قدر العلم ومنازله عند الغزالي
15 اغسطس 2015 | 0 تعليق

محمد بوشيخي - ذوات

اختلفت العلوم، منذ بزوغ شمسها، بحسب حاجة الإنسان إليها وطرائق تحصيلها ومردودية إعمالها؛ فكان منها ما يغدي حاجته الروحية وأخرى مستلزماته البدنية بينما انفرد بعضها بتنظيم حياته الاجتماعية. وإذا كانت التكنولوجية قد زادت العلم الحديث تشظيا وفتحت أمام الإنسان فضاءات جديدة للنظر والتقدير، فإن التاريخ الإنساني، ومنه تاريخنا الإسلامي، شهد عبر مراحل تطوره إفراز أنماط من العلوم ساهمت بأقدار متفاوتة في صياغة نظرتنا المعاصرة للحياة وتشكيل منظومة قيمنا ومحددات سلوكنا ومواقفنا ومرجعياتها.

ومن النصوص التراثية المتحدثة عن قدر العلم ومنازله، نعثر على النص أسفله، الذي كتبه أبو حامد الغزالي في كتاب "المستصفى من علم الأصول"، جاء فيه إن "أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع" وجعل منها علم أصول الفقه، الذي انشغل به في عنفوان شبابه قبل انصرافه لعلوم الباطن، كما يتحدث -وهو الفقيه الموسوعي- عن خصوصيات المعارف الدينية والدنيوية ونوع اهتمامات أهلها واختلافاتهم الوظيفية.

 "تناطق –[على التوافق]-، قاضي العقل، -وهو الحاكم الذي لا يعزل ولا يبدل-، وشاهد الشرع، -وهو الشاهد المزكى المعدل- بأن الدنيا دار غرور، لا دار سرور، ومطية عمل، لا مظنة كسل، ومنزل عبور، لا متنزه حبور، ومحل تجارة، لا مسكن عمارة، ومتجرة بضاعتها الطاعة، وربحها الفوز يوم الساعة.

والطاعة طاعتان: عمل وعلم.

والعلم أنجحها وأربحها، فإنه –أيضا- من العمل، ولكنه عمل القلب، الذي هو أعز الأعضاء، وسعي العقل، الذي هو أشرف الأشياء، لأنه مركب الديانة، وحامل الأمانة، المعروضة على الأرض والجبال والسماء، فأشفقن من حملها، وأبين أن يحملنها غاية الإباء.

ثم العلوم ثلاثة:

- عقلي محض، لا يحث الشرع عليه، ولا يندب إليه، كالحساب، والهندسة، والنجوم، وأمثاله من العلوم، فهي بين ظنون كاذبة [لا ثقة بها] -وإن بعض الظن إثم-. وبين علوم صادقة لا منفعة لها، ونعوذ بالله من علم لا ينفع.

 وليست المنفعة هي الشهوات الحاضرة، والنعم الفاخرة، فإنها فانية داثرة، بل النفع ثواب دار الآخرة.

- ونقلي محض، كالأحاديث والتفاسير، والخطب في أمثالها يسير، إذ يستوي في الاستقلال بها الصغير والكبير، لأن قوة الحفظ كافية في النقل، [فليس فيه] مجال للعقل.
- فأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو [الشرع والعقل] سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول، حيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد، الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد.

 ولأجل شرف علم الفقه وسببه، وفر الله دواعي الخلق على طلبه، وكان العلماء به أرفع العلماء مكانا، وأجلهم شأنا، وأكثرهم أتباعا وأعوانا.

 فتقاضاني في عنفوان شبابي [لما رأيت] اختصاص هذا العلم بفوائد الدين والدنيا، وثواب الآخرة والأولى أن أصرف إليه من مهلة العمر صدرا، وأن أخص به من متنفس الحياة قدرا.

 فصنفت كتبا كثيرة في فروع الفقه وأصوله.

 ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة، ومعرفة أسرار الدين الباطنة، فصنفت فيه كتبا بسيطة، ككتاب "إحياء علوم الدين" ووجيزه ككتاب "جواهر القرآن" ووسيطة ككتاب "كيمياء السعادة".

 ثم ساقني قدر الله –تعالى- إلى معاودة التدريس والإفادة فاقترح علي طائفة من محصلي علم الفقه تصنيفا في "أصول الفقه" أصرف العناية فيه إلى التلفيق بين الترتيب والتحقيق، وإلى التوسط بين الإخلال والإملال، على وجه يقع في الحجم، دون كتاب "تهذيب الأصول" لميله إلى الاستقصاء والاستكثار، وفوق كتاب "المنخول"، لميله إلى الإيجاز والاختصار.

 فأجبتهم إلى ذلك، مستعينا بالله، وجمعت فيه بين الترتيب والتحقيق، [الترتيب للحفظ، والتحقيق] لفهم المعاني، فلا مندوحة لأحدهما على الثاني، فصنفته وأتيت فيه بترتيب لطيف عجيب، يطلع الناظر -في أول وهلة- على جميع مقاصد هذا العلم، ويفيده الاحتواء على جميع مسارح النطر فيه، فكل علم لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه، فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومباغيه - وقد سميته "كتاب المستصفى من علم الأصول" (...)

اعلم: أن العلوم تنقسم إلى:

- عقلية، كالطب والحساب، والهندسة.

 وليس ذلك من غرضنا.

- وإلى دينية، كالكلام، والفقه، وأصوله، وعلم الحديث، وعلم التفسير، وعلم الباطن -أعني علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة-.

 وكل واحد من العقلية والدينية ينقسم إلى كلية وجزئية. فالعلم الكلي من العلوم الدينية، هو الكلام.

 وسائر العلوم من الفقه، وأصوله، والحديث، والتفسير، علوم جزئية.

 لأن المفسر لا ينظر إلا في معنى الكتاب خاصة، والمحدث لا ينظر إلا في طريق ثبوت الحديث خاصة، والفقيه لا ينظر إلا في أحكام أفعال المكلفين خاصة، والأصولي لا ينظر إلا في أدلة الأحكام الشرعية خاصة.

 والمتكلم هو الذي ينظر في أعم الأشياء، وهو الموجود.

 فيقسم الموجود –أولا- إلى قديم ومحدث

 ثم يقسم المحدث إلى: جوهر وعرض

 ثم يقسم العرض إلى:

- ما تشترط فيه الحياة، كالعلم، والإرادة، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر

- وإلى ما يستغني عنها، كاللون، والريح، والطعم

 ويقسم الجوهر إلى: الحيوان، والنبات، والجماد

ويبين أن اختلافها بالأنواع أو بالأعراض

ثم ينظر في القديم، فيبين أنه لا يتكثر ولا ينقسم انقسام الحوادث، بل لا بد أن يكون واحدا، وأن يكون متميزا عن الحوادث بأوصاف تجب له، وبأمور تستحيل عليه، وأحكام تجوز في حقه ولا تجب ولا تستحيل، ويفرق بين الجائز والواجب والمحال في حقه.

 ثم يبين أن أصل الفعل جائز عليه، وأن العالم [من] فعله الجائز، وأنه لجوازه افتقر إلى محدث، وأن بعث الرسل من أفعاله الجائزة.

 وأنه قادر عليه، وعلى تعريف صدقهم بالمعجزات، وأن هذا الجائز واقع.

 وعند هذا ينقطع كلام المتكلم، وينتهي تصرف العقل.

 بل العقل يدل على صدق النبي، ثم يعزل نفسه، ويعترف بأنه يتلقى من النبي –بالقبول- ما يقوله في الله واليوم الآخر، [مما لا يستقل العقل بدركه]، ولا يقضي –أيضا- باستحالته.

 [فلا يرد الشرع بما يخالف العقل، لكن يرد بما يقصر العقل، عن الاستقلال بإدراكه، إذ العقل قد لا يستقل] بإدراك كون الطاعات سببا للسعادة في الآخرة، وكون المعاصي سببا للشقاوة، لكنه لا يقضي باستحالته –أيضا-، ويقضي بوجوب صدق من دلت المعجزة على صدقه، فإذا أخبر [الرسول] عنه، صدق العقل به بهذا الطريق.

 فهذا ما يحويه علم الكلام.

 فقد عرفت من هذا، أنه يبتدئ نظره في أعم الأشياء –أولا- وهو الموجود.

 ثم ينزل بالتدريج إلى التفصيل الذي ذكرناه، فيثبت فيه مبادئ سائر العلوم الدينية، من الكتاب والسنة وصدق الرسول.

 فيأخذ المفسر من جملة ما نظر فيه المتكلم واحدا خاصا، وهو الكتاب، فينظر في تفسيره.

 [ويأخذ المحدث] واحدا خاصا، وهو السنة، فينظر في طرق ثبوتها.

 والفقيه يأخذ واحدا خاصا، وهو فعل المكلف، فينظر في نسبته إلى خطاب الشرع، من حيث الوجوب والحظر والإباحة.

 ويأخذ الأصولي واحدا خاصا، وهو قول الرسول الذي دل المتكلم على صدقه، فينظر في وجه دلالته على الأحكام، إما بملفوظه، أو بمفهومه، أو بمعقول معناه ومستنبطه.

 ولا يجاوز نظر الأصولي قول الرسول -عليه السلام- وفعله، فإن الكتاب إنما يسمعه من قوله، والإجماع يثبت بقوله. (...)

مقدمة الكتاب:المقدمات المنطقية (مدارك العقول) – الحد، - البرهان المستصفى

نذكر في هذه المقدمة: مدارك العقول، وانحصارها في الحد والبرهان.

 ونذكر شرط الحد الحقيقي، وشرط البرهان الحقيقي، وأقسامهما على منهاج أوجز مما ذكرناه في كتاب "محك النظر" وكتاب "معيار العلم ".

وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها، فلا ثقة له بعلومه –أصلا-.

 فمن شاء أن لا يكتب هذه المقدمة فليبدأ بالكتاب من القطب الأول، فإن ذلك هو أول أصول الفقه.

 وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة كحاجة أصول الفقه...

 

اعلم: أن إدراك الأمور على ضربين:

-إدراك الذوات المفردة، كعلمك بمعنى الجسم، والحركة، والعالم، والحديث، والقديم، وسائر ما يدل عليه بالأسماء المفردة.

-الثاني: إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض، بالنفي أو الإثبات.

فإنك تعلم –أولا- معنى لفظ "العالم"، وهو أمر مفرد، ومعنى لفظ "الحادث"، ومعنى لفظ "القديم"، وهما -أيضا- أمران مفردان، ثم تنسب مفردا إلى مفرد [بالنفي أو الإثبات]، كما تنسب القدم إلى العالم بالنفي فتقول: "ليس العالم قديما"، وتنسب الحدوث إليه فتقول: "العالم حادث".

والضرب الأخير هو الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب.

وأما الأول، فيستحيل فيه التصديق والتكذيب؛ إذ لا يتطرق التصديق إلا إلى خبر، وأقل ما يتركب منه جزآن مفردان، وصف وموصوف، فإذا نسب الوصف إلى الموصوف بنفي أو إثبات صدق أو كذب.

فأما قول القائل: حادث، أو جسم، أو قديم، [فأفراد، ليس فيها] صدق ولا كذب.

ولا بأس أن يصطلح على التعبير عن هذين الضربين بعبارتين مختلفتين، فإن حق الأمور المختلفة أن تختلف ألفاظها الدالة عليها؛ إذ الألفاظ مثل المعاني، فحقها أن تحاذى بها المعاني.

وقد سمى المنطقيون معرفة المفردات "تصورا"، ومعرفة النسبة الخبرية بينهما "تصديقا" فقالوا: العلم: إما تصور وإما تصديق.

وسمى بعض علمائنا الأول: "معرفة" والثاني: "علما"، تأسيا بقول النحاة في قولهم: المعرفة تتعدى إلى مفعول واحد، إذ تقول: عرفت زيدا، والظن يتعدى إلى مفعولين، إذ تقول: "ظننت زيدا عالما"، ولا تقول: "ظننت زيدا"، ولا تقول "ظننت عالما"، والعلم من باب الظن، فتقول: "علمت زيدا عدلا".

والعادة في هذه الاصطلاحات مختلفة، وإذا فهمت افتراق الضربين فلا مشاحة في الألقاب.

 فنقول الآن: إن الإدراكات صارت محصورة في المعرفة والعلم أو في التصور والتصديق.

 وكل علم تطرق إليه تصديق، فمن ضرورته أن يتقدم عليه معرفتان، أي: تصوران، فإن من لا يعرف المفرد، كيف يعلم المركب! ومن لا يفهم معنى العالم. و[معنى] الحادث، كيف يعلم أن العالم حادث!

 ومعرفة المفردات قسمان:

-أولي: وهو الذي لا يطلب بالبحث، وهو الذي يرتسم معناه في النفس من غير بحث وطلب، كلفظ الوجود والشيء. وككثير من المحسوسات.

-ومطلوب: وهو الذي يدل اسمه منه على أمر جملي غير مفصل ولا مفسر، فيطلب تفسيره بالحد.

وكذلك العلم ينقسم إلى:

- أولي كالضروريات

- وإلى مطلوب، كالنظريات

والمطلوب من المعرفة لا يقتنص إلا بالحد

والمطلوب من العلم -الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب- لا يقتنص إلا بالبرهان

 فالبرهان والحد هو الآلة التي بها يقتنص سائر العلوم المطلوبة.

فلتكن هذه المقدمة -المرسومة لبيان مدارك العقول- مشتملة على دعامتين: دعامة في الحد، ودعامة في البرهان.

 

المستصفى من علم الأصول، أبو حامد الغزالي (450-505)، تحقيق حمزة بن زهير حافظ، ص 2-34

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق