدأ، كلّ منجز تقني يخضع لمنطق تنازع العلم والقوة في نطاق إبستيمي محدد ورؤية مخصوصة للعالم. عند الآخر هناك قوة سياسية وعسكرية واقتصادية وهناك أيضاً قوة ثقافية وعلمية، أحياناً تسيطر القوة العسكرية والسياسية فتوظف العلم لصالحها، وأحياناً يسيطر العلم فتتبعه القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وفي كلّ الأحوال هناك تحكم على الجناحين في إطار رؤية موحدة، أمّا في العالم العربي فقد كان الرهان باستمرار على القوة العسكرية والاقتصادية، أمّا قوة العلم فيكفي أن نبعث لها البعثات إلى أوروبا أو نأتي بالخبرات إلينا أو نستورد نتاجها جاهزاً كما هو فلا نحصل إلا على الاستبداد، وهذا يقود ضرورة إلى العنف والعنف المضاد. في هذا الزمن العصيب بعد الثورات العربية تستغل مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية في تغذية الإرهاب وتجييش الحسّ الديني لتوظيفه سياسياً، ونحن أعجز ما نكون عن مواجهة هذه الظاهرة. لكن قبل هذا وذاك لا ينجح الإرهاب إلا حين تكون البيئة التي يستنبت فيها ملائمة لاحتضانه، فماذا أعددنا من ضروب الثقافة لمنع هذه الآفة؟

الخطابات الدينية في البلاد العربية عموماً ـ مع اختلاف في الدرجة لا في النوع ـ تصنع الإرهاب، في المساجد وفي القنوات الفضائية وداخل الأحزاب السياسية وعلى المنابر الإعلامية وفي مقاعد الدراسة... هناك كم هائل من العنف والحثّ المباشر وغير المباشر على الإرهاب لأسباب عدة بعضها من الظلم السياسي وبعضها من الفقر ومعظمها من الجهل المقدّس، فما لم نتعامل مع ثقافتنا وموروثنا تعاملاً نقدياً وما لم يخضع هذا الزخم التديني والموروث الفقهي إلى مبضع النقد فإننا سنظل ننتج الإرهاب، لأنّ الأطر الاجتماعية للثقافة والمنظومات العالمية باتت تساعد على تأجيجه، وقد كان ناراً تحت رماد، ولا يجدي نفعاً الحديث عن الثقافة الوسطية والإسلام المعتدل في هذا الظرف. إننا نحتاج إلى ثورة حقيقية وعميقة شبيهة بما سمّاها سبينوزا "قلب الطاولة" (Table Rase)،والنتاجات النقدية على أهميتها تظلّ حبيسة رفوف المكتبات ومقصورة على نخبة النخبة، لأنّ النظم التربوية والقرارات السياسية تحارب باستمرار الفكر النقدي الحر وتجعله محصوراً بين جدران الجامعات، وليس من مصلحة الأنظمة الاستبدادية أن ترى شعوبها النور، لأنّ القرار السياسي مهم جداً، فما لم تأخذ الدولة على عاتقها مهمة إصلاح التعليم وترسيخ قواعد التفكير الحر والنقد الجذري منذ المراحل الأولى للتعليم فإننا لا يمكن إلا أن نحصل على شخصيات تحفظ التراث بمتونه وأسانيده ولا تنتج ثقافة فاعلة. وما لم نفك التحالف التاريخي بين رجل الدين ورجل السياسة فإننا لن نأمل في تغيير حقيقي للتعليم.

5-    أبانت الحركة الإسلامية عن فشلها في تقديم مشروع مجتمعي قابل للتطبيق، وانتهى بها المطاف إلى تبنّي المفاهيم الغربية بعد تبيئتها وإنتاجها في خطابات أخلاقية، هل يعتبر هذا مؤشراً على ذوبان كلّي للتنظيمات الإسلامية في حقل الدولة الحديثة وتبنيها للحريات الفردية وحقوق المرأة وضبط علاقة الدين بالدولة، كما تبلورت في التجربة التاريخية الغربية؟

ـ بالفعل فإنّ الحركات الإسلامية قد أثبتت فشلها في تقديم مشروع مجتمعي قابل للتطبيق، وذلك لأنّ هذه الحركات ترفع شعارات العودة إلى المنابع الصافية للإسلام الأول وتطبيق الشريعة سواء بشكل علني أو مضمر، مع أنّ رهاناتها هي الوصول إلى السلطة والبقاء في الحكم من جهة أولى، والمحافظة على القاعدة الشعبية التي استقطبتها عبر هذه الشعارات من جهة ثانية. وللوصول إلى الحكم تجد هذه الحركات نفسها مضطرة للتعامل مع المفاهيم الغربية للدولة الحديثة من قبيل الانتخابات والانتظام في الأحزاب والإيمان بالتداول على السلطة... ولذلك فهي مجبرة على تقديم التنازلات عن بعض ثوابتها الإيديولوجية، وهذه التنازلات التي تقرّبها من الحكم تضعف في المقابل من قواعدها الشعبية التي يضعف إيمانها بالحركة، فتنتهي هذه الحركات إلى الذوبان في الدولة الحديثة، ولا يبقى من زخمها التجييشي الذي تنتسب إليه إيديولوجياً إلا الشعارات وإعادة رفعها عالياً كلما دخلت في أزمة مع الأنظمة الحاكمة أو مع قواعدها.

الخطابات الدينية في البلاد العربية عموماً ـ مع اختلاف في الدرجة لا في النوع ـ تصنع الإرهاب، في المساجد وفي القنوات الفضائية وداخل الأحزاب السياسية وعلى المنابر الإعلامية وفي مقاعد الدراسة... هناك كم هائل من العنف والحثّ المباشر وغير المباشر على الإرهاب لأسباب عدة بعضها من الظلم السياسي وبعضها من الفقر ومعظمها من الجهل المقدّس.

هي إذن منذ البدء حركات معلمنة دون أن تدري أو دون أن تعلن ذلك، فضلاً عن أنّ مجموع القيم والأحكام التي تنادي بتطبيقها إمّا تشكل هي بحد ذاتها جزءاً من الموروث القيمي الإنساني التي تحتكرها لنفسها ولمراجعها أو تقوم بتطويع النصوص التأسيسية لهذه القيم، وبالتالي فهي حركات اجتماعية سياسية وليست حركات دينية مطلقاً، وإنما أقصى ما تنتسب إليه بعض اللافتات الشرعية والفقهية التراثية التي تساعدها على استقطاب جموع من الناس الحالمين بعودة الإسلام في صفائه الأوّلي. ولذلك يصحّ أن نقول إنّها من صنف الدعوات الانتظارية التي تجعل رهانها منوطاً بفكرة أو شخص مخلص أو عصر منشود تأمل في استعادته وتنتظر لحظة الخلاص بحلوله، والفرق أنّ بعض الحركات الشمولية رهانها موجود في الماضي وهي تأمل في استعادته، وبعضها الآخر له طوبى منشودة ينتظر تطبيقها في المستقبل، والكلّ في النهاية ينتهي إلى الذوبان في المنظومة العالمية الكونية المهيمنة، وهي في هذا العصر المنظومة الليبرالية الغربية.

6-    هناك من ما يزال يؤمن بصلاحية المرجعية الإسلامية في التأسيس لنموذج حضاري أصيل بديلاً عن النموذج الغربي، عبر الدعوة إلى "مركزية القرآن" وإعادة النظر في هيمنة السياسة على الخطاب الإسلامي، كيف تقرؤون مستقبل هذه الدعوات؟

ـ من يروم البحث عن نموذج حضاري بديل في هذا العصر لا بدّ أن يكون متوفراً على مرجعية نظرية واضحة ودقيقة وقابلة للتطبيق. والحركات الإسلامية التي ترى في مركزية القرآن مرجعية للنموذج البديل تنسى أنّ هذا النص الجوهري العظيم حافل بالخطاب المجازي ومتوفر على قابلية واسعة للتأويل، ممّا يجعله حمّال أوجه من جهة، وعرضة لتأويلات متباينة من جهة ثانية، لأنّه في الأصل خطاب ديني، أي خطاب قيم وإنسية روحانية وليس نصاً قانونياً أو منظومة إيديولوجية قاطعة، فالدعوة إلى مركزية القرآن لا تعدو أن تكون أحد التوجّهات التالية: إمّا توجّه سياسي يسعى إلى توظيف الخطاب المقدّس في التعبئة السياسية، وإمّا توجّه ديني يروم الحفاظ على السلطة الرمزية لرجال الدين وحرّاس الشريعة، وإمّا توجّه مثالي ذو نزعة طوباوية حالمة من النوع الذي ينشأ خلال الحقب الزمنية توقاً إلى المفقود أو إيماناً بفكر الدعاة الذي انقضى مع انحسار المدّ الحضاري للتاريخ الإسلامي، وهو نظير ما يصنعه التبشيريون، فالتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية يرى "ألا أحد أعطى نفسه الإيمان كما لم يعط أحد نفسه الحياة، فقد تقبّل المؤمن الإيمان من غيره، وهو من واجبه أن ينقله إلى غيره"، ولذلك ترتفع هذه الأصوات حنيناً إلى أزمنة غابرة لا غير. 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق