"السيد" هاني فحص يدخل في ليل الصمت
12 سبتمبر (أيلول) 2014 13:38 | 1 تعليق
"السيد" هاني فحص متحدثاً إلى المفكر حسن حنفي بحضور الباحث يونس قنديل في مؤتمر "مؤمنون بلا حدود" بمراكش – (ذوات)
دخل "السيد" في ليل الصمت. دار بعينيه يحاول أن يكمل ما بدأه. هو بالكاد باشر قول ما لا يقال، وسط ذهول أولئك الذين لا يجرؤون على سماعه. لماذا يمتنع الناس عن فتح عقولهم والصدور؟ لماذا يئدون أفكارهم البكر المؤهلة لأن تصنع تاريخاً جديداً؟
هكذا كتب رئيس تحرير صحيفة "السفير" اللبنانية طلال سلمان عن السيد العلامة الشيعي هاني فحص الذي تعرض قبل أيام لوعكة صحية أدخلته المستشفى في حالة "كوما".
تعب القلق من "السيد"، يقول سلمان في مقالته "اشتاقتك المنابر يا سيد!"، فكلما توقع أن يرتاح سيده فيريحه عاد يتفجر بالأسئلة. "هو يعرف الأجوبة جميعاً، ولذلك لا ينتظر جواباً من أحد، ولكنه يريد أن يواجه الجميع أسئلتهم عن حياتهم، عن الدين والعقيدة، عن المبدأ والموقف، عن الموت وما بعده، عن السياسة والأحزاب، عن القادة الذين نرفعهم على أكتافنا فندنو من الأرض بينما هم يبتعدون عن السماء".
ويعد هاني فحص من ألمع المثقفين والمفكرين العرب. وقد شارك في المؤتمر الثاني الذي نظمته، في مدينة مراكش المغربية، مؤسسة مؤمنون بلا حدود. ودعا فحص، في ورقته التي جاءت بعنوان "الآخر في الخطاب الفقهي" إلى ضرورة مراجعة اعتبار الآخر في الخطاب الفقهي السائد الآن، في جميع الأوساط الدينية السنية منها والشيعية، وذلك لضرورة تقتضي بأن "مستوى الوعي الفقهي لا يعتبر محدداً لدرجة إيمان الفرد".
وشدد على أن تحريك الساكن في الفقه الإسلامي يعدّ نوعاً من المصارحة من أجل التوجه نحو تحرير أشكال الدولة المتواجدة الآن، والتي لا تخدم بالأساس نقاط التلاقي بين الشعوب والاختلافات، بقدر ما تجمع بين الأطياف الضيقة فقط، مشيراً في الوقت ذاته إلى ضرورة "التوجه نحو الدولة المدنية التي تعتبر تحدياً لدى الشعوب الإسلامية، لأن ما يميزها هو كونها لا تعتمد على تأصيل الشريعة، ليس إقصاءً لها، ولكن لأن كشف العمق فيها، هو علم حقيقي يحتاج لانخراط الجميع فيه"، ضارباً المثال على خصوصية الفقه الشيعي نموذجاً، وحالة الانغلاق التي توجد فيه من خلال مقاصده البعيدة عن الواقع.
وكتب عن "السيد" في "السفير نفسها الشاعر عباس بيضون الذي قال: "أراد السيد أن يكون باسمه المجرد فحسب أراد أن يكون ابن زمنه وابن مكانه وابن ظرفه وابن ثقافته. هذه أمور ليس لها أزياء مقامات ولا مقادير ولا عيارات، لذا يبالي السيد ولا يبالي، يبالي بما يعتقده حقيقياً ولا يبالي بما يراه رسماً وشعاراً فحسب، يبالي بأمور ولا يبالي بأمور يظنها الناس لصيقة بمنصبه ومقامه، بعض هذه أهون عليه من قلامة ظفر. لقد اجتهد لكي لا يغتر بالمظاهر، اجتهد لكي لا تغويه الرسوم والمواضعات فكان السيد بعمامته ومقامه مثقفاً مستقلاً نقدياً ومن الهامش أحيانا كثيرة، مثقفاً بحيرة المثقف وتنازعه الداخلي وقلقه وهزئه من العالم والتحامه به في آن معاً.
السيد هاني اليوم في محنة، أطباؤه أدرى بها مني، وهذه التحية تطمع مع غيرها في أن تكون برداً وسلاماً على قلبه وأن ينعش الحب رجلاً كالسيد يعرف جيداً ما هو الحب".
كما كتب الباحث صقر أبو فخر أيضاً "بالأمس زرتُك وأنتَ في فراشك. وكنتُ، كعادتي، أود تقبيل وجنتيك. ولما حال دوني ودونك أمرٌ، انثنيتُ إلى صوغ هذه الرسالة، آملاً أنك ستقرأها غداً". وتابع "سلامي إليك وأنت تصارع عدواً جاثماً في صدرك. أتذكر أنك كنتَ سلاماً نقياً وأنتَ تصارع عدواً جثم على أرضك، وعدواً استقر في فلسطين وهي أرضك أيضاً. وسلام لأخوتي، أبنائك، حسن ومصطفى وزيد. صحيح أنك كنتَ وحيدَ والِدَيك، غير أنك في قلوب عارفيك، كنتَ وحدك، واحتللت مكاناً متفرداً أينما حللت، وكانت لك دائماً مكانة فريدة".
وتحت عنوان "اسم علم.. من مثله؟" كتب نصري الصايغ: "لا يشبهه أحد، مختلف بلا حدود، متعدِّد بلا عد، وهو واحد في كل حالاته... خارج من الجماعة وعلى الجماعة، بانتماء إلى الإنسان، إن في صراط الدين أو في معراج الروح. حرٌّ، ويوسع حدودها فوق المستطاع وله من الحرية مساحات شاسعة ومتمادية، ما سبق أن خطرت لعمامة. أهذا رجل دين بعمامة أم هو رجل دنيا وفوق رأسه غمامة؟ انه الاثنان، وما انفصما ولا تنازعا".
ورغم أن هاني فحص مرجع في اليقين. لكن ذلك لا يريحه، وفق طلال سلمان. لأن "اليقين استسلام. اليقين تعطيل للعقل. إنه يدخل اليقين ثم يخرج منه ليمتحن عقله. والآخرون ينظرون إليه فيعجبون من هذا الذي يلجأون إليه بالأسئلة فيكرز عليهم الأجوبة، وحين يغادرون يسأل نفسه: أتراني أعطيتهم الأجوبة الصحيحة؟ ومن قال إن أجوبتي صحيحة وأنا ما زلت أدور في قلب السؤال، لا أنا أخرج منه ولا الجواب يلغيه".
فلسطيني بالعقيدة والموقف وليس فقط بالجغرافيا
وتناول سلمان موقف "السيد" من الثورة الفلسطينية، فحين خرجت من لبنان رأى هاني فحص أن واجبه أن يظل معها حيث تكون. وقد ظل على صلة بقيادتها حتى النفس الأخير: أنا الجنوبي فلسطيني بالعقيدة والموقف وليس فقط بالجغرافيا. وأنا مع الثورة ولو كانت لي ملاحظات عليها".
و"السيد" كان مع أي ثورة وكل ثورة. هو مع التغيير. وقد أخذته استحالة التغيير في لبنان إلى التنبّه لخطورة الطائفية. فاختار أن يقتحم أسوار الطوائف بقلمه وفكره ثم بمشاركته في أي نشاط ضد الممارسات الطائفية كافة.
"فكره توحيدي. إسلامه يتجاوز المذاهب والطوائف. فكره (علماني) ولو اعتلت قمة رأسه لفة (السيد) السوداء"، يقول سلمان.
أما في الثقافة "فهو بحر، فكراً منفتحاً على الجديد، رافضاً التقليد، نثره يكاد يتجاوز في رقته الشعر، ويكاد يقرب إليك فلسفة الصوفيين".
ابن جبل عامل، النجفي، الذي سكن فقره بقرار شخصي، "برغم أنه واحد من أغزر الكتاب ثقافة. يكتب بشغاف قلبه إذا أحب ويستنزل أرق لغة وهو يكتب عمن يلتقي معه فكراً وسلوكاً.
اقتحم الطوائف المغلقة على رعاياها. حطم الأبواب. كسر التقاليد، اخترق المحظور. ساند أي ائتلاف أو تلاق أو حوار على امتداد الوطن وصولاً إلى الفاتيكان، صديقه محظوظ إذا ما كتب عنه، وخصمه أيضاً".
ويتابع رئيس تحرير "السفير": قلم "السيد" هو علة عيشه. أمضى معظم سني حياته يقرأ، فصار إذا كتب أعجز. نثره نهر متدفق بالثقافة. لقد التهم مكتبات النجف ومكتبات الجامعات في بيروت ودمشق وبغداد، من قبل. صار مرجعية في الثقافة. ما لم يقرأه بلغته قرأه معرباً. والذاكرة تفيض بما تختزن وتغذي كتابته وحديثه، خطاباته ومحاضراته.
هو العاملي الذي يختزن الفقه واللغة وديوان الشعر العربي وأجود ما أبدعه شعراء الصوفية. وهو أحد رواد الدعوى إلى الكفاح المسلح، حتى إذا ما داخلته الشوائب وانحرف السلاح عن هدفه، عاد إلى قلمه داعية ومبشراً بضرورة التغيير.
هو اللبناني، النجفي، الممتلئ بتراث الفكر الإسلامي متعدد المصدر، الذي خذله القدر حين طلب الاستشهاد، فعاش ما يعتبره فائضاً عن عمره.
هو المسلم الشيعي الذي اجتهد لهدم الأسوار التي بناها تجار المذهبيات بين أبناء الدين الواحد، والذي اجتهد مرة أخرى لهدم الأسوار الأعلى والأقسى بين الأديان، كان يعرف ان تلك البدع جميعاً من خارج الدين.
لكن أعظم ما في "السيد"، كما يؤكد طلال سلمان، هو إنسانه. "إنه بعباءته الرخيصة قلب ملفوف بالشعر".
ويختم مقالته: "لك الصحة يا سيد.
إننا بحاجة إلى سورات غضبك. بحاجة إلى اعتراضاتك. بحاجة إلى دعاباتك التي تقطر شعراً.
لا تطل غيابك يا سيد. لقد اشتاقتك المنابر وجلسات الندامى، أيها الرجل الذي قلبه أكبر من عقله... وهذا المصدر الأخطر لتعبه الذي أنهك صمته".
التعليقات السابقة
سماحة السيد لا تطيل الغياب .. ننتظر ابتساماتك حلوى توزعها في جوع أفراحنا
ميادة كيالي12 سبتمبر (أيلول) 2014 22:01
سماحة السيد هاني فحص ... ما هذا أوان الرحيل .. أرجوك أن تنهض .. حيث يحل يزرع الفرح والابتسامة .. ويزرع الأمل بالنقاء .. رجل دين هو حيث الدين روح تتماهى مع خالق مطلق المحبة .. رجل علم هو حيث لا يترك مكاناً من فراغ إلا وملأه معرفة .. رجل سياسة هو عندما تكون السياسة غايتها الإنسان.. تعرفت عليه في لبنان في أنطلياس حيث الحركة الثقافية وتكريم عبد الجبار الرفاعي في مارس عام2013 .. سمعته وسحرتني كلماته وعندما التقيته في مؤتمر انطلاقة مؤمنون بلا حدود في المحمدية في عام 2013 تعرفت إلى هذا الفكر المتقد المليئ بعمق التجارب وفيض المعرفة وضخامة الذاكرة .. في عمان في ديسمبر 2013 سمعته وهو يتحدث عن الله وعن الدين وعن المواطنة وعن الإنسان لم أتمالك نفسي وبكيت بصمت .. كان يصرخ في وجه الطائفية والتحزب والتمترس وراء الأحزاب والطوائف ويقول نحن إخوة ويجب أن نكون فالإنسانية وحدتنا .. سماحة السيد بالله عليك أن تنهض من سباتك فلا زال لدينا الكثير .. ولديك تاريخنا .. ولديك أملنا .. سماحة السيد ننتظر ابتساماتك توزعها حلوى في كل مؤتمر وفي كل ظرف .. وننتظر شعرك الرقراق بصوتك الجميل الرخيم .. نحتاج قلبك في بشاعة القلوب نتمسك بنبضه للحب وللخير وللإنسان .. ننتظرك في لبنان في عمان في سورية وفلسطين .. في المغرب العربي كله .. وتنتظرك دول الخليج كلها فلك في كل بلد مقام لا يحل به غيرك .. وكلماتك ومشاعرك وفكرك الفياض بالإنسانية لا تزال جميعها يتردد صداها في قلوب الجميع بالله عليك أن تعود إلينا ..
أضف تعليقاًً
* اختياري

