المسلمون الجرحى في أوروبا
11 يناير 2015 | 0 تعليق

موسى برهومة*
د. موسى برهومة*

غداة الاعتداء الإرهابي على مقر مجلة "شارلي إيبدو" التهكمية بباريس، علّق أحد مقدّمي البرامج التلفزيونية الساخرة بأن "حصيلة مجزرة شارلي إيبدو هي 12 قتيلاً و 5 ملايين جريح مسلم".

وليس في الأمر أي مبالغة، أو سخرية، بل إن المسلمين في أوروبا الذين ينوف عددهم على الـخمسة والأربعين مليوناً، ما عدا تركيا، هم اليوم في مرمى نيران الكراهية والعداوة والقتل والانتقام بحرق مساجدهم ومعابدهم وتهديد طمأنينتهم، لأن فريقاً ممن يحتكرون النطق بلسان السماء أراد أن ينفذ "شرع الله" على هواه، أو بحسب مداركه، أو وفقاً لما جرى تلقينه إياه من "تعاليم الشريعة" على يد فقهاء خارجين، للتو، من كهوف الماضي شكلاً وهيئة وخطاباً وسلوكاً وعتمة.

ومن يتوهم أن الاعتداء على "شارلي إيبدو" جرى بسبب نشرها رسوماً كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد، ويحصر الأمر في هذه النقطة وحسب، هو كمن يربط بين شرور الجماعات الإرهابية وبين الاحتلال الصهيوني لفلسطين، أو الانحياز الأميركي لإسرائيل، أو الصمت الدولي تجاه جرائم الأسد في سورية، أو الآلام المديدة والهزائم العديدة التي أعطبت أحلام المسلمين وأشواقهم.

بيْد أن الأمر ليس تماماً على هذا النحو. والإرهابيون لا يحتاجون إلى ذريعة مثل هذه أو تلك كي يفرّغوا شحناتهم الانتقامية في أجساد البشر الآمنين هنا أو هناك، لأن القتل باسم المقدّس يبارك لهم ذلك، ويمنحهم الحصانة الشرعية والفقهية، ويمهد السبيل أمامهم كي يتحركوا بسهولة، ويقتلوهم حيث ثقفوهم. والأمثلة عديدة على أن سلوك الإرهابيين لا يحتاج إلى أي مبرر كي "يهطل" الدم. وإلا ماذا كان ذنب روّاد مقهى "لينت" في ساحة مارتن بحي الأعمال المركزي بمدينة سيدني الأسترالية الذين احتجزهم، الشهر الماضي، شيخ إيراني يدعى هارون مؤنس كان اتهم بالمساعدة في قتل زوجته السابقة، ويواجه أكثر من 40 اتهاماً بالاعتداء الجنسي والتحرش خلال فترة ادعى خلالها بأنه "معالج روحي" يتعامل بالسحر؟

ولو أن هؤلاء يرتكبون جرائمهم من دون الاختفاء تحت عباءة الدين لهان الأمر قليلاً، ولسجلت الأحداث في إطار الأعمال الجرمية والجنائية، لكنّ هؤلاء الإرهابيين يرفعون الرايات السوداء، ويرتكبون البشاعة وهم يهللون "الله أكبر" كأنهم شركاء فاعلون في معركة "الخندق"!

ولا يضير مرتكبي جريمة "شارلي إيبدو" لو أنهم هددوا مصالح المسلمين في أوروبا والغرب، ما داموا ينفذون شرع الله، ويحظون بمباركة تنظيم "داعش" الذي وصفت إذاعة "البيان" التابعة له، منفذي الاعتداء بأنهم "جهاديون أبطال"، بعدما كان حضهم على قتل الفرنسيين "بكل الوسائل"!

لو أن هؤلاء يرتكبون جرائمهم من دون الاختفاء تحت عباءة الدين لهان الأمر قليلاً، ولسجلت الأحداث في إطار الأعمال الجرمية والجنائية

لقد كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند حكيماً عندما أكد أن "الذين ارتكبوا هذه الأعمال الإرهابية لا علاقة لهم بالدين الإسلامي"، لكنه في الوقت نفسه ندّد بما سمّاه "العمل المرعب المعادي للسامية" في إشارة إلى احتجاز رهائن في متجر يهودي في باريس أسفر عن مقتل ثلاثة منهم، بالإضافة إلى محتجزهم الذي وصفته وكالات أنباء بأنه "متطرف إسلامي" يدعى أمادي كوليبالي.

والتفاصيل تعصى على الحصر في هذه الدوّامة المترامية الأذى والقسوة، ما يؤكد أن البوصلة تائهة، وربما مفقودة لدى أولئك "الجهاديين الأبطال" الذين إن لم يحاصرهم وينبذهم ويفضحهم مسلمو أوروبا والغرب، على وجه الخصوص، فإن مصائر ملايين المسلمين قد تنصهر في قلب البركان الذي يطلق حمم الكراهية ضد المسلمين في فرنسا الذين يعيشون الآن باعتبارهم "رهائن"، فيما كشف استطلاع رأي أجرته، مطلع العام الحالي، مؤسسة "فورسا" لحساب مجلة "شتيرن" الألمانية أن شخصاً ألمانياً واحداً من أصل ثمانية مستعد للمشاركة في مسيرة مناهضة للمسلمين إذا ما نظمت في مدينته. والرقم بالطبع مرشح للتوسع بعد أحداث فرنسا التي جعلت مجرماً متوحشاً مثل بنيامين نتنياهو يتشدق باسم الحرية، ويعرب عن رفضه الخوف من "الإرهابيين" وخوضه معركة "الدفاع عن قيمنا ومستقبلنا"، مشيراً، كما لو كان داعية سلام أو فيلسوفاً، إلى أن "الإسلام المتطرف يتحدى العالم أجمع، العالم الإسلامي والعالم غير الإسلامي على حد سواء، فالإرهابيون يريدون أن يعيدوا البشرية بأسرها إلى فترة مظلمة، ألف عام إلى الوراء"..!

+ كاتب وباحث أردني

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق