الماركسية وجدل الرهانات بين المثالية والمادية
27 اغسطس 2015 | 0 تعليق
في ظل أجواء رأسمالية طبقية مستغلة، وفي ذروة المد الكولونيالي الغربي، جاءت الماركسية كرسالة أممية طوباوية، تبشر بالقضاء على عوامل الاستغلال والتمييز والطبقية، وتدعو إلى إقامة مجتمع لا طبقي تكون فيه جميع وسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل ملكا للجميع، في وقت كانت فيه أوروبا تعيش أجواء رأسمالية قائمة على علاقة تبادلية بين أصحاب رأس المال والعمال، وقد عاشت الأغلبية العاملة في ظل سيطرة رأس المال على شتى أنماط العلاقات الاجتماعية.
عاشت أوروبا عقودا طويلة يتنازعها ذلك التناقض الحاد بين عقيدة دينية تقوم على مبادئ الإخاء والتسامح المستمدة من تعاليم المسيح، ونظام اجتماعي يقسم الناس إلى سادة وعبيد في ظل حكم الملوك والأباطرة، وحتى مع تصاعد موجات التحرر والديموقراطية القائمة على أفكار آدم سميث وريكاردو ومونتسيكيو وغيرهم، وفي ظل تنامي الحركات الثورية الديموقراطية، وظهور البرلمانات والدساتير؛ فإن الرأسمالية بوصفها نظاما اقتصاديا ذا فلسفة اجتماعية وسياسية تقوم على أساس إشباع حاجات الإنسان الضرورية والكمالية، وعلى كون المنفعة واللذة هما أقصى ما يمكن تحقيقه من السعادة، كرست مبادئ التفرقة والتمايز الطبقي، وحولت أكثر من نصف سكان العالم إلى عبيد وأقنان في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ويمكن القول إن الثورة الصناعية أدت إلى وجود طبقتين أساسيتين هما: طبقة الرأسماليين الذين يملكون أدوات العمل والمواد الخام ووسائل المعيشة، وطبقة العمال الذين يبيعون قوة العمل مقابل أجر،
وعانى هؤلاء في المقابل من سوء توزيع الثروات وغياب العدالة الاجتماعية، ولعل ذلك كان راجعا إلى عدم اكتمال نضوج النظام الليبرالي الذي كان في أطواره الأولى، وبرغم المكاسب السياسية والدستورية التي حققها إلا أنه كان يحتاج إلى عقود للتخلي عن نزعته النفعية وتوجهاته الإمبريالية، والمضي قدما نحو تحقيق العدالة الاجتماعية.
تزامن ذلك مع تضاؤل دور الكنيسة التي لم تعد قادرة حتى على تقديم ذلك الخدر الذي اعتادته مع صكوك الغفران في القرون الغابرة، فكان البحث عن بدائل تحتوي في داخلها آليات التنفيذ؛ لخلق اليوتوبيا التي ما برح الإنسان يبحث عنها منذ أيام أفلاطون، تلك البدائل التي تجاوزت ما يقدمه الدين من طروحات للخلاص، ومضت وحدها تبحث عن مخلص جديد بطريقتها الخاصة، منذ طرح هيجل تصوراته باستبدال القدرة الإلهية بما أسماه القوة الموجهة للكون، وإن كان الهيجيليون الجدد أقل تحفظا في هذا السياق، فها هو لودفيج فيورباخ في كتابه "روح المسيحية" (1841م) يؤكد أن الدين هو المرآة التي تعكس الأحوال المادية للإنسان، والتي خلقت تناقضًا بين ما كان عليه الإنسان وما يتمنى أن يكون عليه، لكنه لم ينكر القيم الدينية بشكل مطلق، وإن تمسك بالقول بأن الإنسان ابتعد عن نفسه ووضع في مخلوق خارق للطبيعة صفات من طبيعته هو، وهي صفات سيعترف يوما ما بأنها "دين البشر".
ويمكن القول إن ماركس تأثر بفلسفة فيورباخ، مؤكدا أن الدين وجميع منتجات العقل البشري مشتقات من الأحوال المادية للإنسان، وأن هذه الأحوال هي التي قررت الكينونة الاجتماعية، أي حياة الجماعة، وقد تأثر ماركس بالثورة الصناعية في إنجلترا وما أضافه روادها من علماء الاقتصاد والسياسة وبخاصة ما كتبه ريكاردو وآدم سميث، وكذلك تأثر بالثورة السياسية في فرنسا، وخاصة أفكار سان سيمون وبرودون، هذا فضلا عن تأثره بالثورة الثقافية في ألمانيا، وكتابات هيجل وفيورباخ، وقد التقت هذه المؤثرات والتيارات جميعها عند ماركس، لتشكل مقدماته المنطقية التي تنزع نحو الثورة والعمل من أجل التغيير.
وبعد سلسلة من الكتابات المثيرة للجدل، غادر ماركس إلى باريس، بعد طرده من ألمانيا وسويسرا، وهناك التقى فردريك أنجلز، حيث نشأت شراكة فكرية من نوع فريد،
توجت بظهور البيان الشيوعي في فبراير 1848م، والذي احتوى على مذهب الحزب الشيوعي، ثم كان كتاب "رأس المال" أو "إنجيل الشيوعية"، الذي صدر الجزء الأول منه عام 1867م، ثم ظهر الجزآن الآخران من الكتاب في عامي 1885م، 1894م؛ أي بعد وفاة ماركس(1).
افترضت الماركسية مرحلتين دعت إلى تطبيقهما تباعًا، وهما: المرحلة الاشتراكية، ثم الشيوعية، فالاشتراكية تقوم على أنقاض المجتمع الرأسمالي، وهي من ناحية تعبر عن الثورة التاريخية المحتومة على الرأسمالية حين تأخذ بالاحتضار، ومن ناحية أخرى، تعتبر شرطًا ضروريًا لخلق المجتمع الشيوعي وقيادة سفينته إلى شواطئ التاريخ، وتتلخص معالم الاشتراكية وأركانها الأساسية في محو الطبقية، وخلق المجتمع اللاطبقي، وتسلم البروليتاريا للأداة السياسية، بإنشاء حكومة دكتاتورية، وتأميم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج، واعتبارها ملكًا للمجموع، ثم قيام التوزيع على قاعدة "من كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله". وتعد الشيوعية أعلى مرحلة من مراحل التطور البشري، لأنها المرحلة التي يحقق فيها التاريخ معجزته الكبرى، وهي قمة الهرم التاريخي للبشرية في رأي ماركس، وفيها يحدث التغيير في أكثر المعالم والأركان السابقة، عدا الطبقية التي تحتفظ بها؛ فهي تهدف إلى القضاء على قصة الحكومة والسياسة، وتحرر المجتمع منهما؛ كما إنها لا تكتفي بتأميم وسائل الإنتاج، بل تلغي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الفردية، وهي التي يستثمرها المالك بنفسه وليس عن طريق الأُجراء، وتحرم الملكية الخاصة لبضائع الاستهلاك وأثمانها (2).
وطبقًا للتحليلات الماركسية، تعكس الأيديولوجيا المسيطرة في أي مجتمع مصالح الطبقة الحاكمة، فالأيديولوجيا هنا تمثل مصالح طبقات محددة ومسيطرة، ويرى ماركس أن الأيديولوجيات إن هي إلا أنساق فكرية مضللة، تقوم أساسًا على الخداع، فالأيديولوجيا تساوي الوعي الواقعي الذي يظهر فيه الناس متقلبين على رؤوسهم على حد وصفه، وبالتالي فإن الأشخاص الذين يؤلفون الطبقة السائدة يملكون فيما يملكون الوعي وبذلك تشكل أفكارهم أفكار العصر السائد(3)، فهي تدعم الطبقات المسيطرة، والبناء الاجتماعي القائم، ويلعب تأثيرها دورًا في خلق الوعي الزائف، وذلك اعتقادًا أن الإنسان في حاضره ومستقبله وبوضعه المادي دائمًا في حاجة إلى تدعيم وضعه السياسي، أو أن المصالح المادية للإنسان تتناسب مع مصالح الطبقة الحاكمة.
تعبر الأيديولوجيا هنا عن مظاهر واتجاهات الوجود الاجتماعي، ونجدها ترتبط ارتباطا كبيرًا بالسيكولوجيا الاجتماعية، فإذا كانت السيكولوجيا الاجتماعية تعكس الوجود الاجتماعي بشكل عفوي وتلقائي وغامض في بعض الأحيان، فإن الأيديولوجيا تعكسه بشكل واضح ومحدد وفق الرؤية الماركسية .
ويؤكد ماركس أن جملة علاقات الإنتاج تُكَوّن البنية الاقتصادية للمجتمع؛ أي القاعدة الملموسة التي تبنى عليها بنية فوقية قانونية وسياسية، والتي تناسبها أشكال معينة من الوعي الاجتماعي، وتصبح المادية التاريخية هي التي تحكم هذا العالم المادي؛ بوصفه في حالة حركة ويقوم على أساس جدلي، ويكشف عن أكثر القوانين التي تحكم كافة مجالات الواقع،
فكل الموضوعات الحية وكذلك ظواهر الحياة الاجتماعية والوعي تتطور على أساس قوانين الجدل الأساسية، كما تتحكم أيضا في القوانين التي تحكم المعرفة بوصفها عملية تعكس قوانين العالم الوضعي، وتؤكد المادية التاريخية وفق التنظير الماركسي أن القوانين العامة التي تحكم تطور المجتمع هي قوانين موضوعية مستقلة عن الوعي الإنساني تماما مثل قوانين الطبيعة، ولكنه يستفيد منها في نشاطه العملي(4).
ومن ناحية أخرى، يرى ماركس أن الطبقة تصبح طبقة فقط حينما يدفعها صراعها مع الطبقة المضادة إلى النشاط السياسي، عند هذه المرحلة يكون في استطاعتها تحديد مصالحها الحقيقة والدفاع عنها، ثم يؤكد أنه بمجرد التحديد الواضح للبناء الموضوعي للعلاقات خلال عملية الصراع الطبقي - حين يأخذ الموقف الطبقي في النمو وصولا إلى شكله المثالي- حيث تستقطب الطبقات، ويستفحل في المقابل بؤس البروليتاريا، تدرك الطبقة البائسة بشكل واع مصالحها الجوهرية وتتحرك من أجلها، وهنا يتكون الوعي الذي يمكن تفسيره عن طريق التناقضات في الحياة المادية(5).
وذهب ماركس إلى أن البشر يصنعون تاريخهم وفق طريقة الإنتاج، فالظروف الاقتصادية هي العامل الوحيد الذي يشكل شئون السياسة والأخلاق، وأوضح أن طبقة البروليتاريا تتمتع بجانب من القوة، وهو ضخامة عدد أفرادها وباتحادها وتنظيمها واعتمادها على الوعي تستطيع تحقيق أهدافها والقضاء على الطبقة الرأسمالية(61)، وبالتالي، فإن الوعي الطبقي عند ماركس يمكن تعريفه على إنه "الشعور المتزايد الذي ينتاب أعضاء طبقة البروليتاريا ويجعلها تحس بمركزها الاجتماعي المناقض للمركز الاجتماعي الذي تحتله الطبقة البرجوازية"، وهو ما يدفعها إلى التماسك بفعل وعيها لموقعها وطبيعتها، فالعامل الفرد يمثل وصفًا بنائيًا فقيرًا ضعيفًا لا يمكنه تحقيق مصالحه بمفرده، لأنه أقل من صاحب العمل الفرد، ومن هنا لا يستطيع تحقيق مصالحه إلا بالتحالف والتضامن مع زملائه.
وتعد الثورة الاجتماعية حجر الزاوية في الماركسية، والمقصود بالثورة هنا الانتقال من تشكيلة اجتماعية معينة إلى تشكيلة اجتماعية أرقى، والأساس النظري العام الفلسفي للنظرية الماركسية عن الثورة هو الفهم المادي للتاريخ، حيث حاول ماركس بالمادية التاريخية أن يصيغ وجهة فلسفية تستطيع تحقيق المصالحة بين وجهتي نظر فلسفيتين متعارضتين حول طبيعة الواقع، وهما: المثالية والمادية، فالمثالية في صورتها المتطرفة تشير إلى أن العالم يوجد في أذهان البشر، وأنه بالإمكان تغيير العالم من خلال تغيير الفكر، وتندفع المادية نحو الطرف الآخر وتشير إلى أن العالم الخارجي وعالم الأشياء المادية والطبيعية هو الذي يشكل تصورات وأفكار الناس.
وذهب كل من ماركس وإنجلز إلى تحديد اهتمامهما بمجموعة من القضايا استمر حولها الجدل كثيرًا، فقد أكدا على درجة معينة من الاستغلال الفعلي لتطور الأفكار القانونية والسياسية والدينية والأدبية والفنية، وبدأ كل من ماركس وإنجلز التركيز على العلوم الرياضية والطبيعية باستثناء ما له تأثير مباشر على البناء التحتي للاقتصاد، وعلاوة على ذلك، فقد أكدا على أن البناء الفوقي الثقافي في المجتمع لم يكن مجرد انعكاس للبناء التحتي فحسب، بل إنه يتحدد بالاعتماد عليه(6).
وقد وجدت الفلسفة الماركسية أن الأفكار والتصورات والوعي كلها تختلط بصورة مباشرة ووثيقة بالنشاط المادي، والتعامل المادي بين البشر، فالتصورات والأفكار والتبادل الفكري بين البشر، هي تعبير مباشر عن المحتوى المادي لهذا الفكر.
وينطبق الأمر نفسه على الإنتاج الفكري الذي تعبر عنه لغة السياسة والقانون والأخلاق والدين، وفي سياق دعوته الثورية انتقد ماركس طبقة البروليتاريا، لأن تنظيمها داخل طبقة معينة ينتج عنه تنافس البروليتاريا مع بعضها البعض وفقًا للعلاقة التنافسية التي تسود المجتمع الرأسمالي.
ثم مضي موضحًا العوامل التي تسهم في نضج الوعي الطبقي، وهي الكفاح في سبيل الحق، والحاجة إلى الاستمتاع المحروم منه العمال، ويظهر ذلك في الوقت الطويل، والجهد الكبير الذي يقضونه من أجل الحصول على لقمة العيش، في مقابل البذخ والترف الذي تنعم به طبقة البرجوازية. وركز ماركس في أعماله على العنصر السيكولوجي في تكوين البروليتاريا وأرجع له أهمية كبرى في ذلك.
(1) كاريو هنت : الشيوعية نظريا وعمليا ، دار الكاتب المصري ، القاهرة د.ت ، ص ص 17-23.
(2) نعيمة شومان : الإسلام بين كينز وماركس وحقوق الإنسان في الإسلام ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2000 ، ص 18.
(3) الطاهر لبيب ، سيكولوجية الثقافة ، معهد البحوث والدراسات العربية ، دار غريب للطباعة ، القاهرة 1978 ، ص 34
(4) سمير نعيم ، النظرية في علم الاجتماع ، مطبعة أم القرى ، القاهرة ، 1989 ،ص ص 146 ، 147 .
(5) Wendy Griswold , Culture & Soviettes In A Changing World , Pine forge Press, California , V.S.A , 1994 P 29 .
(6) نيقولا بتماشيف ، نظرية علم الاجتماع ، طبيعتها وتطورها ، ترجمة محمود عودة وآخرون ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، ص 57 .
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

