الإسلام وآفاق الاستثمار في السوق الرمزيّة
05 اغسطس (آب) 2014 23:00 | 0 تعليق

تظاهرة منددة بتشويه صورة الإسلام -(أرشيفية)
ذوات

يطرح الباحث التونسي عمار بنحمودة في دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بعنوان "الإسلام وآفاق الاستثمار في السوق الرمزيّة: من المحاكاة إلى التلقّي"، أهمّ عوائق تسويق الإسلام في السوق الرمزيّة من خلال رصد مظاهر الانغلاق وهيمنة أشكال التديّن القديمة التي تحوّلت فيها الطقوس إلى ممارسات شكلانيّة مفرغة من المحتوى الروحي والمضمون القيمي، وتتعمّق في تفكيك المنظومة اللاهوتيّة القديمة التي تمزّقها الصراعات الطائفيّة، ويتولّى زمام الأمر الدينيّ فيها أئمّة ودعاة فقدوا كلّ أشكال التواصل الحديث مع جماهيرهم.

ويحاول بنحمودة في الدراسة تقديم تصوّر للحلول الممكنة التي تتيح للإسلام أن يخرج من طور "السمعة السيئة" التي قضت بكساد بضاعته إلى إسلام تحت الطلب يستجيب إلى حاجات المستهلك الرمزي ويلبّي آفاق انتظاره.

وبين الباحث في بداية دراسته، أن الفكر الإنساني المعاصر عرف تصوّرات مختلفة حاولت مقاربة المقدّس عامة والفكر الديني خاصة، وكانت خلاصة تلك الجهود محاولة فهم الظاهرة وإنزالها من برجها العاجي الذي تعالت به منتسبة إلى عالم السماء، وتفكيك آليات التأثير التي مارستها في علاقتها بالمتديّنين، حتى انتهى كثير من الأبحاث إلى رصد المقدّس في تجلياته، وربط بينه وبين البنى الاجتماعية والواقع التاريخي الذي نشأت فيه، وحاول تفسير تلك الآليات بمعايير عقلانية وأخرى غير عقلانية.

وينوه الباحث إلى أن حاجات المتديّن المعاصر تغيرت، فلم يعد يقبل بالوصاية الفكرية وما عاد يطمئن إلى إجابات جاهزة لأسرار الوجود، وما عادت تستهويه أساليب الكتب المقدّسة في القصّ زمن ثورة الصورة.

وانطلاقاً من ذلك، فالحفاظ على الأشكال القديمة للتدين صار، وفق الباحث، أمراً غير ممكن، وانتهاج تلك الصرامة الفقهية في فرض تعاليم الدين على المتديّن صارت مدعاة للنفور منه، فلابدّ من الوعي بأنّ الحاجات المعاصرة للدين صارت تتّجه إلى المجالين؛ الوجودي والنفسي.

ويرى الباحث أن القدرة التنافسيّة للدين في المجال السياسي صارت ضعيفة، ولم يعد من الممكن إقناع المتلقي أنه لا يزال في الكون بشر يحكمون باسم الله؛ فقد أتى على المسلمين حين من الدهر أيقنوا فيه أنّ استعادة أشكال الحكم القديمة ما عادت ممكنة زمن انفتاح الوعي الإنساني على نُظُم سياسية تحترم إرادة الإنسان وحريته وتستوعب كثيراً من اختلافاته.

أما في المجال الثقافي، فلا تزال بعض أشكال التديّن، بحسب ما أورد الباحث في الدراسة، في عداء مع الفنون، مثل المواقف الإسلامية المتشدّدة من الرسم والنحت والمسرح والسينما والغناء، في زمن تخترق فيه الموسيقى الكرة الأرضية في لمح البصر، وتفعل السينما في النفوس فعل السحر، ويخلّد المسرحيون خلود العظماء من الإنسانية، فما عاد من الممكن تجاهل القيمة الحقيقية للإبداع الفني.

أشكال التدين السائدة عند المسلمين، ساهمت أيضاً في إظهار الإسلام دين طقوس تعطل السلوك اليومي للإنسان

وبيّن الباحث أن التسويق لدين عربي لا يعترف إلاّ بلغته، ويتعالى به العِرق العربي على سائر الأعراق لم يعد أمراً مقنعاً؛ فمشروع الإسلام الجديد تستوي فيه كلّ الأعراق ويعمل بمبدأ "لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى"، ولا بدّ لهذا التديّن الذي نسوّقه أن يكون عابراً للقارات متحدثاً بكل اللغات متلوّناً بحسب العادات والتقاليد متنوعاً بحسب الحضارات.

ويرى الباحث أن الدين متعدد الجنسيات قابل للتلوّن بالإرث الحضاري للشعوب متفاعل مع عاداتها، وليس ديناً ثابتاً يقف المسلم فيه عند أبسط مظاهر الاختلاف في أشكال التدين، ليكفّر ويخرج من ركب المؤمنين ممّن كيّفوا تدينهم لحضاراتهم.

ويتابع أن أزمة الفكر الإسلامي مثقل بإرث فقهي تدخّل في أبسط الأنشطة الإنسانية، يرافق المسلم في حِلّه وترحاله في اجتماعاته وخلواته، حتى صار يحدّد خطواته ويحدّ من حريته، وأنه صيغ زمن الغلبة العسكرية والسياسية وهيمنة الحقيقة الواحدة، حين لم يكن التعدّد أمراً مفكراً فيه، وهو تدين ما عاد قادراً على البقاء زمن يقظة الوعي الإنساني على الحرية، وأول شروط الانتقال أن يتحول مفهوم التدين من إطاره الطقوسي الضيق ونواميسه التشريعية والجزائية إلى إطاره الوجودي والعملي، لكي يصير وسيلة مساعدة للإنسان المعاصر على تحقيق ذاته بدل أن يكون عامل استلاب واغتراب.

ويقف الباحث في دراسته عند الأسباب التي جعلت سمعة الإسلام "سيئة"؛ ففي محاولة رصد أسباب تشكل تلك الصورة نجد أنّ الصورة السائدة عن الإسلام تظهره ديناً عنيفاً لا يؤمن معتنقوه بالوسائل السلمية، فهم إرهابيون بالقوة متى وجدوا الفرصة سانحة للانتقام من الغرب فعلوا، وحُلمهم الأكبر أن يبيدوا شعوباً بأسرها ليعيشوا مطمئنين.

ولا علاج لتلك الصورة المثيرة لخوف الآخرين، بحسب الباحث، سوى التأكيد على الوجه المتسامح للإسلام وتجنب العنف سبيلاً للدفاع عن القضايا التي يؤمن بها المسلمون، فلو أرادوا العنف سبيلاً فلا بد أن يتّخذوا أسبابه ويجدوا آليات عقلانية ليصيروا في صف الكبار، وأمّا عنف الضعفاء فوبال على المسلمين وحجة للآخرين من أجل تبرير عدوانهم.

ويضيف الباحث أن أشكال التدين السائدة عند المسلمين، ساهمت أيضاً في إظهار الإسلام دين طقوس تعطل السلوك اليومي للإنسان، لتؤبّد عبوديته للقوى الغيبية، ولذلك فهذه الأشكال الموروثة من التدين مسؤولة عن التخلف الذي آل إليه وضع المسلمين في زمن صار الناس يقدّسون فيه الزمن، وهي مسألة تحرج الوعي الإسلامي لاتصالها بمقدسات لا يستقيم الإسلام دونها حسب ما هو سائد عند المسلمين.

ولجعل الإسلام ديناً قادراً على إقناع المتديّن المعاصر يتطلب، بحسب الدراسة، انتقاله من طور دين تسيطر عليه أشكال التدين القديمة القائمة على المحاكاة إلى ثقافة وحضارة تفتح المجال للمفكرين والفلاسفة والمبدعين للتفكير فيه وتطوير منظومته، إذ لا يمكن أن تختزل صورة المسلم في تطبيق الطقوس من عدمه، وإنّما في التفكير داخل النسق الإسلامي القابل للتوسّع أو خارجه، فمن حقّ المسلم الحفاظ على كلّ أشكال التدين التي يؤمن بها ما لم تخالف شرط احترام الاختلاف، ولكن تسويق الإسلام يتطلب القبول بإسلام حضاري تتبدل أشكاله بتبدل الثقافات والأمم.

ويخلص الباحث إلى أن الأزمة الحقيقية في الدول الإسلامية هي أنّ حجم العناية بمراكز البحوث الاستراتيجية لا يزال دون ما يطمح إليه هذا المشروع النظري، ومادام هاجس البحث هو تصوّر الإسلام في المستقبل، فلابدّ أن يتجاوز حدود المحاولات الفردية المعزولة إلى طور المأسسة.

 لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق