أبو حيان التوحيدي متحدثا عن أخلاق الأمم ووهم التفاضل
01 يوليو 2015 | 0 تعليق

محمد بوشيخي - ذوات

إن تهييئ شروط العيش المشترك وضرورة السلم والاعتراف المتبادل بين بني البشر والاندماج في مسيرة "التثاقف" بروح الوفاق والتوافق في بناء مستقبل آمن وسليم، مهمة شغلت بال النخبة المثقفة على مستوى العالم، وسعت عبر أدوات الإقناع إلى حمل القيادات السياسية على التعامل الأخلاقي مع قضايا "الآخر" على أساس كينونته البشرية وانتمائه للأرض كوطن للجميع، يفترشون بساطها ويتقاسمون خيراتها.

كما انقشعت، في الآن ذاته، ومضات "تنويرية" لطي صفحة مؤسفة في تاريخ البشرية لطختها الدماء في حروب "لا أخلاقية" بسبب اختلاف العرق والجنس واللون والمعتقد...، حروب مزقت المجتمع الإنساني ورهنت استمراره في الحياة بوهم العيش في نموذج "موحد" يتعالى على النواميس الإلهية في الكون وسنن الاختلاف في الخلق، باسم "التفاضل" بين الأمم و"الخيرية" بين بني البشر.

ولا يخلو تراثنا الإسلامي من نماذج لدعوات "الاعتراف" بالغير وتخطي "وهم" التفاضل، ولعل النص الذي نقدمه اليوم ضمن محور "ذاكرة التنوير" -أورده أبو حيان التوحيدي ضمن مسامراته في "الإمتاع والمؤانسة" في مجلس الوزير الفارسي أبي عبد الله العارض ابن سعدان- يعكس جانبا من اهتمامات المثقف "التراثي" في اجتماعاته "الرسمية".

لقد حرص التوحيدي على تذكير الوزير بأن "لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلها وعقدها كمال وتقصير؛ وهذا يقضي بأن الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مفاضة على جميع الخلق، مفضوضةٌ بين كلهم". يحكي الحياني في الليلة السادسة من مسامراته:

 

ثم حضرته ليلةً أخرى، فأول ما فاتح به المجلس أن قال: أتفضل العرب على العجم أم العجم على العرب؟

قلت: الأمم عند العلماء أربع: الروم، والعرب، وفارس، والهند؛ وثلاث من هؤلاء عجم، وصعبٌ أن يقال: العرب وحدها أفضل من هؤلاء الثلاثة، مع جوامع مآلها، وتفاريق ما عندها. قال: إنما أريد بهذا الفرس. فقلت: قبل أن أحكم بشيء من تلقاء نفسي، أروي كلاماً لابن المقفع، وهو أصيلٌ في الفرس عريق في العجم، مفضل بين أهل الفضل؛ وهو صاحب اليتيمة القائل: تركت أصحاب الرسائل بعد هذا الكتاب في ضحضاح من الكلام. قال: هات على بركة الله وعونه. قلت: قال شبيب بن شبة: (...) أقبل علينا ابن المقفع، فقال: أي الأمم أعقل؟ فظننا أنه يريد الفرس، فقلنا: فارس أعقل الأمم، نقصد مقاربته، ونتوخى مصانعته. فقال: كلا، ليس ذلك لها ولا فيها، هم قوم علموا فتعلموا، ومثل لهم فامتثلوا واقتدوا وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتباعه، ليس لهم استنباط ولا استخراج. فقلنا له: الروم. فقال: ليس ذلك عندها، بل لهم أبدانٌ وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة، لا يعرفون سواهما، ولا يحسنون غيرهما.

قلنا: فالصين. قال: أصحاب أثاثٍ وصنعة، لا فكر لها ولا روية. قلنا: فالترك. قال: سباع للهراش. قلنا: فالهند. قال: أصحاب وهم ومخرقة وشعبذة وحيلة. قلنا: فالزنج: قال: بهائم هاملة. فرددنا الأمر إليه. قال: العرب. فتلاحظنا وهمس بعضنا إلى بعض، فغاظه ذلك منا، وامتقع لونه، ثم قال: كأنكم تظنون في مقاربتكم، فوالله لوددت أن الأمر ليس لكم ولا فيكم ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب، ولكن لا أدعكم حتى أبين لكم لم قلت ذلك، لأخرج من ظنة المداراة، وتوهم المصانعة؛ إن العرب ليس لها أولٌ تؤمه ولا كتابٌ يدلها، أهل بلد قفر، ووحشةٍ من الإنس، احتاج كل واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله؛ وعلموا أن معاشهم من نبات الأرض فوسموا كل شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في الشاة والبعير؛ ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعياً وصيفياً، وقيظياً وشتوياً؛ ثم علموا أن شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء؛ وعرفوا تغير الزمان فجعلوا له منازله من السنة؛ واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلةً على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد؛ وجعلوا بينهم شيئاً ينتهون به عن المنكر، ويرغبهم في الجميل، ويتجنون به على الدناءة ويحضهم على المكارم؛ حتى إن الرجل منهم وهو في فجٍ من الأرض يصف المكارم فما يبقى من نعتها شيئاً، ويسرف في ذم المساوئ فلا يقصر؛ ليس لهم كلام إلا وهم يحاضون به على اصطناع المعروف ثم حفظ الجار وبذل المال وابتناء المحامد، كل واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلمون ولا يتأدبون، بل نحائز مؤدبة، وعقولٌ عارفة؛ فلذلك قلت لكم: إنهم أعقل الأمم، لصحة الفطرة واعتدال البنية وصواب الفكر وذكاء الفهم. هذا آخر الحديث.

قال: ما أحسن ما قال ابن المقفع! وما أحسن ما قصصته وما أتيت به! هات الآن ما عندك من مسموع ومستنبط.

فقلت: إن كان ما قال هذا الرجل البارع في أدبه المقدم بعقله كافياً فالزيادة عليه فضلٌ مستغنىً عنه، وإعقابه بما هو له لا فائدة فيه. حد الوصف في التزيين والتقبيح مختلف الدلائل على ما يعتقد صوابه وخطؤه، متباين؛ وهذه مسألة - أعني تفضيل أمة على أمة - من أمهات ما تدارأ الناس عليه وتدافعوا فيه؛ ولم يرجعوا منذ تناقلوا الكلام في هذا الباب إلى صلح متين واتفاق ظاهر. فقتل: بالواجب ما وقع هذا، فإن الفارسي ليس في فطرته ولا عادته ولا منشئه أن يعترف بفضل العربي، ولا في جبلة العربي وديدنه أن يقر فضل الفارسي. وكذلك الهندي والرومي والتركي والديلمي؛ وبعد، فاعتبار الفضل والشرف موقوف على شيئين: أحدهما ما خص به قوم دون قوم في أيام النشأة بالاختيار للجيد والرديء، والرأي الصائب والفائل، والنظر في الأول والآخر. وإذا وقف الأمر على هذا فلكل أمة فضائل ورذائل ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلها وعقدها كمال وتقصير؛ وهذا يقضي بأن الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مفاضة على جميع الخلق، مفضوضةٌ بين كلهم.

فللفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم؛ وللروم الحكمة؛ وللهند الفكر والرؤية والخفة والسحر والأناة؛ وللترك الشجاعة والإقدام؛ وللزنج الصبر والكد والفرح؛ وللعرب النجدة والقرى والوفاء والبلاء والجود والذمام والخطابة والبيان.

ثم إن هذه الفضائل المذكورة، في هذه الأمم المشهورة، ليست لكل واحد من أفرادها، بل هي الشائعة بينها؛ ثم في جملتها من هو عارٍ من جميعها، وموسوم بأضدادها، يعني أنه لا تخلو الفرس من جاهل بالسياسة، خالٍ من الأدب، داخلٍ في الرعاع والهمج؛ وكذلك العرب لا تخلو من جبانٍ جاهلٍ طياش بخيلٍ عيي وكذلك الهند والروم وغيرهم؛ فعلى هذا إذا قوبل أهل الفضل والكمال من الروم بأهل الفضل والكمال من الفرس، تلاقوا على صراط مستقيم، ولم يكن بينهم تفاوتٌ إلا في مقادير الفضل وحدود الكمال، وتلك لا تخص بل تلم.

وكذلك إذا قوبل أهل النقص والرذيلة من أمة بأهل النقص والخساسة من أمة أخرى، تلاقوا على نهج واحد، ولم يقع بينهم تفاوت إلا في الأقدار والحدود؛ وتلك لا يلتفت إليها، ولا يعار عليها؛ فقد بان بهذا الكشف أن الأمم كلها تقاسمت الفضائل والنقائص باضطرار الفطرة، واختيار الفكرة. ولم يكن بعد ذلك إلا ما يتنازعه الناس بينهم بالنسبة الترابية، والعادة المنشئية والهوى الغالب من النفس الغضبية، والنزاع الهائج من القوة الشهوية. وها هنا شيء آخر، وهو أصل كبير لا يجوز أن يخلو كلامنا من الدلالة عليه والإيماء إليه، وهو أن كل أمة لها زمان على ضدها، وهذا بين مكشوف إذا أرسلت وهمك في دولة يونان والإسكندر، لما غلب وساس وملك ورأس وفتق ورتق ورسم ودبر وأمر، وحث وزجر، ومحا وسطر، وفعل وأخبر؛ وكذلك إذا عطفت إلى حديث كسرى أنوشروان وجدت هذه الأحوال بأعيانها، وإن كانت في غلف غير غلف الأول، ومعارض غير معارض المتقدم؛ ولهذا قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له: أي الناس وجدتهم أشجع؟ فقال: كل قوم في إقبال دولتهم شجعان. وقد صدق؛ وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها وأفضل وأنجد وأشجع وأمجد وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأرأى وأصدق؛ وهذا الاعتبار ينساق من شيء عامٍ لجميع الأمم، إلى شيء شاملٍ لأمة أمة إلى شيء حاوٍ لطائفةٍ طائفة، إلى شيء غالبٍ على قبيلةٍ قبيلة، إلى شيء معتادٍ في بيتٍ بيت، إلى شيء خاص بشخصٍ شخص وإنسانٍ إنسان؛ وهذا التحول من أمة إلى أمة، يشير إلى فيض جود الله تعالى على جميع بريته وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من فضله ومن رقي إلى هذه الربوة بعين لا قذى بها، أبصر الحق عياناً بلا مرية، وأخبر عنه بلا فرية؛ ومتى صدق نظرك في ما بدئ الأحوال وأوائل الأمور وضح لك هذا كله كالنهار إذا متع، واستنار كالقمر إذا طلع؛ ولم يبق حينئذ ريب في عرفان الحق وحصول الصواب، إلا ما يلتاث بالهوى، ويسمج بالتعصب، ويجلب اللجاج، ويخرج إلى المحك؛ فهناك يطيح المعنى ويضل المراد، فإذا آثرت أن تعرف صحة هذا الحكم وصواب هذا الرأي، فاسمع ما أرويه: قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: انصرف العباس بن مرداس السلمي من مكة فقال: يا بني سليم، إني رأيت أمراً، وسيكون خيراً، رأيت بني عبد المطلب كأن قدودهم الرماح الردينية، وكأن وجوههم بدور الدجنة وكأن عمائمهم فوق الرجال ألوية، وكأن منطقهم مطر الوبل على المحل؛ وإن الله إذا أراد ثمراً غرس له غرساً، وإن أولئك غرس الله؛ فترقبوا ثمرته وتوكفوا غيثه، وتفيئوا ظلاله، واستبشروا بنعمة الله عليكم به. ولقد قرع العباس بهذا الكلام باب الغيب، وشعر بالمستور، وأحس بالخافي، واطلع عقله على المستتر، واهتدى بلطف هاجسه إلى الأمر المزمع، والحادث المتوقع؛ وهذا شيء فاشٍ في العرب، لطول وحدتها، وصفاء فكرتها، وجودة بنيتها واعتدال هيئتها، وصحة فطرتها، وخلاء ذرعها، واتقاد طبعها، وسعة لغتها وتصاريف كلامها في أسمائها وأفعالها وحروفها، وجولانها في اشتقاقاتها، ومآخذها البديعة في استعاراتها، وغرائب تصرفها في اختصاراتها، ولطف كناياتها في مقابلة تصريحاتها، وفنون تبحبحها في أكناف مقاصدها، وعجيب مقاربتها في حركات لفظها؛ وهذا وأضعافه مسلم لهم، وموفر عليهم، ومعروفٌ فيهم ومنسوبٌ إليهم، مع الشجاعة والنجدة والذمام والضيافة والفطنة والخطابة والحمية والأنفة والحفاظ والوفاء، والبذل والسخاء، والتهالك في حب الثناء والنكل الشديد عن الذم والهجاء؛ إلى غير ذلك مما خصت به في جاهليتها قبل الإسلام، مما لا سبيل إلى دفعه وجحوده، والبهت فيه، والمكابرة عليه؛ وقد سمعنا لغاتٍ كثيرةً - وإن لم نستوعبها - من جميع الأمم، كلغة أصحابنا العجم والروم والهند والترك وخوارزم وصقلاب وأندلس والزنج، فما وجدنا لشيء من هذه اللغات نصوع العربية، أعني الفرج التي في كلماتها، والفضاء الذي نجده بين حروفها، والمسافة التي بين مخارجها، والمعادلة التي نذوقها في أمثلتها، والمساواة التي لا تجحد في أبنيتها؛ وإذا شئت أن تعرف حقيقة هذا القول، وصحة هذا الحكم، فالحظ عرض اللغات الذي هو بين أشدها تلابساً وتداخلاً، وترادفاً وتعاظلاً وتعسراً وتعوصاً، وإلى ما بعدها مما هو أسلس حروفاً، وأرق لفظاً، وأخف اسماً؛ وألطف أوزاناً، وأحضر عياناً؛ وأحلى مخرجاً وأجلى منهجاً وأعلى مدرجاً؛ وأعدل عدلاً، وأوضح فضلاً، وأصح وصلاً إلى أن تنزل إلى لغة بعد لغة، ثم تنتهي إلى العربية، فإنك تحكم بأن المبدأ الذي أشرنا إليه في العوائص والأغماض، سرى قليلاً قليلاً حتى وقف على العربية في الإفصاح والإيماض.

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق