محمد علي الحامي: إصلاحي ومؤسس العمل النقابي في تونس
30 ديسمبر 2014 | 0 تعليق
تمثال لمحمد علي الحامي –(ذوات)
كان محمد علي الحامي الأب المؤسس للعمل النقابي في تونس. وإذا كان البطل فرحات حشاد قد أسس "الاتحاد العام التونسي للشغل"، الذي صار اليوم قوة ضاربة لها كلمتها اجتماعياً وسياسياً، فإن الحامي كان الأب الذي زرع البذرة، بذرة العمل النقابي المدافع عن الطبقة الشغيلة، لأول مرة.
نشأته
هو ابن مدينة الحامّة من ولاية قابس الواقعة في الجنوب التونسي. ولد في 15 أكتوبر (تشرين) 1890. فقد والدته باكراً، فانتقل إلى العاصمة ليخوض غمار الحياة ولمّا يبلغ المراهقة بعد. عمل حمالاً في السوق المركزية، ثم خادماً في بيت القنصل النمساوي بنهج "زرقون". وصار سائقه الشخصي بعد حصوله على رخصة سياقة سنة 1908.
وكانت العاصمة تونس تشهد حركة فكرية وثقافية كثيفة في بداية القرن العشرين. وكان محمد علي حاملاً هموم شعبه الذي يرزح تحت نير الاستعمار الوحشي الجاثم على تونس وبلدان عربية كثيرة. ولا شك في أن إقامة الحامي الشاب في العاصمة قد وسعت علاقاته بالمناضلين والسياسيين كالطاهر الحداد رفيقه في النضال، ولعله لامس عن كثب وطأة الاستعمار الفرنسي. وأثرى ثقافته من خلال الأنشطة الفكرية التي تقام في النوادي والجمعيات كجمعية الخلدونية التي ألقى فيها المصلح المصري الكبير محمد عبده محاضرة خلال زيارته الثانية إلى تونس سنة 1903.
وعي مبكر
وكان محمد علي مرهف الحس، شديد التأثر بما يراه يومياً من مظاهر البؤس والفقر والحرمان، التي تسم الحياة في تونس. ولعل ذلك يعكس وعيه المبكر بقضية الإنسان وحقه في عيشة لائقة. يقول عنه الطاهر الحداد في كتابه "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية": "كثيراً ما كنا نتجول في أيام الشتاء والبرد، فيعترضنا النائمون تحت الجدران وحافات الطريق. وكثيراً ما يكونون أطفالاً صغاراً دون سن الرشد، متساندين فوق التراب تدثرهم السماء بأسحبها الماطرة. فكان يقف طويلاً، وهو شاخص البصر، مستبحر الفكر، صامت كالليل. ثم يقول لي: كبراؤنا الذين هم قادة الأمة وأهل الرأي فيها، لا أدري إذا كانوا يشاهدون هذه المرائي الموجعة، أو أنهم الآن في فرشهم الوثيرة مع زوجاتهم وأبنائهم، غارقون في الأحلام، تاركون هؤلاء لحكم الأقدار التي تقضي وحدها في الأمر؟".
وكان محمد علي مؤمناً بأن تغيير هذه الأوضاع البائسة المزرية لا يكون بالتنظير وحده في برج عاجي بعيد عن ألم الناس في الشوارع والساحات، ولكن هذه المسؤولية تقتضي أن يهبط المثقفون من عليائهم لمعايشة الحرمان والفقر من خلال الاحتكاك بالناس احتكاكاً مباشراً، وبث الوعي في أذهانهم وتغيير طرائق تفكيرهم. ويقول عنه الطاهر الحداد في الكتاب نفسه: "ولطالما كان يتأثر، ويلوم كثيراً المفكرين ومن وضعوا أنفسهم في مركز قيادة الأمة، كيف لا يجتمعون بالناس إلا إذا كانوا في ناد خاص، بأسلوب خاص، على منبر خطابة. وهو قدر لا يكفي للتعارف الحقيقي بينهم وبين الأمة. بل ربما جعلها تشعر بتفوقهم عليها، واستحقاقهم للحياة أكثر منها، فتنكسر نفسها أمامهم، وهذا ما يجعلها بعيدة عن إدراك معنى الحرية الحقيقية التي يجتهدون هم في شرح معناها.
جامعة عموم العملة التونسيين
تنقل محمد علي بداية من العام 1911 إلى بلدان كثيرة مثل ليبيا ومصر وتركيا وألمانيا التي أجاد لغتها، ودرس الاقتصاد بإحدى جامعاتها، ثم عاد إلى تونس سنة 1924، بعد غياب دام ثلاثة عشر عاماً. حينها كانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية قاسية، وتحتاج إلى التدخل العاجل. كان العامل التونسي يعاني من التمييز في الأجر مقارنة بالعامل الفرنسي في المؤسسة نفسها. وكان اتحاد النقابات الفرنسية يتجاهل حقوق العمال التونسيين ويعاملهم على أساس أنهم من درجة ثانية، ويركز اهتماماته على العمال الأوروبيين. وبدأ الوعي العمالي يرقى شيئاً فشيئاً، إذ شهدت البلاد موجة من الاضطرابات في صائفة 1924 انطلقت بما يعرف بـ"إضراب عمال الرصيف" في العاصمة الذي امتد أثره نحو بنزرت، مطالبة بالمساواة في الأجور، غير أن السلطات الاستعمارية تعاند وترفض.
حينها أسس محمد علي "لجنة دعاية" عملت على تأطير هذه الإضرابات وتسييرها، توجت بتأسيس محمد علي لأول منظمة عمالية تونسية في سبتمبر (أيلول) 1924، وهي "جامعة عموم العملة التونسيين"، وأسندت الكتابة العامة لمحمد علي نفسه، فبدأ في تأسيس نقابات تابعة لها في صفاقس وقفصة. وكانت أهدافها واضحة في البداية، إذ يقول الفصل الأول من قانونها التأسيسي: "الغرض من جامعة عموم العملة التونسيين أن تجمع الأجراء جميعهم في دائرة اقتصادية، بصرف النظر عن جنسياتهم وأديانهم، للدفاع عن مطالبهم المادية والأدبية، وتنظيمه بجميع الطرق الممكنة". ويظهر جلياً هاجس المساواة بين الفرنسيين والتونسيين في الأجر. وقد نجحت الجامعة في شن جملة من الإضرابات، وعقدت بعض الاجتماعات العامة التي قوبلت بالتعسف والمنع من قبل السلطات الاستعمارية الفرنسية. ورغم أنها لقيت مساندة الحزب الحر الدستوري في البداية، إلا أنه سحب من تحتها البساط بسرعة طمعاً في إصلاحات من الجانب الفرنسي. فعزلت الجامعة، واعتقل محمد علي في ثلة من رفاقه، واتهم أمام المحكمة بـ"التآمر على أمن الدولة". وحكم عليه بالنفي لمدة عشر سنوات.
وفاة غامضة... ومشروع حي
في 10 مايو (أيار) 1928، توفي محمد علي في ظروف غامضة في السعودية في حادث سيارة، وهو في سن مبكرة. ولا تزال المفاوضات جارية إلى حد الآن من أجل استعادة جثمانه ودفنه في تونس، دون أن يلقى ذلك تفاعلاً إيجابياً. ولكن، رغم هذه الحياة القصيرة، فإن محمد علي الحامي قد ترك إرثاً نضالياً ضخماً يدل على أن مشروعه لا يزال حياً في الأذهان، ويكفيه أنه كان زارع الفسيل الأول للعمل النقابي في تونس، والممهد لظهور "الاتحاد العام التونسي للشغل" على يد الزعيم الراحل فرحات حشاد بعد وفاته بسنوات. هو الذي قال عنه في محاضرة ألقاها بباريس سنة 1946 على منبر طلبة شمال إفريقيا المسلمين: "لا أستطيع أن أغفل عن ذكر أبي الحركة النقابية التونسية، ومن زرع البذرة الأولى لهذه الحركة التي نمت وكبرت، إذ كان غرسها بيد حكيم. وإن أثر المرحوم محمد علي الجريء وتضحيته الكامل، مقروناً بما تدين به له من إخلاص وعميق اعترافنا بالجميل". ويضيف حشاد: "أجل، إنه دون شك لواجب أكيد على الكاتب العام للاتحاد العام التونسي للشغل أن يمجد حياة من كان منشئ الحركة النقابية بالبلاد التونسية، الذي كافح من أجله مثله الأعلى بعقيدة لا تتزعزع، ودافع عن القضية النقابية حتى التضحية العظمى. وإن اتحادنا العام الذي له أسمى الشرف بأن كان وريث المنظمة التي أسسها المرحوم محمد علي سيبرهن كيف كان جديراً بهذا التراث".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري




