د. عماد أبو غازي: الشخصية النهرية المصرية فكرة خرافية
01 يوليو 2015 | 0 تعليق

وزير الثقافة المصري الأسبق د.عماد أبوغازي – (أرشيفية)
ذوات

أكد وزير الثقافة المصري الأسبقد.عماد أبوغازي أن الشخصية النهرية فكرة خرافية، ولا يمكن تثبيت التاريخ في أسر الجغرافيا. وقال إن هذه الفكرة بعيدة عن الواقع، موضحاً أنه لا توجد شخصية نهرية لها مكونات ثقافية مختلفة عن غيرها، رافضاً فكرة النهر في مواجهة البدو.

وأضاف، في حوار أجراه سامح إسماعيل وخالد محمد عبده، ونشره موقع "مؤمنون بلا حدود"، أن كل ما جاء عن شخصية مصر في كتابات جمال حمدان وغيره، يُواجه بصعوبة في الاقتناع به. وقال: أنا أقف موقفاً مغايراً لنظرية الشخصية القومية. الحاكم الفرعون، وهو يعيش في وادي النيل، كان يحمل معه عصا الراعي.

وأكد أنه لا يوجد مكون ثقافي ممتد عبر التاريخ، فشخصية الشعوب شيء نسبي ومتغير عبر الزمان، ومن الممكن الحديث عن عشرات الشواهد التي توضح أن الشخصية المصرية شخصية خانعة، في مقابل عشرات الشواهد التي تؤكد أن الشخصية المصرية شخصية ثائرة على امتداد التاريخ.

وأبدى أبو غازي، تحفظه على مصطلح "الشخصية المصرية"، فليس هناك شعب له شخصية مستقلة. وقال: هذا وهم يسببه التعصب القومي ونزعات العنصرية التي أعيدت صياغتها في القرن الماضي، وانفجرت في وجه العالم على شكل نظريات أدت إلى ظهور الفاشية والنازية، لكن يمكن القول إن هناك سلوكاً كان سائداً لسنوات في المجتمع المصري قد بدأ يتغير بعد ثورة 25 يناير،

وحدة مصر قامت على قبول الاختلاف، وأية محاولة لفرض نمط واحد ستؤدي للانهيار

لافتاً إلى أن كسر حاجز الخوف هو أبرز سمات هذا التغير، وما تبعه من كسر تابوهات عديدة، حيث وصل الانتقاد مثلاً لشخص رئيس الدولة، معتبراً ذلك جرأة في النقد مع تجاوز كل الحدود في الممارسة. ووصف هذه الظواهر بأنها جديدة في السلوك الجمعي للمصريين.

وردّاً على سؤال جول إمكانية استبدال مصطلح الشخصية المصرية بمصطلح الثقافة المصرية، قال أبو غازي إن الثقافة المصرية نفسها متطورة وانتابها الكثير من التغير عبر مراحل التاريخ المختلفة. ليس هناك ثابت حتى في الثقافة.

وزاد بأن السلوك أيضاً دائم التغيير، ومرتبط بوضع الدولة نفسه، فإذا كانت الدولة في المركز، يكون هناك ازدهار حضاري وثقافي، وبالتالي يحدث تغير سلوكي، لأن الفائض دوماً يتم توجيهه للداخل، بغض النظر حتى عن كون الحاكم مصرياً أم أجنبياً، موضحاً أنه في عصر الفاطميين كانت مصر هي مركز الحكم، فكان هناك ازدهار في فترات طويلة. أما إذا كنت تابعاً، فإن الفائض يذهب للخارج وتنهار تباعاً الأوضاعُ الحضارية والثقافية، هذه المتغيرات يتبعها تغير في مكونات الشعوب وثقافتها وسلوكياتها.

 وقال إن الحضارة المصرية قامت على وحدة عناصر ومجتمعات إثنية متعددة، إذ قامت الحضارة المصرية على الجمع بين هذه المجتمعات الإثنية، فقد قامت وحدة مصر على قبول الاختلاف، وأية محاولة لفرض نمط واحد، سوف تؤدي للانهيار.

وجدد تأكيده بأن الشعب المصري ليس له ما يميزه، لا في الشخصية ولا في الزي، وكذلك سائر الشعوب. وقال: نحن أمام تجمع إنساني مفعم بالتفاعل والتغيير الدائم؛ ففي الجداريات المصرية القديمة ترى أزياء المصريين مختلفة، زي الفلاح نفسه متغير، في الرسوم التي ترجع إلى عصر الحملة الفرنسية، تلاحظ مظهراً آخر لزي المصريين...كل شيء خاضع للظرف التاريخي، حتى الزي نفسه؛ فداخل البلد الواحد أكثر من عشرات الأنماط من الزي نختلق أوهاماً نتجادل حولها، ليس هناك ثابت بل لكل جزء من المجتمع ظروفه وخصائصه.

وتابع أبو غازي أن كل مجموعة من البشر تعيش في ظرف تاريخي معين لها ما يميزها بالتأكيد في الزمان والمكان، ولكن الظرف متغير وكذلك الزمان، حتى المكان يتعرض لعوامل جغرافية عديدة تغير من سماته باستمرار. الجماعة البشرية نفسها في داخلها تفاوت طبقي وفكري بشكل يصعب معه القول بشخصية المكان أو الشعب، هناك تفاعل دائم بين الشعوب. وشدد على أن خلق نموذج عنصري بدعوى مواجهة المد السلفي ليس حلاً على الإطلاق، فمن يفعل ذلك يمارس العنصرية ذاتها.

وبسؤاله عن الزي كإشكالية من خلال صورة السلفي وما يعكسه انطباع الآخرين تجاهه، أفاد أبوغازي بأن هناك جماعات تختار لنفسها زياً معيناً تعتبره مقدساً كبعض الجماعات اليهودية والرهبان البوذيين والسيخ، وكذلك يفعل السلفيون. وأضاف: السلوك يدل على الانتماء والانضمام للجماعة، وهذا تقليد قديم، فعلها الوفديون في الماضي عندما كونوا تنظيم أصحاب القمصان الزرق، كذلك الزي العسكري يعني أنك محارب في الجيش، الزي يعبر عن الانضواء تحت لواء جماعة له توجه معين، ولا يعكس شخصية الشعوب، هناك الأزياء الأفريقية مثلاً، فزي الأفريقي في عهد الاستعمار يختلف عن زيه بعد التحرر أزياء الهنود واليابانيين وغيرهم، هناك زي تاريخي إلى جواره كل تقاليع وصنوف الأزياء العالمية.

وتناول الوزير المصري ما جرى في عهد الحملة الفرنسية، حيث استخدم الفرنسيون أحد الشوام، ويدعى برتملي وكان يرتدي أزياء مزركشة كثيرة الألوان، فأسماه المصريون "فرط الرمان"، وكان برتملي هذا وجماعته بأزيائهم المختلفة يثيرون ريبة وتوجس المصريين، حتى إنهم هتفوا في ثورة القاهرة الثانية: "اللهم انصر السلطان وأهلك فرط الرمان... ومع هذا تقبل المصري السلفي بجلبابه القصير وغطرته ولحيته وهيئته الغريبة.

وحول إن كان ثمة تناقض في التعامل مع هاتين الحالتين، قال أبو غازي: على مدى آلاف السنين يأتي الغرباء. "فرط الرمان" يختلف نوعاً عن السلفيين، كان عميلاً للاستعمار والناس كانت ثائرة، أما السلفي فرغم غرابته شكلاً عن المجتمع، لكن الفكر السلفي قد تغلغلت أفكاره بشكل متدرج، السلفية لها أصولها الممتدة في التاريخ المصري منذ العصور الوسطى،

الناس تختار، وإذا قمعتها تثور ولو بعد حين؛ فهي لن تقبل وضعاً لا يحقق احتياجاتها

أيام المماليك حدث صراع بين السلفية والصوفية، وبين السلفية والسنية المعتدلة، هو فكر يصعد ويتراجع بشكل متفاوت، لكنه حين ينزل إلى الشارع، ويبدأ في محاولة فرض وصايته على الناس يحدث الصدام. وأكد: الرهان هو الناس. هذا هو سؤال المستقبل، ولن ينجح هذا التيار في السيطرة. الناس قد تأخذ منه الخدمات وتنتخبه، لكنها حين تصطدم مصالحها وحرياتها الشخصية معه، فإنها تسحقه.

وعنكيفية التمييز والفرز في ظل هذه الخطابات الوافدة والمؤدلجة، قال وزير الثقافة الأسبق: ليس هناك كتالوج للفرز، بل الممارسة وإحساس المجموع هي المحدد، الممارسة الفعلية هي أساس الاختيار، إذا تحسن وضعك بشكلٍ ملموس فأنت تؤيد والعكس، الاختيار السياسي هنا يؤثر على حياتك ومستقبلك نحن لن نخترع...التجربة هي المعيار وتحقيق الاستقرار هو رجاء الشعوب. المواطن لا يختار اليسار أو اليمين، لأنه يراها جيدة بقدر ما يختار ما يحقق مطامحه، الناس تختار، وإذا قمعتها تثور ولو بعد حين؛ فهي لن تقبل وضعاً لا يحقق احتياجاتها. الاتجاه الليبرالي واليساري وغيرهما اتجاهات وافدة مثلها مثل السلفية، تصبح الممارسة هى المعيار هنا.

وسئل الوزير الأسبق:هل هناك تقاعس من اتجاهات معينة في المجتمع لمواجهة المد السلفي. الصوفية مثلاً هل تقاعست؟ فقال: أنت في لحظة أزمة تاريخية غير مسبوقة في التاريخ المصري، وكل الأطراف مطلوب منها تقديم رؤاها والمشاركة. وأضاف: الصوفية حصل فيها انقسام لا زالت تعاني منه، إذ تعددت الخطابات والحلول غير كافية وبلا تأثير. وقال: سيحكم التاريخ على الجميع... فقط لننتظر النتائج.

يذكر أن الدكتور عماد أبو غازي متخصص في التاريخ الحديث، ودرّس في جامعة القاهرة، وشغل منصب رئيس مجلس الإدارة المركزية للشعب واللجان بالمجلس الأعلى للثقافة لمدة عشر سنوات في الفترة من 1999 حتى 2009، وتولى أمانة المجلس الأعلى للثقافة من 2009-2011، وقد اختير وزيراً للثقافة بعد قيام ثورة 25 يناير في 5 مارس2011، غير أنه قدم استقالته في 20 نوفمبر 2011 بسبب سياسة المجلس العسكري في قمع المتظاهرين.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق