الفارابي: الفلسفة هي العلم بالموجودات بما هي موجودة
23 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

الفيلسوف العربي الفارابي -(أرشيفية)
ذوات - نزهة صادق

 هو أبو نصر محمد الفارابي ولد بقرية فراب،وهي مدينة من بلاد الترك في أرض خراسان، تعلم على أيدي كبار الأساتذة في مجال الفلسفة والمنطق وعلوم الطبيعة والرياضيات والموسيقى، وسار سيرة الفلاسفة المتقدمين، حيث كان فيلسوفاً متميزاً وإماماً أتقن العلوم الشرعية، وتعتبر الفلسفة عنده هي علم الموجودات بما هي موجودة، وهي العلم الجامع الذي يعطي الإنسان صورة شاملة للكون، بينما تنصرف العلوم الجزئية إلى تفاصيله.

عاش الفارابي ببغداد مدة ثم انتقل إلى الشام وأقام بها، وتمكن هناك من تحقيق مكانة خاصة، بفضل علمه وحكمته وفلسفته في الحياة، وفي هذا الصدد يقول عنه سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي الآمدي: "إن الفارابي كان في أول أمره ناطوراً في بستان بدمشق، وهو على ذلك دائم الاشتغال بالحكمة والنظر فيها، والتطلع إلى آراء المتقدمين وشرح معانيها، وكان ضعيف الحال حتى إنه كان في الليل يسهر للمطالعة والتصنيف، ويستضيء بالقنديل الذي للحارس، وبقي كذلك مدة، ثم إنه عظم شأنه وظهر فضله، واشتهرت تصانيفه وكثرت تلاميذه، وصار أوحد زمانه وعلامة وقته، واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد اللَّه بن حمدان التغلبي وأكرمه إكراماً كثيراً، وعظمت منزلته عنده، وكان له مؤثراً"، كما جاء في كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" لمؤلفه ابن أبي أصيبعة.

كان الفارابي يتميز بالزهد والتواضع، حيث يذكر أنه على الرغم من اهتمام سيف الدولة به وإكرامه له، إلا أنه لم يكن يتناول منه من جملة ما ينعم به عليه سوى أربعة دراهم فضة في اليوم يخرجها فيما يحتاجه من ضروري عيشه، كما أن مظهره كان متواضعاً، إذ لم يكن يعتني لا بهيئة ولا بمنزل ولا بمكسب، وأنه كان يتغذى بماء قلوب الحملان مع الخمر الريحاني فقط، فلم تكن تستهويه الأمور الدنيوية البتة، ويذكر أنه كان يتقن علم صناعة الموسيقى وعملها، فقد وصل إلى غاياتها وأتقنها إتقاناً لا مزيد عليه، كما أنه صنع آلة غريبة يستمع منها ألحاناً بديعة يحرك بها الانفعالات، وتعود علاقته بقراءة الحكمة إلى رجل أودع عنده جملة من كتب أرسطوطاليس، وبعد أن اطلع عليها، تحرك إلى قراءتها، ولم يزل إلى أن أتقن فهمها وصار فيلسوفاً بالحقيقة.

تميز بالزهد والتواضع، وكان عاشقاً للحكمة.

دفعت نظرة الفارابي الشاملة إلى الجمع بين أفلاطون وأرسطو، حيث تجاهل الفوارق بينهما، انطلاقاً من موقفه من وحدة الحقيقة ووحدة العقل البشري، فلا يمكن حسب الفارابي أن يتناقض الفلاسفة، لأن العقل لا يتناقض مع نفسه، كما أن الدين لا ينعزل عن الفلسفة، فهو من الفلاسفة المسلمين اللذين حاولوا التوفيق بين الفلسفة والدين كأسلافه، ويقول في جمعه بين أفلاطون وأرسطو:"... إني لما رأيت أكثر أهل زماننا قد تحاضوا وتنازعوا في حدوث العالم وقدمه، وادعوا أن بين الحيكمين المقدمين المبرزين اختلافاً في إثبات المبدع الأول، وفي وجود الأسباب منه، وفي أمر النفس والعقل، وفي المجازاة على الأفعال خيرها وشرها، وفي كثير من الأمور المدنية والخلقية والمنطقية، أردت في مقالتي هذه أن أشرع في الجمع بين رأييهما والإبانة عما يدل فحوى قوليهما، ليظهر الاتفاق بين ما كانا يعتقدانه، ويزول الشك والارتياب عن قلوب الناظرين في كتبها. وأبين مواضع الظنون ومداخل الشكوك في مقالتهما، لأن ذلك من أهم ما يقصد بيانه، وأنفع ما يراد شرحه وإيضاحه" عن كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين.

يرى الفارابي في نظريته المعرفية المنطقية أن المعاني الكلية سابقة على الجزئيات، وأنها موجودة في الجزئيات، كما أن العقل يستخرجها بالتجربة، فتوجد في الذهن بعض الجزئيات، كما أن الموجودات عنده ضربان، إما واجبة الوجود وإما ممكنة الوجود، "فلو افترضنا ممكن الوجود غير موجود، لم يلزم عن افتراضنا شيء، وإذا وجد هذا الممكن صاروا جب الوجود بغيره، ولكي يخرج الممكن إلى الوجود لابد من علة تخرجه، والعلل لا تتسسلل إلى ما لا نهاية، ومن ثم لابد أن ننتهي إلى موجود واجب الوجود لاعلة لوجوده هو الموجود الأول وهو السبب الأول لوجود الموجودات، وهو بلا مادة ومن ثمة فهو عقل بالفعل ويعقل ذاته، فهو عاقل بالفعل وذاته تعقله، فهو معقول بالفعل وهوالواحد الكامل الله" كما جاء في قاموس الفلاسفة لجمال هاشم.

يرى في نظريته المعرفية أن المعاني الكلية سابقة على الجزئيات.

قرأ الفارابي إيساغوجي ، وقاطغورياس بأرمينياس، وكتاب القياس على أبي يحيى المروزي، و"أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن حيلان المتوفى بمدينة السلام في أيام المقتدر" كما قال عنه القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد في كتاب "التعريف بطبقات الأمم"، وتميز بتحقيقه في علوم المنطق وشرحه غامضها، وكشفه لسرها، وتسهيل تناولها، حيث انتبه إلى ما أغفله الكندي وغيره في صناعة المنطق، فجاءت كتبه في تلك الغاية.

بدأ الفارابي بفلسفة أفلاطون "وسمى تآليفه فيها، ثم أتبع ذلك بفلسفة أرسطوطاليس فقدم له مقدمة جليلة، عرف فيها بتدرجه إلى الفلسفة، ثم بدأ بوصف أغراضه في تآليفه المنطقية والطبيعية كتاباً كتاباً، حتى انتهى به القول في النسخة الواصلة إلينا إلى أول العلم الإلهي والاستدلال بالعلم الطبيعي عليه"، فقد تمكن من شرح معاني قاطيغورياس.

كتب الفارابي في اللاهوت وفي العلم المدني، وله في ذلك كتابان لانظير لهما، أحدهما المعروف بـ"السياسة المدنية"، والآخر المعروف بـ"السيرة الفاضلة" عرف فيهما العلم الإلهي على مذهب أرسطوطاليس، خاصة مبادئه الستة الروحانية، وعرف فيهما بمراتب الإنسان وقواه النفسانية وفرق بين الوحي والفلسفة، ووصف أصناف المدن الفاضلة وغير الفاضلة، واحتياج المدينة إلى السيرة الملكية والنواميس النبوية".

قسم الوجود إلى عوالم عقلية ومادية.

قسم الفارابي الوجود إلى عوالم عقلية ومادية. أما العوالم العقلية، فهي عشرة أو ما سماها ب"العقول العشرة"، والعوالم الماديةهي أجسام الأفلاك ثم الإنسان والحيون والنبات والمعادن والعناصر الأربعة، ويتوسط العقل العاشر بين العالم العلوي والعالم السفلي(ويسميه علماء الكلام جبريل أو الوحي)، وهو الذي يضع الصور في أجسام العالم المادي وبفعله يتحول العقل بالقوة في الإنسان إلى عقل بالفعل، وهو مصدر المعرفة التي يفيض بها إشراقاً وإلهاماً أو كشفاً على الفلاسفة والعباقرة والأنبياء.

وهب الفارابي المعرفة للأنبياء بواسطة الخيال، والفلاسفة بواسطة العقل المستفاد وبهذا يكون الفارابي قد منح للفلاسفة مكانة أرقى من الأنبياء، لأن العقل أرقى من المخيلة، كما تحدث عن المدينة الفاضلة كحل لجميع المشاكل، واعتبرها فضاء مبنياً على الخير والتعاون، وأكد على وجوب رئاستها من قبل فيلسوف يتلقى الفيض باستمرار.

توفي الفارابي بدمشق في شهر رجب سنة 339 هـ ، كما جاء في معظم الروايات التاريخية، ويذكر أن سيف الدولة قد صلى عليه مع أربعة عشر أو خمسة عشر من خواصه، وأنه قد دفن بظاهر دمشق خارج الباب الصغير.

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق