الجابري: حول أنواع القراءات
22 اغسطس 2015 | 0 تعليق

محمد بوشيخي - ذوات

إن قراءة النص التراثي تستدعي توفر الوعي المزدوج بسياقات ورود الخطاب من جهة وكذا بسياقات إعادة إنتاجه في إطار الضرورة المتجددة للنهوض الثقافي الشامل من جهة أخرى، لذلك يقترح المفكر المغربي محمد عابد الجابري تناول التراث بواسطة القراءة "التشخصية" لكونها "ترمي إلى "تشخيص" عيوب الخطاب وليس إلى إعادة بناء مضمونه"، وبالتالي تسعفنا "بوعي وتصميم في إنتاج مقروئنا"، مع الوعي أيضا بأن المقروء ليس هو "ما يقوله النص بل الكيفية التي بها يقول".

ننقل النص أسفله، الذي يتعرض فيه مفكك العقل العربي، من كتابه "الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية" لأنواع القراءات، وهو الكتاب الذي جعله تمهيدا لمشروعه الضخم "نقد العقل العربي" في رباعيته الشهيرة: "تكوين العقل العربي"، "بنية العقل العربي"، "العقل السياسي العربي" وأخيرا "العقل الأخلاقي العربي"، حيث يحاول داعية العقلانية الرشدية، عبر فقرات النص المقترح، مقاربة سؤال: كيف نقرأ الخطاب العربي الحديث والمعاصر؟ وذلك في خضم فحصه لإشكالات الثقافة العربية ووعيه بأن سلاح النقد، الذي حمله رواد النهضة عبر خطابهم –منذ ما يزيد عن قرن من الزمن- يجب أن يسبقه نقد آخر هو نقد السلاح ذاته –بحسب تعبيره-، أي نقد العقل بصفته جملة القواعد والمناهج المتحكمة في طريقة التفكير داخل ثقافة معينة.

 "عندما نتحدث عن الفكر العربي، أو أي فكر، ونحن نعني منتجات هذا الفكر، فإننا نقصد أساسا مجموعة من النصوص. والنص رسالة من الكاتب إلى القارئ فهو خطاب. فالاتصال بين الكاتب والقارئ إنما يتم عبر النص، تماماً مثلما أن الاتصال بين المتكلم والسامع إنما يتم عبر الكلام، أي عبر الإشارات الصوتية. وكما يسهم السامع، مساهمة ضرورية في تحقيق هذا الاتصال الكلامي يساهم القارئ بدوره، مساهمة ضرورية في تحقيق "الاتصال الكتابي" عبر النص. وبعبارة أخرى، فكما أن المعنى الذي تحمله الإشارة الصوتية هو، في آن واحد، من إنتاج المتكلم والسامع، فكذلك المعنى الذي يحمله النص، في آن واحد، من إنتاج الكاتب والقارئ. الكاتب يريد أن يقدم فكرة أو وجهة نظر معينة في موضوع معين، وهذا خطاب، والقارئ يتلقى هذه الفكرة أو الوجهة من النظر كما يستخلصها هو من النص وبالطريقة التي "يختارها" (بفعل العادة أو بوعي وإرادة) وهذا تأويل للخطاب أو قراءة له. هناك، إذن جانبان يكونان الخطاب: ما يقوله الكاتب وما يقرأه القارئ.

الخطاب باعتباره مقول الكاتب – أو تأويله بتعبير الفلاسفة العرب القدماء – بناء من الأفكار (إذا تعلق الأمر بوجهة نظر يعبر عنها تعبيرا استدلاليا، وإلا فهو أحاسيس ومشاعر، فن أو شعر) يحمل وجهة نظر، أو هو هذه الوجهة من النظر مصوغة في بناء استدلالي، أي بشكل مقدمات ونتائج. هنا كما هو الشأن في كل بناء (المنزل مثلا) لا بد من استعمال مواد (مفاهيم) ولا بد من إقامة علاقات معينة بين تلك المواد حتى يصبح بناء يشد بعضه بعضاً (الاستدلال، أو "المحاكمة العقلية)، وسواء تعلّق الأمر بالمواد أو بطريقة البناء، فلا بد من اختيار أشياء وإهمال أخرى، لا بد من إبراز جوانب والسكوت عن جوانب، ولا بد من تقديم وتأخير، ولا بد من تضخيم وبتر… إلخ.  فالخطاب من هذه الزاوية، إذا كان يعبّر عن فكرة صاحبه، فهو يعكس أيضا مدى قدرته على البناء. وبعبارة أخرى، إنه لما كان كل بناء يخضع، ولا بد، لقواعد معينة تجعله قادراً على أداء وظيفته، فإن الخطاب يعكس كذلك مدى قدرة صاحبه على احترام تلك القواعد؛ أي على مدى استثماره لها لتقديم وجهة نظره إلى القارئ بالصورة التي تجعلها تؤدي مهمتها لدى هذا الأخير، مهمة الإخبار والإقناع… إلخ.

والخطاب باعتباره مقروء القارئ -أو مقول القوْل بتعبير المناطقة القدماء- هو ذلك البناء نفسه وقد أصبح موضوعاً لعملية إعادة البناء أي نصاً للقراءة، وكيفما كانت درجة وعي القارئ، بما يفعل فإنه ولا بد أن يمارس في ذلك النص ما يمارسه صاحب الخطاب عند بناء خطابه، أعني إبراز أشياء والسكوت عن أشياء، تقديم أشياء وتأخير أشياء، فيساهم القارئ هكذا في إنتاج وجهة النظر، بل إحدى وجهات النظر، التي يحملها الخطاب صراحة أو ضمناً. والقارئ عندما يساهم في إنتاج وجهة نظر معينة من الخطاب يستعمل هو الآخر أدوات من عنده، هي في جملتها وجهة نظر أو جزء منها أو عناصر صالحة لتكوينها. ومن هنا يأتي اختلاف القراءات وتعدّد مستوياتها. ويهمنا هنا إبراز صفتين منها لنتمكن بالمقارنة معهما من تحديد أولي لنوع القراءة التي سنقوم بها نحن هنا للخطاب العربي الحديث والمعاصر.

- هناك أولا القراءة التي تقبل، أو تريد، الوقوف عند حدود التلقي المباشر، و"تجتهد" في أن يكون هذا التلقي بأكبر قدر من "الأمانـة"، أي بأقل تدخل ممكن. هذه القراءة تحاول أن تخضع نفسها للنص، تبرز ما يبرز وتخفي ما يخفي لتقدم لنا صورة "طبق الأصل" ـ إلى هذه الدرجة أو تلك ـ عن المقروء، أي تعبيراً "مطابقا" لوجهة النظر الصريحة المكشوفة التي يحملها. هذا ما تفعله في الغالب الكتب المدرسية وأيضا المؤلفات الجامعية "الأكاديمية" عندنا حيث تقدم للطالب ب"أمانة" خلاصة المقروء. والنص هنا قد يكون كتابا أو جزءا منه او مجموعة كتب لمؤلف واحد او لعدة مؤلفين ينتجون "نفس" الخطاب حول نفس الموضوع، مشتركين، أو كلا على انفراد. مثل هذه القراءة نسميها "استنساخية" أو "القراءة ذات البعد الواحد" لكونها تحاول جاهدة أن تتبنى نفس البعد الذي يتحدث منه صاحب النص. ومع ذلك، فهذه القراءة لا تخلو ولا يمكن أن تخلو من التأويل، بل إنما تخلو من الوعي بما تقوم به من تأويل. ذلك لأنها إذ تتكلم نيابة عن النص –وإلا كنا أمام النص وحده، أي أمام معطى غير ناطق- فهي، شاءت أم كرهت، تمارس قليلا أو كثيرا من الانتقاء والحذف والإبراز والتقديم والتأخير... إلخ.

- وهناك ثانيا القراءة التي تعي منذ اللحظة الأولى كونها تأويلا، فلا تتوقف عند حدود "التلقي المباشر" بل تريد أن تساهم بوعيٍ في إنتاج وجهة النظر التي يحملها، أو يتحملها الخطاب. هي لا تريد ولا تقبل الوقوف عند حدود "العرض" و"التلخيص" و"التحليل"... بل تريد إعادة بناء ذلك الخطاب بشكل يجعله أكثر تماسكا وأقوى تعبيرا عن إحدى وجهات النظر التي يحملها صراحة أو ضمنا. ومثل هذه القراءة هي "ذات بعدين" بالضرورة، البعد الذي يتحدث منه كاتب النص، والبعد الذي يتحدث منه القارئ، وتكون "ناجحة" عندما تستطيع توظيف البعدين معا في انتاج بناء واحد منسجم متماسك. ولا يهمنا الآن إن كانت هذه القراءة تنقل في بناء جديد ما ينطق به النص، وهذا مستوى من القراءة، أو أنها تستنطقه من أجل أن تكشف وراء البناء المباشر الذي يتقدم به، بناء آخر مباطنا له أو ملازما له نوعا من الملازمة، وهذا مستوى آخر من القراءة، على اخفاء التناقضات التي تقدم نفسها على سطح الخطاب المقروء، مجتهدة في تذويبها عن طريق "التأويل". وإذا صادف القارئ تناقضا يتعدى سطح الخطاب إلى هيكله العام، كالتناقض بين المقدمات أو بين النتائج أو بين هذه وتلك، فقد لا يتردد في "التماس مخرج" حتى يتأتى له تقديم قراءته في صورة أكثر تماسكا وأقوى تعبيرا عما يريد هو انتاجه من الخطاب.

- أما القراءة التي نقترحها نحن هنا، للخطاب العربي الحديث والمعاصر، فيمكن القول إنها قراءة "تشخيصية" بمعنى أنها ترمي إلى "تشخيص" عيوب الخطاب وليس إلى إعادة بناء مضمونه (ولا إلى إبراز الأعراض التي تشير إلى جوانب الجدة فيه بالمعنى الذي يعطيه ألتوسير لهذه الكلمة، والذي ينسحب أكثر على القراءة "الاستنطاقية" في مستواها الثاني، كما شرحنا أعلاه). وبعبارة أخرى، إن قراءتنا هذه تريد أن تعض وتبرز ما تهمله أو تسكت عنه أو تتستر عليه أو تحاول إذابته القراءتان السابقتان. إنها كشف وتشخيص للتناقضات التي يحملها الخطاب، سواء على سطحه أو داخل هيكله العام، سواء كانت تلك التناقضات مجرد تعارضات أو جملة نقائض.

ونحن عندما نفعل هذا لا ندعي أننا نقوم بعمل "بريء"، أي بقراءة لا تسهم في إنتاج المقروء، فمثل هذه القراءة لا وجود لها، وإذا وجدت فهي النص ذاته، بدون قراءة، بل إننا على العكس من ذلك نحاول أن نسهم بوعي وتصميم في إنتاج مقروئنا. ومقروؤنا هنا ليس ما يقوله النص، بل الكيفية التي بها يقول. هدفنا إذن ليس إنتاج أطروحات معينة من الخطاب الذي نتعامل معه ولا تفنيد أطروحاته، بل هدفنا هو حمله على "تفكيك" نفسه، على الكشف عن تهافته وتقديم تناقضاته ونقائضه عارية، بكل ضعفها وسذاجتها. وبعبارة أوضح وأدق: إن ما يهمنا من هذا الخطاب، الحديث والمعاصر، ليس مضمونه الأيديولوجي، ولا محتواه "المعرفي"، بل كل ما يهمنا منه هو كونه يحمل علامات العقل الذي ينتجه، وإذن فما يهمنا هو تشخيص هذه "العلامات".. علامات "اللاعقل" في الخطاب العربي الحديث والمعاصر.

وبطبيعة الحال، لم يكن من الممكن القيام بمثل هذا "التشخيص" بدون "مادة" يجرى عليها، بل لقد كان لا بد من اتخاد محتوى الخطاب –منطوقه ومضمونه- مطية للتعرف على "كيف" الخطاب.. وفي هذا الصدد عمدنا إلى المزاوجة بين المعالجة والبنيوية والتحليل التاريخي، ولكننا لم نعمد هذه المرة إلى "الطرح الأيديولوجي" – كخطوة ثالثة كما فعلنا في دراسات سابقة لأن همنا لم يكن إبراز تاريخيته، بل بالعكس: الكشف عن لاتاريخيته، عن انقطاع العلاقة بين منطوقه ومضمونه. ولذلك انصرفنا باهتمامنا كله إلى بنيته المنطقية وأسسه الإبستيمولوجية. وهكذا فمن جهة، نظرنا إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر من خلال القضايا التي يعالجها وليس من خلال التيارات الأيديولوجية التي تتقاسمه. نظرنا إلى هذه القضايا في ترابطها وتشابكها، أي بوصفها مجموعة مشاكل فكرية تكون إشكالية، أو بنية فكرية واحدة. ولكننا من جهة أخرى لم نتعامل مع هذه القضايا تعاملا "صوريا"، بل عرضناها في "تطورها" التاريخي، ولكن لا في سياق تركيبي بل بأسلوب تفكيكي، هدفنا من ورائه، كما قلنا قبل، إبراز ضعف الخطاب وحمله على الكشف بنفسه عن تناقضه وتهافته.

وأمام هذه التحديدات قد يتساءل القارئ، قارئ هذه السطور: أين تقع هذه "القراءة" التي نقترحها هنا، بين القراءات المعلن عنها في الفكر الأوروبي المعاصر، أو بعبارة أخرى: أي منهج، أو مناهج، نتبنى أو نستلهم؟

سؤال يطيب لكثير من الكتاب العرب المعاصرين طرحه والإجابة عنه، وغالبا ما يكون ذلك مدعاة للتنويه الذاتي، وفي هذه الحالة تتسم الإجابة بشيء من "استعراض العضلات"، فيصبح الحديث عن المنهج "المتبع" –بل الذي "ينوي" الكاتب اتباعه- حديثا من اجل منهج معين، حديث إطراء و"تقريظ" وكأن الكاتب يريد أن يستمد العون أو القوة أو... لست أدري، من إعلان انتمائه إلى هذا المنهج أو ذاك، وليس عن انتماء منهجه إليه هو.

أما نحن، فإننا نريد أن نعترف هنا بأننا لم نوفق إلى تبني منهج معين، من المناهج "الجاهزة". ولذلك فلا حق لنا في رفع لافتة معينة ولا في التلويح بعدة لافتات. كل ما نستطيع قوله هو إننا نبحث عن الطريق وسط الغابة لا خارجها. وفي حال كحالنا، فإن جميع "النصائح" مفيدة، على الأقل نظريا. أما عند التطبيق العملي، فالمفيد هو الإجرائي فعلا.

محمد عابد الجابري، من كتاب "الخطاب العرب المعاصر: دراسة تحليلية نقدية"، الطبعة الأولى 1982، ص 10-14

             

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق