عندما يُعلي ابن عربي من مكانة المرأة
12 مايو (أيار) 2014 17:08 | 0 تعليق |
تبرز العديد من الدراسات العربية التي تناولت حياة وأعمال المفكر والمتصوف العربي محيي الدين بن عربي (المتوفى 638هـ - 124م)، أن هذا الأخير يأتي على رأس المفكرين الذين أعلوا من شأن المرأة، وأعطوها مكانة متميزة، وجعلوها مساوية للرجل، بل وفضلوها عنه في بعض المواطن. فابن عربي يتميز بجرأة فكرية لا حد لها، ويختلف عن أغلب المفكرين والعلماء، لأنه أعطى للمرأة مكانة متميزة، وحاول بكل الطرق والوسائل أن يثبتها لها.
ففي المرحلة الأولى لا يذكر ابن عربي أمه (تدعى نور) كثيرا، لأنها كانت تسانده، وتؤيد ولوجه عالم التصوف، عكس والده، حيث كانت تزوره عند شيخته المسنة "فاطمة بنت المثنى"، والشيء نفسه يمكن قوله عن علاقته بأختيه، اللتين تكلف بهما وبوالدته بعد وفاة والده، فسافرن معه إلى الأندلس، وإلى مدينة فاس بالمغرب، ولم يقبل أن يزوجهما إلى الأكفاء من الموحدين، كما أمره أمير المؤمنين، لأنه لم يكن راضيا على أسلوب الحكام في عصره، حتى في تعاملهم مع النساء. فابن عربي كان حريصا على مستقبل أختيه، ومن أجل ذلك سافر بهما مع أمه من الأندلس إلى المغرب لكي يختار لهما أكفاء مناسبين لهما، وعندما تم ذلك نجده يقول: "فلما جئنا مدينة فاس، زوجت الأختين، وقرت عيني".ويوضح المفكر المصري حامد طاهر حسين فؤاد، في مقالة له بموقعه الإلكتروني، أن مكانة المرأة عند ابن عربي يمكن تلمسها من خلال مرحلتين: الأولى تتصل بعلاقاته الاجتماعية المباشرة بالمرأة: أمًا، وأختًا، وحبيبةُ، وزوجةً، وبنتًا، ثم شيخهً له، وتلميذة أو مريدة. وهي المرحلة التي تمهد لما يتلوها، وتؤصل لها. والمرحلة الثانية تتعلق بما ذهب إليه ابن عربي في محاولة ذكية للغاية لتأويل النصوص الدينية الواردة في المرأة، باعتبارها أقل قيمة أو مكانة من الرجل، ثم في استنتاجاته الخاصة، وأفكاره الفلسفية التي تعلي من قيمة المرأة، وتنبه الرجل إلى مدى أهميتها في حياته.
أما بخصوص الحبيبة، فقد كتب عنها ابن عربي الكثير من الأشعار، وهي "نظام" ابنة الشيخ مكين بمكة، الشابة فائقة الجمال، وصاحبة العلم والخصال الطيبة، التي خصها ابن عربي بديوان غزلي كامل يحمل عنوان "ترجمان الأشواق"، فاق في براعة بعض أبياته أشهر شعراء الغزل، حيث يقول في مقدمته: "فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكنّى، وكل دار أندبها فدارها أعنى".
غير أن ابن عربي لا يقتصر على التلميح فقط إلى حبيبته، بل يصرح باسمها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة حوالي أربع مرات، و يحدد بلدها الأصلي، ونسبها، ووالدها في قوله:
طال شوقي لطفلة ذات نثر ونظام ومنبر وبيان
طال شوقي لطفلة ذات نثر ونظام ومنبر وبيان
من بنات الملوك من دار فرس من أجل البلاد من أصفهان
هي بنت العراق بنت إمامي وأنا ضدها سليل يماني
هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم
ويقول عن ابتسامتها:
تشرق إذا ما ابتسمت
رب ما أنور ذاك الحببا
يطلع الليل إذا ما أسدلت
فاحما جثلا أثيثا غيهبا
وبسبب هذا الديوان، أثيرت الكثير من الأقاويل حول مكانة ابن عربي الصوفية، ما جعله يقوم بشرح صوفي "متكلف" لديوانه الغزلي، الذي يعد من درر الشعر العربي الجميل.
وبخصوص الزوجة، واسمها "مريم بنت محمد بن عبدون البجائي"، فقد كان ابن عربي يخصها بمكانة متميزة، لأنها هي التي ساعدته على توفير الجو المناسب لتأليف ذلك الإنتاج الضخم، الذي انفرد به من بين أعلام التصوف الإسلامي جميعا. وقد أنجبت له ولدين، وبنتا اسمها "زينب" توفيت وهي صغيرة، يشهد لها بالعديد من الكرامات، كما أن زوجته توفيت في حياته.
وإلى جانب هؤلاء النسوة، يتحدث ابن عربي عن الشيخات اللواتي أفاد منهن علما، وخلقا، وطريقة، في مسيرته الصوفية، وكن له خير معين، وهن: فاطمة بنت المثنى، وشمس أم الفقراء، وجارية قسيم الدولة، وزينب القلعية، كما يذكر تلميذاته أو مريداته اللواتي ألبسهن "خرقة التصوف"، وهو أحد الطقوس التي اصطلح عليها الصوفية.
ويخلص المفكر حامد طاهر إلى أن علاقة ابن عربي بالمرأة في مختلف مواقعها من حياته، تتميز بنظرته الحضارية التي تعلي من مكانة المرأة، ولا تجعلها تقل بحال من الأحوال عن مكانة الرجل، وبالرعاية الحانية من ابن عربي على المرأة، سواء في دائرة الأسرة، أو في دائرة تلمذته لشيخاته المتعبدات، وهو ما كان له تأثير في تكوين آرائه وأفكاره الفلسفية، والتي سوف يصرح بها حول مكانة المرأة.
أما بخصوص آراء ابن عربي حول مكانة المرأة، فذكر المفكر حامد طاهر أنها متناثرة في موسوعته الضخمة "الفتوحات المكية"، وأنه وجد صعوبة في جمعها، حيث تمكن من حصر 13 نقطة تحمل كل منها فكرة أو رأيا لابن عربي حول مكانة المرأة. النقاط الخمس الأولى منها تدور حول "تأويل" بعض النصوص الدينية التي وردت في مجال تفضيل الرجال على النساء، وقيام ابن عربي بفهمها على نحو خاص، بحيث تجعل هذا التفضيل مرتبطًا بأمر عارض، وليس ذاتيا، وذلك من مثل ما جاء في القرآن عن المطلقات، والشهادة، ونقصان العقل والدين، وولاية الأمر للمرأة.
أما النقاط الثمانية المتبقية فمعظمها نصوص دينية واضحة الدلالة في إعلاء مكانة المرأة، ومساواتها، إن لم يكن رفعها أحيانا، على مقام الرجل، حيث يقول ابن عربي "جعل الله النساء زهرة حيث كن، فإذا كنّ في الدنيا كنّ زهرة الحياة الدنيا، فوقع النعيم بهن حيث كن. وأحكام الأماكن تختلف. فهن وإن خلقن للنعيم في الدنيا فهن فتنة يستخرج الحق بهن ما خفي عنا فينا مما هو عالم ولا نعلمه من نفوسنا فيقيم به الحجة علينا".
وبشكل عام فإن نظرة ابن عربي للمرأة إيجابية غير ملتبسة بأي سلبية، كما أنها بخلاف كتابات المؤلفين في عصور الظلام اللاحقة، لم تحبس المرأة في الدور والوظيفة، بل أفسحت المجال لكينونتها الذاتية، فالمرأة الإنسان مساوية للمرأة الأنثى، ومتساوية في العقل والدين والحظ مع شطر الكون الآخر، الرجل.
أضف تعليقاً
* اختياري
