الشريعة والقرآن بين الأصوليّين القدامى والإسلاميين الجدد
22 مارس 2015 | 0 تعليق
الشريعة والقرآن -(ذوات)
يرى الباحث التونسي رياض الميلادي أن مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية المستمـدة من القرآن لتنظيـم حياة الناس إذن ليسـت من المسائل التي يمكن اعتبارها ضربا من الترف الفكري الذي يُعنى به الدارسون أو ممّا يتوسع في الوقوف عليه المنظرون للدولة الإسلامية المنشودة أو مما يناقشهم فيه العلمانيون، وإنما هي مسألـة حيويّة طفـت على السطح بقوة من جديد بعيد الثورات العربية عندما قررت بعض النخب في هذه الدول إعادة صياغة دستورها. ويمثّل ذلك شاهدا على أن المجتمعات تعيد النظر في قضاياها الكبرى لا بسبب ما تتعرَض له من إحراج خارجي فحسب وإنما بسبب ما يشهده المجتمع في حد ذاته من حراك في كلَ المستويات.
ويضيف الباحث في دراسة هامة نشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان"الشريعة والقرآن بين الأصوليّين القدامى ومنظّري الإسلام السياسي المعاصرين"، أن المنظرين لحركات الإسلام السياسي رفعوا منذ عقود عديدة شعارات سياسية وحقوقيّة للدولة الإسلامية المنشودة، من أهمّها مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية التي يمثّلها أساساً النص القرآني. وقد دفعهم ذلك إلى الاعتقاد خطأ أنّ الكتاب المقدّس يمثّل مدوّنة قانونيّة تضمّ كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في كل زمان ومكان، وبذلك فهو عندهم مدوَّنة تتّسم بالشمول والاستغراق والدوام والبيان. ولذلك رأينا أن نختبر هذه المقالة، لا من خلال المنطق الداخلي الذي يبني عليه المنظرون لحركات الإسلام السياسي رؤيتهم للشريعة فحسب، وإنّما أيضا من خلال العودة إلى المفاهيم الكبرى والمقدّمات الأساسيّة التي بني عليها علماء الأصول مقالتهم المركزية القائلة بثبوت النص المقدّس وحجيّته وشموله واستغراقه.
كما اعتبر الباحث أن الوقوف على هذه المفاهيم الكبرى التي أرسى الخطاب الأصولي عليها نظرته إلى القرآن مدوّنة تشريعيّة تستمد منها الحكام التكليفيّة، أن يساهم في تحقيق غايتين مهمّتين اثنتين: أولا: إبراز مدى تماسك الخطاب المتّصل بمفهوم الشريعة في كتابات أهم منظّري حركات الإسلام السياسي، وثانيا: التفكّر في بدائل حقيقيّة لقضيّة مصادر التشريع ومرجعيّاته في الدولة المنشودة الموسومة بالإسلامية.
وعن تمثل منظري الإسلام السياسي مفهوم الشريعة، يذكرنا الباحث بأن الدارسين لفكر حركات الإسلام السياسي بمختلف تنويعاتها يجمعون على أن الاهتمام بمسألة الشريعة يندرج في إطار سؤال أوسع هو سؤال مركزيّ في فكر الإخوان المسلمين وفي فكر المنظرين للإسلام السياسي عموما ونقصد به سؤال الحكم. وإذا كانت الإجابة عندهم بديهيّة تقول بأنّه لا حكم إلا لله بالاستناد إلى الأدلّة النصية من القرآن ذاته، فإنّ هذا الحكم الإلهي لا يمكن أن يعتمد على غير كلام الله أي قرآنه. وفي هذا المستوى يقع استحضار مصطلح الشريعة..
قضية الحكم عند الإسلاميين عموماً، حسب الباحث، قضية يلتبس فيها الديني بالسياسي، الحاضن الرئيسي لدى منظري الإسلام السياسي للخوض في مسألة الشريعة، باعتبارها كفيلة بتنظيم حياة المسلميـن داخل الدولة الإسلاميـة المنشودة التي تردّ طبعا كل الأحكام والقوانين مهما كان مصدرها متى لم تكن أحكام الشـرع الإلهي، ويستشهد الباحث بقول للشيخ راشد الغنوشي، ويرى أنه "ليس لأي مواطن الحق في أن يطيع أي تشريع أو قرار أو توجيه مناقض للشريعة أيا كانت الجهة التي أصدرته" . وهذا التقسيم في مسألة التشريع إلى ما هو إلهي وما هو بـشرى، قد كان في تقدير الباحث مقدّمة لأمرين. أمَا الأوَل فالاستهانة بالعقل البشري ونعته بالقصور والتقليل من قدرته على ضبـط قوانين وضعيّة تنظم حياة الإنسان، وأمَا الثاني فتقسيم البشريَة إلى مجتمعات جاهلية "تتّبـع أهواءها وضلالاتها يصوغونها تشريعات وقوانين يضلون بها البشر ويصرفونهم عن شريعة الله" ، ومجتمعات إسلامية خاضعة "لإرادة الله المتجليَة في شريعته".
ووجه الباحث بعض الملاحظات النقدية ضد منظري الإسلام السياسي أهمها أنهم استمروا في رفع شعارات جوفاء مثل شعار الشريعة مما يقوم دليلاً في نظره على سطحية معارفهم الأصولية أولا وضيق آفاقهم الذهنية ثانياً، حيث نبّه الفيلسوف الهندي محمد إقبال منذ أكثر من سبعة عقود إلى أنّ القرآن ليس مدونة قانونية يقول: "على أنّ القرآن ليس مدونة في القانون، فغرضه الرئيسي كما قلت من قبل هو أن يبعث في نفس الإنسان أسمى مراتب الشعور بما بينه وبين الله وبينه وبين الكون من صلات".
ومن أهم نتائج الدراسة، أن خطاب منظّري الإسلام السياسي يبدو في حاجة إلى التحديث ولكن للتحديث كما هو معلوم مقومات تقوم مقام الشروط لعلّ أهمها الإيمان بأولوية العقل بما هو سلطة معرفية تنتج حقائقها ولا تخضع لإكراهات خارجة عنها وفي خطاب زعماء الإسلام السياسي استهانة بالعقل البشري باعتباره عنوان الضلالة والقصور ويرفضون لذلك القوانين الوصفية، نظريا، وينادون إلى تطبيق الشريعة الإلهية.
وأمّا المقوّم الثاني فهو نتيجة منطقية للأول ويقصد به الباحث، عدم قبول سلطة الماضي على الحاضر والمستقبل، وخطاب الإسلام السياسي فيه دعوة صريحة إلى استدعاء "الشريعة" أو "أحكام الشريعة" على النحو الذي ظهرت فيه إلى زماننا هذا باعتبارها في نظرهم ليست أحكاما تنبئ عن فهم بشرى وإنّما هي أحكام إلهيّة مطلقة. وأمّا المقوم الثالث للحداثة والتحديث فهو الحرية التي يمكن أن تنسف أسس الاستبداد وهي الديمقراطية والحريّة بالأساس.
ومن أهم العوائق في خطاب منظّري الإسلام السياسي حسب الباحث، تلك الطريقة في توظيف الآيات القرآنية المتعلقة بالشّرع أو الحكم وهي ذات الطريقة التقليدية القائمة على الاقتطاع والانتقاء وعزل النصّ عن سياقه التاريخي وعن سياقة المقامي النصّي. وجماع ذلك يفضي إلى خطاب تبريري لا يؤسّس معرفة وإنّما يبني إيديولوجيا تحمل وظيفة أساسية هي التعبئة وحشد الأنصار ولعلّ من أهمّ الشواهد على ذلك ضمور مصطلح الشريعة في الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية وتواتره الشديد في أدبيات الإسلاميين المعاصرين.
لقراءة الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

