فلنفرح ونتمرّد على الواقع
12 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

بيان أسعد*

لقد تنبهت بفضل الكاتب الفلسطيني محمود شقير إلى مثل هذه المفارقة بين رواية(شرفة العار) للكاتب والأديب إبراهيم نصر الله ومسرحية (بيت الدمية) للكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن، وذلك عندما كتب نصه النقدي في صفحة الغلاف لرواية (شرفة العار)، وفي الحقيقة لا أنكر أنني كنت في توق لأن أقرأ النقاط التي قد أوضحها في مقارنته بين العملين، ولا أنكر أيضاً أنني قد قرأت للكاتب هنريك إبسن مسرحية فيما قبل ولذا لم أجد صعوبة أبداً في تخصيص وقت لتناول عمل آخر له مثل (بيت الدمية).

أستأنف هنا ما بدأه الكاتب محمود شقير، وأركز على العنصر الأبرز والأشمل وهي المرأة (كإنسانة)، تعاملها مع المجتمع في خضوعها وتمردها، المصالح التي تقدمها للرجل باعتباره جزءاً مهماً يحركها ويؤثر بها بشكل كبير، كبريائها وكيانها، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى متشعبة.

المجتمع أو المكان هو الحيز الأهم الذي تختلف فيه العادات والتقاليد، حيث لا تتشابه في المجتمع الغربي والعربي بشكل عام، ففي (شرفة العار) تناول الكاتب عائلة نجد كثيراً منها في مجتمعنا، وفيها نرى قيوداً حول البطلة (منار) حيث نجدها كما في العائلات الملتزمة التقليدية محاطة بمخاوف تبعدها عن عيشها حرة وغير محاطة بحماية الرجل، وتكسير تلك القيود ليس بسهل فسلطة الأب أولاً تحكمها ومن ثم إخوتها أبقتها مطاردة حتى انتهاء أحداث الرواية، مع وجود الركيزة الأولى وهي الدين والتربية الصالحة على أساسه، وهذا كله ما ترسخ بشخصيتها وما خنقها في النهاية، حيث أعدمتها سلطة الرجل في المجتمع؛ إذ أُهينت وأُهملت بقدر ما كان الحرص وكما حدث مع نبيلة زوجة أخيها أيضاً. (أمسك نبيلة من شعرها وجرّها للداخل:"أتريدين أن تسببي لي فضيحة"؟! وفي اللحظة التي همّ بأن يصفعها فيها، أخفتْ وجهها بيديها تحميه...). وهذا ما لا نجده في بيت الدمية؛ فالبطلة (نورا) ظلت تطير في أول المسرحية إلى نهايتها بجرأة وباقتناع غير محاصرة بمثل هذه القيود وهذا جليّ في المجتمعات الغربية بشكل عام؛ يقول السيد هيلمر(زوجها): "تريد البلبلة أن ترفرف بجناحيها في أنحاء البيت وترسل تغريدها الشجي في سرور وانشراح". ترد عليه: "إنها لا تكف عن ذلك على أية حال". وفي آخر المسرحية يسنتكر السيد هيلمر تقيدها بالدين بالشكل المطلوب، ويذم تربية أبيها لها إذ ورثتْ صفاتَه.

في مجتمع مثل المجتمع الذي تعيش به عائلة منار ليس هناك أهمية لخصوصية المرأة بما في ذلك ما تكنه من مشاعر كالحب الذي كان دافعاً للحياة لكلتا الشخصيتين؛ منار ونورا، الحب كان عند (منار) مدفوناً وليس له أي اعتبار بل كان من إحدى الشائنات كيف لا ومجتمعها لا يثق بهذا المفهوم أبداً بل وتجاهلَه، لذا ظلت تخفيه إلى أن أضاعته في نهاية الرواية وقُتلت بريئة دونه، أما في بيت الدمية فكان من الركائز التي تقوم عليها المسرحية من أولها لآخرها فظلت البطلة (نورا) على عكس (منار) متمسكة به حتى النهاية؛ إذ كان سببُ تخليها عن زوجها هو فقدانها للحب تجاهه، وكانت نبرة صوتها مرتفعة عندما صرحت له بذلك، بعكس صوت (منار) الذي لم يظهر أبداً حتى في سبيل دفاعها عن شرفها الذي رمته المصالح المادية بطلقة خرجت من مسدس أخيها، لم تدافع عن حبها أبداً وبالأخص في وجه عمها سالم الذي لم يوافق على دراستها في الجامعة، ولكن يونس- صاحب التاكسي، الشخص المباغت، الفاقد الأكثر لهذه المشاعر إذ كسرها في النهاية وجعلها تتخلى عن حبيبها- كان قد عرف قصتهما:

"... ولكن لم تقولي لي، ما أخبار زميلك الجامعيّ؟"

-"تقصد عصام"؟

-" كان من الصعب أن أعرف اسمه؛ لكن أصارحك، كان من السهل عليّ أن أدرك مدى اهتمامه بكِ"!

-إنه بخير".

وعندها فاجأها بطيبة لم تكن تتوقعها:"الله يهنيكو"!

فلم تجد من كلام تقوله وهي تخفي ارتباكها سوى كلمة واحدة:"شكراً".

هذا الارتباك كان مفقوداً عند (نورا) وعند شخصية أخرى في المسرحية تدعى (مدام لند) صديقتها التي أفصحت لـ (نيلز كروشتاد) بحبها، كانت (نورا) هي التي تخلت عمن يحميها (زوجها هيلمر) بل وأخبرته بجرأة أنها تحب صديقه (فرانك) الذي هيأها لموته بسبب مرض أصابه فتبعته إلى الغياب. الموت والغياب كانا انعكاسين لفقدان المحبوب وهما ما تتفق فيه الشخصيتان؛ في (شرفة العار) كان مشهد الموت حاضراً، وفي (بيت الدمية) كان الغياب حاضراً.

تأثرت البطلتان منار ونورا أيضاً بالمنحى الاقتصادي مع اختلاف احتكاكهما بالمجتمع، واختلفت بذلك شخصيتهما؛ فكانت منار المرشدة النفسية الحاضرة بقوة في المجتمع ولها تأثيرها القوي على من حولها، ونورا المدللة الغائبة عن المجتمع، الزاهدة في الحب، المبذرة في سواه، ولكن النتيجة ناقضت ما كان؛ فـ (منار) قد انسحبت من المجتمع... انعزلت عنه خائفةً وقتلها في النهاية، أما (نورا) التي كانت غائبة تنقصها خبراتها فيه فقد وجدت ذاتها، وتعززت شخصيتها، وبدأت تواجه واقعها بعين قوية وقلب جديد.

كلتا الشخصيتين أثرتا بي، تأثرت بمعنى الموت الذي آلتا إليه وأغلب الشخوص مع احتفاظهم بدافع الحياة؛ الحياة الخالصة. تلك الركيزة التي يجب أن نقوم عليها في هذه الأرض-الحقيقية جداً- ونؤمن أيضاً أننا مهما اقتربنا من الحقيقة سنظل زائفين لن نطال إلا ما ينتظرنا...فلنفرح ونتمرد على الواقع أحياناً بحدود قدرتنا على ذلك...وخلال المدة التي أفسحها لنا القدر.

*كاتبة أردنية

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق