الجابري وإشكاليات العقل التكويني في مواجهة العلة الفقهية
26 اغسطس 2015 | 0 تعليق
محمد عابد الجابري
جاء مشروع محمد عابد الجابري في سياقات رفض سكونية المنهج الدوغمائي، ودوائره المغلقة، التي باتت أسيرة دعاوى التقديس، وهي قداسة يرى ضرورة تفكيك بناها المعرفية بعيدا عن الأطر المرجعية النمطية التي اختزلت في داخلها شتى الأنساق المعرفية، وجعلت العقل حبيسا خلف قضبان هذا التراث الماضوي .
يطرح الجابري العقلانية كرهان نقدي وفكري من شأنه أن يساعد على تأصيل حداثة فكرية، بدلا من حداثـة عصر النهضة العربية المستلبة، والتي زادت منتعميق وترسيخ هــوة الاغــتراب الذاتي للمفكر العربي، وضياعه ضمــن قـطبين متعاكسين هما: الانبهار بالــفكر الغربي، ورفض المـوروث بصـفـة مطلـقة، أو الارتماء في محرابالماضي وتقديس إرثه الثقافي، وقـد أدى هـذا التشتت فيالمواقف في رأيه إلى افتقار الساحة الفكرية لوجود منهج علمي دقيق يـساعد على رصد الــظواهر الفكرية بطريقة علمية دقـيقـة واعية، حيث بات مؤكدًا أنه : " بـدونالتعامل العقلاني مع تـراثنا لن نتمكن قط من تعميم الممارسة العقلانية على أوسعقطاعات العقل العربي المعاصر، القطاع الذي ينعت بالأصولي حينا و السلفي حينا آخر،كما أنه يبدو بدون هذه الممارسة العقلانية على معطيات تراثنا، لن يكون في إمكانناقط، تأصيل العـطاءات الفكرية التي يقدمها أو بالإمكان أن يقدمها قطاع آخر من فكرناالعربي المعاصر[1].
يرفض الجابري كل فكر ينكر الاجتهاد ويلغي الاختلاف، وكل الدعوات التي ترفع شعار الإجماع، وتشهر سلاح " الخروج عن الإجماع " ضد كل مخالف، فتنحو تجاه الاستبداد والهيمنة، ومن ثم يحل التلقين والتلقي محل البحث والتقصي، كل هذا في رأيه يحول أي فكر أو فلسفة أو دعوة دينية من النقاش والمجادلة إلى التمذهب الضيق والغلو والتطرف (2). وعليه، فلابد في رأيه من تغيير مكونات فهمنا للخطاب الديني، وتحريره من سلطةالأيديولوجيا السياسية، التي كانت توجهه وتفرض عليه دعمها ووصايتها، ومن هنا تحـددت فـاعليةالعــقل العـربي في إنتاج الوعي بما يخـدم السلطة، وبالتالي تأطير جميعالعلوم العربية بسياج سياسي، وهو ما أدى إلى تحويل مبدأ الفاعلية إلى مفعولية سالبة على حد وصفه، وهي مفعولية حجرت علىالعقـل العربي، وحجزته ضمن منظور أيديولوجي مغلق، لذلك فإن رهان العـقلانية الذي طرحهبديلا يساعد حتما على ترميم تلك الفجوة الإبستيمولوجية العميقة التي غيبت العقل العربي قرونا بسبب احتكار الأيديولوجيا التابعة للسلطة شتى جوانب المعرفة، يقول الجابري :" لقد كانت المواقف السياسية وهي جزئيةبطبيعتها يُبحث لها عن سند من الدين وكــان ذلك أولى الخطوات التنظيرية التي أسست ماسيطلق عليه فيما بعد اسم "علم الكلام"، إذن فعلم الكلام في حقيقته التاريخية لم يكنمجـــرد الكلام في العــقيدة، بــل كان ممارسة للسياسة في الدين، وعنــدما اتجـهتالمعارضة ثم من بعدها الدولة إلى الموروث كان هـدفها هو توظيفه في نفس الممارسةالسياسية في الدين" (3) . ومن ثم يرفض الجابري تمامًا مبدأ العلة الفقهية مستبدلا إياه بفكرة العقل التكويني.
ويدعو الجابري بشكل مباشر إلى ممارسة النقد اللاهوتي عند القدماء، أي أن نستعيد – بشكل أو بآخر – الحوار الذي دار في تاريخنا الثقافي ما بين المتكلمين بعضهم مع بعض، وما بينهم وبين الفلاسفة، ثم نقوم بتوظيف هذا الحوار في قضايانا العصرية(4).
والتراث عند الجابري يشكل في بعده المعرفي حلقة أيديولوجية ضخمة وقفت عائقًا أمام العقل العربي ومنعته من استيعابواقعـــه وماضيه بشكل صحيح، وكي نجتاز تلك الحـواجز الأيديولوجية التي صنعهاالمتقدمون" يجب علينا – في رأيه - ألا نقيد أنـــفسنا بقضايا التراث الماضية دون تعديلأو نقد،لأن الساحة النقدية والفكرية لطالما أعادت قضايا تراثية، واهتمت بجـردهاواستهلاكها كما هي، وبالتالي شــغل العقل العربي المعاصر نــفسه بإشكاليات التراثالقديم وهمومه الماضية دون أن يشارك في حل أزماته. "(5) وهو ما نراه فعليا في الساحة الثقافية العربية التي تعاني من هجمة يتصدرها المغتربين بعقولهم عن الواقع، حيث يستمدون هوياتهم مما خلفه أسلافهم، ويجذبون الواقع الثقافي معهم إلى مهاترات سخيفة حول قضايا دينية وفلسفية تطرح للاستهلاك لجذب الانتباه وتأكيدا لوجودهم، وهي قضايا من عينة " إرضاع الكبير"، و"جهاد المناكحة"، حيث لا طائل منها غير الاستنزاف الفكري في معارك لا قيمة لها .
ويرى الجابري أن الإرادة الحرة منبعًا ومصدرًا أساسيًّا للمنظومة الأخلاقية، فالأخلاق عنده ترجع إلى الإرادة ومجالهاالسلوك؛ فالسلوك الأخلاقي هو الذي يصدر عن "الإرادة الصالحة" التي ترجع إلى فكرة "الواجب" متفقًا في ذلك مع " كانت "، وعليه فالإرادة الصالحة هي العمل بمقتضى الواجب كأمر مطلق، أو بمعنى آخر هو "الأمر" الذييأمرك من داخلك أن "اعمل فقط حسب الحكم الذي تريده أن يصير قانوناً كلياً" للسلوكالبشري، تماماً كما هو القانون العلمي بالنسبة لظواهر الطبيعة، والمنحى الأخلاقي هنايتمتع باستقلال ذاتي عن كل من الدين والعلم، لتصبح الأخلاق النابعة من تفكير إرادي حر أساسًا للدين نفسه، فما دام الدين هوجملة أوامر ونواه، فإن هذه الأخيرة لا تصبح قانونًا ملزمًا للإنسان، دونما طمع فيالثواب أو خوف من العقاب، إلا إذا صدرت عن قوة داخلية فيالإنسان يقررها عقله، قوة "الأمر المطلق". ووجود هذا الأمر المطلق في الإنسان دليل على أنه حر الإرادة، وإذا كان العقل النظري لا يستطيع أنيبرهن على حرية الإرادة لدى الإنسان، فإن العقل العملي من وجهة نظره يتخذها مسلمة له، مثلها مثلوجود الله وخلود الروح.(6)
ويبدو رفض تقديس الموروث، والدعوة إلى تنقيته من خلال عملية تفكيكتؤمن باستحالة الوصول إلى حل لمشكلة الإحالة؛ أي قدرة اللفظ على إحالتنا على شيء ما خارجه، بالطرق التقليدية، يبدو ذلك، عاملا رئيسا في مشروع الجابري، لتحرير العقل الإنساني، من دوائر التراث الفقهي المغلقة بطروحاتها الكلاسيكية، وفق قراءة ترتقي بكل ماهو إنساني، وتضع ماهو ميثولوجي أوتاريخي في سياقه، حيث تفكيك بنية التراث من الداخل، وتجزئته إلى بناه الأولية الأساسية، من أجل معرفة الكيفية التي تشكّل بها، وتبيان تاريخيته .
[1]محمد عابد الجابري : بنية العقل العربي؛ دراسة تحليليية نقدية لنظم المعرفة في الثقافةالعربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1، 1986،ص 552
(2) محمد عابد الجابري : قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997، ص21
(3) محمد عابد الجابري : تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت،دارالطبيعة ط 1، 1984، ص 303- 305
(4) محمد عابد الجابري: التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991، ص. 260
(5) محمد عابد الجابري : تكوين العقل العربي ص 303
(6)محمد عابد الجابري: العلم وأساس الأخلاق، الجمهورية، اليمن،عدد 9أبريل 2010
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

