مكسيم غوركي يرفع "الأم" إلى مصاف القدّيسين ومحرّكي التاريخ
18 اغسطس 2015 | 0 تعليق

غلاف رواية "الأم" لمكسيم غوركي – (أرشيفية)
ذوات

سيظل، إلى زمن بعيد، يُنظر إلى الأديب الروسي مكسيم غوركي، باعتباره واحداً من ألمع الأدباء الثوريين الذين مزجوا الكفاح بالكتابة، وجعلوا الحروف منائر للحق وللدفاع عن المستضعفين.

غوركي، في رائعته "الأم" أثبت قدرة الأدب الواقعي على تضميد جراحات البشر، وشفاء نفوسهم من السقم والألم والظلم.

وما لقبه "غوركي" الذي يعني "المر"، إلا اشتقاق من مرحلة معتمة هيمنت على بلاده أثناء الحكم القيسري.

اسمه الحقيقي هو أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف، ويعد في نظر الدارسين، مؤسس مدرسة الواقعية الاشتراكية التي تجسد النظرة الماركسية للأدب، حيث يرى أن الأدب مبني على النشاط الاقتصادي في نشأته ونموه وتطوره، وأنه يؤثر في المجتمع بقوته الخاصة، لذلك ينبغي توظيفه في خدمة المجتمع.

ولد "غوركي" في نجني نوفجراد عام 1868، وأصبح يتيم الأب والأم، وهو في التاسعة من عمره، فتولت جدته تربيته، وكان لهذه الجدة أسلوب قصصي ممتاز، مما صقل مواهبه القصصية. وبعد وفاة جدته تأثر لذلك تأثراً كبيراً، ما جعله يحاول الانتحار. هام بعد ذلك مشياً على قدميه في أنحاء الإمبراطورية الروسية، لخمس سنوات غيّر خلالها عمله عدة مرات، وجمع العديد من الانطباعات التي أثرت بعد ذلك في أدبه.

كان، بحسب مؤرخي سيرته، صديقاً لـ لينين الذي التقاه عام 1905. توفي ابنه مكسيم بشكوف عام 1935، ثم توفي هو في 18 كانون الثاني (يناير) 1936 في موسكو، وسط شكوك بأنهما ماتا مسمومين. سميت مدينة نجني نوفجراد التي ولد فيها باسمه "غوركي" منذ عام 1932 حتى عام 1990.

ومن وحي الثورة الروسية، راح غوركي يكتب الروايات والمسرحيات والقصائد، لكنّ درّته المتلألئة دوماً هي روايته الملحميّة "الأم".

تبدأ الرواية مع مطلع يوم عمل في أحد المصانع صباحاً. وتصف كيف يقوم العمال بتلبية النداء صاغرين لما هو مفروض عليهم القيام به من أعمال. أوصاف العمال وكيف يلبون النداء صوّرها غوركي بحرفية اعتماداً على رؤيته ومشاهداته للعمال، وهو عامل في شبابه. وأجاد تصوير لحظة انتهاء العمل في هذا المصنع. فالعمال بعد انتهائهم من أعمالهم يُطردون إلى بيوتهم أو للشوارع، وقد أسودت وجوههم، فيما أجسامهم تفوح منها رائحة الزيت والقذارة.

في بيت أحد عمال المصنع تدور الرواية. ميخائيل فلاسوف رجل طاعن في السن وميكانيكي من عمال المصنع، تتطابق تصرفاته مع أفراد عائلته بتصرف رب العمل مع العمال. سكير وعربيد لا يعرف من الحياة سوى التفنن والإبداع في ضرب زوجته بيلاجيا نيلوفنا، وهي بطلة الرواية، الأم.

في هذا البيت يسير الابن بافل أحد أبطال الرواية الأساسيين على سيرة أبيه في العربدة والسكر، إلا أنه يتغير بعد وفاة الأب. يتجه للقراءة ، حتى شكت الأم بأن ابنها سلك طريق الرهبنة. ولم تدر بأنه يقرأ كتباً ممنوعة تدعو للثورة على أرباب العمل والدعوة للاشتراكية. كانت الفكرة المطروحة في عقل بافل بأنه إذا أردنا معرفة البؤس في الحياة وما يعانيه الفقراء من ظلم يجب أن ندرس أولاً ثم نعلّم الآخرين، خصوصاً العمال. ويجب أن نبحث عن مصادر هذا الشقاء والبؤس لإزالته. وكيف يجب أن يعيش الناس اليوم، لا كيف كانوا يعيشون في الماضي.

يبدأ بافل بتشكيل جماعة ثورية تتألف من الفقراء والعمال المعدمين في منزله. يأخذهم الحديث باتجاه الاتفاق على أهم المبادئ التي يجب الالتزام بها. في هذا الجو القائم على الحوار الساخن والحاد أحياناً بين أطراف الجماعة، تتعرف الأم على شخصيات فقيرة تدعو للحياة، ملتزمة بخط لا يمكن الحياد على تنفيذه. هي أميّة ولا تعرف بالتحديد عمّ يتحدثون، ولكن عاطفة الأمومة أخبرتها بأن ابنها كرس نفسه لقضية جوهرية تصب في مصلحة الإنسان الروسي والعامل الروسي.

 على الرغم من قلق الأم على مصير ابنها، إلا أنها تفخر بابنها وهي تشاهده يترأس الاجتماعات ويتحدث بأشياء لا تفهمها. ولكنها لم تكن أمه وحده.. كانت أماً لجميع أصدقائه الذين يجتمعون في بيتها: كان حنانها كأم يفيض عليهم جميعاً ويحيط بهم، تمنحهم الدفء والحنان، ويمنحونها معنى جديداً للحياة. فيأخذها النقاش معهم، وتقرر الدخول في هذه الجماعة، مرغمة بعاطفة الأمومة.

كان بافل وأعضاء الجماعة الثورية يطبعون المنشورات ويوزعونها بين العمال. ورغم خطورة هذا الفعل وتربص الجواسيس بهم، إلا أنهم قرروا مواصلة عملهم حتى آخر الطريق، لا يحيدون عن الفكرة، والإيمان بقضية العمال المهدورة. كان بافل يهيئ أمه لتلك الساعة التي سيعتقلونه فيها. كان يرفض حتى أن تعبّر أمه عن مشاعرها وخوفها، ويعتبر ذلك حجر عثرة في سبيل تحقيق هدفه السامي، من دون أن يفهم أن مشاعر الأم هي أسمى وأهم من أية قضية أخرى.

عندما سجن ابنها تابعت الأم مسيرته، وأصبحت توزع المناشير مع أصدقائه. بدأت الرواية والأم خائفة ومتوجسة من أصدقاء ابنها، ثم تعاطفت معهم ومع قضيتهم، وفي النهاية تبنت هي القضية وأصبحت كغيرها من الرفاق المناضلين من أجل القضية.

مقتطفات من الرواية:

"في كل يوم، في دخان زيت الضاحية العمالية ورائحته، كانت صافرة المعمل تزأر وترتعش.

وكالصراصير المروعة، يخرج على عجل، ومن منازل صغيرة رمادية، رجال كئيبو الوجوه، ما يزالون هالكي العضلات. في الظهيرة الباردة، ينطلقون في الشوارع غير المبلطة، نحو القفص الحجري الشاهق الذي ينتظرهم بهدوء ولامبالاة، بعيونه المربعة اللزجة التي لا عدّ لها ولا حصر".

"تحت أقدامهم يفرقع الوحل، وهتافات مبحوحة، هي هتافات الأصوات النعسى كانت تسعى لاستقبالهم، وسباب بذيء كان يمزق الهواء، ثم تأتي أصوات أخرى الآن، هي ضجيج الآلات الأخرس وبغام البخار."

"وعلى الضاحية تشرف المداخن العالية السوداء، عبوسة قاتمة، كالأعمدة الجبارة. وفي المساء عندما تغرب الشمس، وتلمع أشعتها الحمراء على زجاج النوافذ، نوافذ البيوت، يقيء المعمل من أحشائه الحجرية، حثالاته البشرية، وينتشر من جديد في الشوارع، العمال الملطخو الوجوه بسواد الدخان، العمال ذوو الأسنان اللامعة، أسنان الجياع، ينتشرون ليثقلوا الهواء بالعبق الرطب، عبق زيوت الآلات".

"إن أصواتهم تنطلق الآن نشيطة، بل فرحة، فلقد انتهت سخرة اليوم، وفي المنازل ينتظرهم العشاء والراحة."

"لقد ابتلع المعمل النهار، وامتصت الآلات من عضلات الرجال ما تحتاج من قوى، وامّحى هذا النهار دون أن يترك وراءه آثاره، وخطا المرء نحو قبره خطوة...ولكن عذوبة الراحة بدت له قريبة المنال، وكذلك لذة الملهى العابق بالدخان... وإنه لسعيد من أجل ذلك"

"وفي أيام الأعياد ينام الناس حتى العاشرة، ثم يرتدي المترفون منهم والمتزوجون أبهى الملابس، ويذهبون الى الصلاة، وهم ينعون على الشباب استهتاره بالأمور الدينية، وعندما يعودون من الكنيسة، يأكلون ثم يستسلمون إلى الرقاد حتى المساء."

"ولما كان الإنهاك المتكدس خلال السنين يفسد الشهية، فإن الكثيرين منهم يلجأون إلى الشرب، ليثيروا نشاط أمعائهم بالاحتراقات الكحولية الحادة."

"وفي المساء يتنزهون في الشوارع بكسل، يلبس الذين يملكون جزمات جزماتهم، حتى ولو كان الطقس صحواً، ويحمل الذين يملكون مظلات مظلاتهم، حتى ولو كانت الشمس مشرقة.وعندما يتلاقون يتحدثون عن المعمل، عن الآلات، ويكيلون الشتائم لرؤسائهم، إن أحاديثهم وأفكارهم لا تتعدى الأشياء المتعلقة بالعمل، وقليلاً ما تندّ خاطرة مسكينة سيئة الأداء، فتلقي التماعة فريدة في رتابة أيامهم الدكناء. وعند العودة يتجادلون مع نسائهم، ويضربونهن غالباً دون أن يزعجوا قبضاتهم"..!!

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق