يلوح: الغرب يراهن على أدوار استراتيجية لإيران على حساب المصالح العربية السنية
16 اغسطس 2015 | 0 تعليق

الدكتور رشيد يلوح
حاوره: محمد بوشيخي

على إثر  الاتفاق الموقع مؤخرا بين القوى الكبرى وإيران حول ملفها النووي، وما رافقه من اهتمام إعلامي بالغ تناول في الغالب الأعم التداعيات السلبية للاتفاق على مستقبل الأمن الاستراتيجي العربي وبوادر انفتاح غربي على الجمهورية الإسلامية يعيد ترتيب المشهد الإقليمي وفق المصالح الحيوية لأطراف الاتفاق، فتح موقع ذوات حوار ا في الموضوع مع الباحث المغربي في "الدراسات الإيرانية" بمركز الإمارات للسياسات بأبوظبي، الدكتور رشيد يلوح.

حيث أبرز الباحث، في متن الحوار، الاعتقاد السائد لدى الغرب "بأن إيران هي القوة التي يمكن المراهنة عليها في إدارة منطقة الشرق الأوسط"، وبالتالي منحها "أدوار استراتيجية مستقبلية سوف تكون على حساب مصالح العالم العربي وعمقه الإسلامي السّني" ورصد في نفس السياق مؤشرات على "فصل جديد من التوتر الإيراني العربي" نتيجة التّقدير الاستراتيجي الإيراني الخاطئ"الذي يعتبر الدول العربية هدفاً لمشروع جيوسياسي-ديني يسعى لإضعاف الدول العربية والهيمنة على ثرواتها المادية والمعنوية".

   الدكتور رشيد يلوح، بصفتكم مختصا ومتابعا عن قرب للملف الإيراني، نود استفساركم عن دواعي الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 1+5؟ ولماذا في هذا الوقت الذات؟

د. يلوح: نشهد حاليا نهاية نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي مرحلة انتقالية يُتوقع أن تُفرز نظاما دوليا جديدا، قد يكون من أبرز ملامحه تعدُّد الأقطاب الاقتصادية، فلأول مرة في التاريخ المعاصر نشهد تفوق الاقتصاد الصيني على نظيره الأمريكي،

ضاعفت إيران من جهود ديبلوماسيتها الثقافية في الغرب لتُبرز للناس هناك أن الإسلام الشيعي يختلف عن الإسلام السّني، وأن الإسلام السني هو إسلام "طالبان" و"القاعدة". وقد وجد هذا الخطاب نوعا من القبول في أوساط غربية.

ولهذا السّبب لم تعد ترغب الولايات المتحدة بالمزيد من الخسائر في الشرق الأوسط، وتُحاول منافسة التّمدد الاقتصادي الصيني في العالم. الرأي العام الأمريكي هو الآخر بات رافضا لدفع الفواتير البشرية والاجتماعية لتدخلات بلاده العسكرية هنا وهناك.

إيران بدورها لم تعد تتحمل ضغط العقوبات الاقتصادية التي دفعت الاقتصاد الإيراني نحو حافة الانهيار سنة 2013، إضافة إلى التداعيات السلبية لوضعية الانسداد السياسي الداخلي، والتي طبعت الولاية الثانية من رئاسة أحمدي نجاد بين 2009 و2013.

من الواضح أيضا أنّ كلا الطرفين، إيران والولايات المتحدة، أعاد ترتيب أولوياته من خلال حساب حجم مكاسب وخسائر كل سيناريو يمكن أن يفضي إليه النزاع حول الملف النووي، وقد كان ل "الربيع العربي" دور أساسي في إنضاج شروط التفاوض السري بين طهران وواشنطن طيلة سنة 2012 وحتى إعلان الاتفاق النووي المؤقت في نوفمبر 2013، ثم الشّروع في مسار بناء الثقة وإعطاء الأولوية للديبلوماسية وفتح قنوات التعاون في أكثر من ملف إقليمي، وعلى رأس هذه الملفات يأتي ملف محاربة تنظيم "داعش".

من المهم أيضاً، أن نُشير هنا إلى أن طهران قطفت ثمار استثمارها بشكل ذكي في أزمات المحيط العربي المضطرب منذ حرب الخليج الثانية سنة 1991.

  هل يمكن في هذا السياق للغرب أن يراهن على "التشيع" لمواجهة الفكر السلفي؟

د. يلوح: استغلّت إيران أخطاء استراتيجية عربية، خاصة التي كانت من بدوافع الإسلام العربي السُّني، لتُروج لصورة "الإسلام الشيعي العالمي والإنساني"، وقد بدأت بوادر هذا التفكير الإيراني منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما برزت ظاهرة "الجهاد الأفغاني"، والحرب العراقية الإيرانية، ليتحول إلى استراتيجية بارزة المعالم بعد 11 من سبتمبر 2001، إذ ضاعفت إيران من جهود ديبلوماسيتها الثقافية في الغرب لتُبرز للناس هناك أن الإسلام الشيعي يختلف عن الإسلام السّني، وأن الإسلام السني هو إسلام "طالبان" و"القاعدة".

يسود اعتقاد واسع في أوساط بعض الاستراتيجيين الغربيين، خاصة الأمريكيين، بأن إيران هي القوة التي يمكن المراهنة عليها في إدارة منطقة الشرق الأوسط، شرط أن يخضع نظامها السياسي لعملية إعادة تأهيل، وأن ينخرط في محاربة الإرهاب (يقصدون الإرهاب السني فحسب)، وأن يلتزم بالحفاظ على أمن إسرائيل ومعابر إمدادات الطاقة.

وقد وجد هذا الخطاب نوعا من القبول في أوساط غربية، لاسيما، أن الغربي يرى دائما الإيراني أقرب إليه من العربي.

وإذا عدنا إلى كتابات وأبحاث المستشرقين الذين زاروا إيران في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، سنُلاحظ أن انطباعاتهم ونتائج أبحاثهم تتحدث عن وجود اختلافات بين "التّشيع" عن "التسنن"، وقد ذهب بعض الأمريكيين إلى اعتبار "التشيع" أقرب إلى روح الحضارة المسيحية الغربية، لما فيه من عناصر "الفداء والقابلية للتأويل والتلاقح مع باقي الثقافات"، عكس ما وصفوا به المذهب السّني مثل "الانغلاق" و"الخصوصية" و"عدم قبوله للتلاقح مع الثقافات الأخرى".

وعلى المستوى الحضاري، يعتقد معظم الباحثين الغربيين أن الحضارة الفارسية عريقة وناضجة بما فيه الكفاية، عكس الحضارة العربية.

وللإشارة، فهذه الأحكام تستند إلى خلاصات ونتائج غير علمية وموجهة أيديولوجيا منذ بداية القرن العشرين، وللأسف تسربت من كتب المستشرقين إلى المراجع العربية الحديثة، ولذلك فنحن بحاجة اليوم إلى تأسيس تخصص عربي في مجال "الدراسات الفارسية" يكون من مهامه إعادة النّظر في تلك النتائج وتصحيحها.

ومن مخاطر هذه الأحكام الخاطئة أنّها تُشكِّل أُسس الذّهنية الإيرانية المعاصرة، إذ يعتقد معظم الإيرانيين أن حضارتهم العظيمة قبل الإسلام تعرضت للتدمير على أيدي العرب، وأنهم شعب متميز مكانه الطبيعي هو قلب أوروبا وليس الشرق الأوسط.

وحاليا، يسود اعتقاد واسع في أوساط بعض الاستراتيجيين الغربيين، خاصة الأمريكيين، بأن إيران هي القوة التي يمكن المراهنة عليها في إدارة منطقة الشرق الأوسط، شرط أن يخضع نظامها السياسي لعملية إعادة تأهيل، وأن ينخرط في محاربة الإرهاب (يقصدون الإرهاب السني فحسب)، وأن يلتزم بالحفاظ على أمن إسرائيل ومعابر إمدادات الطاقة.

من الواضح إذاً، أن المطلوب غربياً من إيران هو أدوار استراتيجية مستقبلية سوف تكون على حساب مصالح العالم العربي وعمقه الإسلامي السّني، سواءً كان إسلاماً سلفيا أو صوفياً أو غير ذلك.

  أي تأثير للاتفاق على جيوبوليتيك المنطقة العربية؟

د. يلوح: صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأن هدف الاتفاق هو منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، وفي الوقت نفسه نفى أن يكون من أهداف الاتفاق إيقاف سياسات إيران التوسعية في المنطقة العربية، أو خفض التوتر الطائفي فيها، ذلك أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ترى أن مواجهة التمدد الإيراني في الدول العربية وإيقاف الصراعات الطائفية هي من واجبات دول المنطقة، وأن كل ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة هو تقديم الاستشارات والمساعدات التي لن تصل إلى مستوى التدخل العسكري كما كان الأمر في الماضي.

يعكس هذا الخطاب تراجعاً أمريكيا، وهو مؤشر على انسحاب جزئي أمريكي قريب من الشرق الأوسط، ومن المحتمل جداً أن يحدث هذا التّحول اضطرابا كبيرا في توازنات المنطقة، ذلك أن إيران ستسعى لملء أي فراغ قد تتركه الولايات المتحدة،

من المتوقع أن تستثمر إيران بنود الاتفاق لتواصل مسار بناء الثقة مع الغرب، بهدف تعزيز وضعها كفاعل دولي وقوة إقليمية صاعدة تخدم مصالحها ومصالح الغرب في المنطقة، وأيضاً، لكي تواصل توسعها في المحيط الاستراتيجي للدول العربية، خاصة أن الاتفاق لا يفرض عليها أي قيود في هذا الإطار.

وحتى الآن ليست هناك أي مؤشرات على عزم طهران الدخول في شراكات إيجابية وسلمية مع جيرانها العرب، والدليل هو السّلوك الإيراني أثناء المفاوضات وبعد توقيع الاتفاق النووي، فقد أكد الرئيس حسن روحاني قبيل سفر وزير خارجيته محمد جواد ظريف إلى الكويت وقطر في الأسبوع الأخير من شهر يوليو 2015، أنّ سياسة إيران في المنطقة لن تشهد أي تغيير، المعنى ذاته كرره ظريف أثناء تلك الزيارة.

وبينما كان المزاج العربي، بعد توقيع الاتفاق النووي، يتطلع إلى سلوك إيراني يفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين العرب وإيران، فوجئت العواصم العربية بتصريحات عدائية للمرشد علي خامنئي ومدير مكتبه محمد كلبيكاني تستهدف سيادة بعض الدول الخليجية.

تُنذر هذه المؤشرات السلبية بفصل جديد من التوتر الإيراني-العربي، وهي تعكس خطورة التّقدير الاستراتيجي الإيراني الخاطئ للمنطقة العربي، والذي يعتبر الدول العربية هدفاً لمشروع جيوسياسي-ديني يسعى لإضعاف الدول العربية والهيمنة على ثرواتها المادية والمعنوية.

  كيف تقرؤون ردود الفعل العربية على الاتفاق؟ وهل للعرب القدرة على تشكيل قطب منافس أو مزاحم لمراكز التأثير في المنطقة: إسرائيل، تركيا ثم إيران؟

د. يلوح: اعتقد أنها ردود فعل متوقعة، ويمكن تصنيفها بين الترحيب المشروط، والتّوجس من النوايا الإيرانية التي أثبتت دائما لصانع القرار العربي أن أفعال طهران تخالف أقوالها، وللأسف، لا يوجد لدى الدول العربية حتى الآن مشروع أو رؤية استراتيجيّة موحدة للتّعامل مع مخاطر المشاريع الجيوسياسية في محيطها الاستراتيجي، وأقصد هنا طبعا مشاريع إيران وتركيا وإسرائيل، وهي القوى الإقليمية التي تتنافس اليوم داخل المجال العربي.

من المتُوقع أن يُشكل التنسيق العربي الجاري في الملف اليمني وفي المشاورات حول مقترح "القوة العربية المشتركة" بداية تبلور رؤية عربية منسجمة حول مهددات الأمن العربي الاستراتيجي وأولوياتها.

   إيران تنفي أن يكون لها مشروع للهيمنة في المنطقة، فما هي في نظركم معالم هذا المشروع ومؤشرات الهيمنة فيه؟

د. يلوح: النفي الإيراني موجه للاستهلاك الإعلامي، أو بالأحرى للمتابعين والسياسيين العرب الذين لا يستطيعون الاطلاع على وثائق ودلائل هذا المشروع في لغته الأصلية؛ أي اللغة الفارسية، إذ استغلت إيران هذا القصور اللغوي العربي لكي تنقل للعرب عبر وسائل إعلامها المكتوبة والناطقة بالعربية، وعبر وكلائها المذهبيين والثقافيين والسياسيين في العالم العربي ما تريده من معطيات وصور مغلوطة وغير دقيقة عن "الجمهورية الإسلامية".

لا يتسع المجال هنا للتفصيل في عرض ملامح المشروع الجيوسياسي-الديني الإيراني في العالم العربي، لكنني أقول باختصار شديد، إنه مشروع يمزج بين بعدين، هما البعد المذهبي الشيعي الاثنا عشري، والبعد القومي الثقافي الفارسي، وذلك من خلال الدمج بين مشروعين فرعيين، هما "مشروع إيران الكبرى"، و"مشروع حكومة المهدي العالمية"، والهدف النهائي لهذه التركيبة هي استيراث (من الوراثة) الحضارة الإسلامية من العرب من خلال الهيمنة على ثرواتهم المادية والمعنوية، وعلى رأسها المقدسات الإسلامية في الجزيرة العربية، ويعتقد بعض الاستراتيجيين الإيرانيين أن اللحظة التاريخية لتنفيذ هذا المشروع قد حانت في ظل الانكشاف الاستراتيجي الذي يشهده العالم العربي منذ سنة 2011.

هذه المعطيات ليست مبالغات أو توقعات استراتيجية، بل هي ما صرح به الكثير من المسؤولين السياسيين والعسكريين ومراجع الدين الكبار في إيران، كما أنها رائجة في الخطاب السياسي والديني الإيراني منذ قيام ثورة 1979، وبعض منها يعود لما قبل هذا التاريخ، خاصة ما يتعلق ب "مشروع إيران الكبرى".

   ما السناريوهات المحتملة لتطورات الوضع الإقليمي خلال مرحلة ما بعد الاتفاق؟

د. يلوح: من المؤكد أن الاتفاق سيمنع إيران من الوصول إلى سلاح نووي على الأقل ل 15 سنة القادمة، كما أنه سيتيح لها فرصة الاندماج في النظام الدولي والاستفادة من فوائده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما تراهن عليه واشنطن لإعادة تأهيل النظام الإيراني. لكن من المستبعد أن يحدث هذا التحول بسهولة أو كما يتوقعه الغرب داخل إيران، فالنظام الإيراني يدرك جيدا حجم المخاطر المحدقة به، وهو بارع في امتصاص الضربات التي تهدد استمراره، إضافة إلى ضعف المعارضة التي بإمكانها أن تستثمر فرص الاتفاق لتحقق صعوداً اجتماعيا وسياسيا، لذلك من المتوقع أن تكون مرحلة ما بعد الاتفاق مليئة بالتجاذبات والمناورات في فهم وتنفيذ تفاصيل الاتفاق.

ومن المحتمل أيضا، أن يستغل النظام الإيراني تنفيذ بعض تفاصيل بنود الاتفاق لابتزاز الغرب في ملفات أخرى بالمنطقة.

لكن من المستبعد أن تُفوت إيران فرصة الاتفاق، أو أن تلجأ إلى خرقه، بل على العكس من ذلك، من المتوقع أن تستثمر بنوده لتواصل مسار بناء الثقة مع الغرب، بهدف تعزيز وضعها كفاعل دولي وقوة إقليمية صاعدة تخدم مصالحها ومصالح الغرب في المنطقة، وأيضاً، لكي تواصل توسعها في المحيط الاستراتيجي للدول العربية، خاصة أن الاتفاق لا يفرض عليها أي قيود في هذا الإطار، وأن مواردها المالية سوف تجعلها أكثر اندفاعا في اتجاه أهدافها الجيوسياسية-الدينية في العالم العربي.  

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق