المقدس والبشري
23 سبتمبر (أيلول) 2014 08:25 | 0 تعليق

د. حيدر البستنجي*

هل يمكن الجمع بين تيارات تحمل الصبغة الدينية ومنطق حكم الأغلبية انتخابياً؟ ألن تحاول هذه التيارات صبغ حياتنا بعد فوزها بما تحمله من رؤى وأفكار، بالرغم من عجزها تقديم تصور حداثوي لمشكلات الدولة والمجتمع. وهل تستطيع أو حتى ترغب بالانتقال من المقدس إلى البشري، من السماء إلى الأرض أو بالأحرى من المطلق إلى المواطن الذي أصبح يؤمن بلغة العصر واشتراطاته معلياً حرية المعتقد ومعيداً تعريف الدولة على أساس مبدأ المواطنة وفصل السلطات مروراً بحكم الشعب كقيمة عليا وليس انتهاءً بالحرية الفردية التي تعني أولاً وقبل كل شيء التحرر من السلطة التعسفية للدولة القمعية أو حتى سلطة القداسة لمن يعتبرون أنفسهم وكلاء عن إرادة الله في الأرض، فيوزعون صكوك الجنة والنار .

السؤال إذن: هل فى الإمكان رفع التناقض بين المطلق والنسبى؟ حيث إن الحياة اليومية ضمن المنظورالاجتماعي أو السياسي هى ممارسة نسبية، وهي بحث عن توافقات ومقاربات كلها تدور في الإطار النسبي وبذلك يتوجب على الإنسان من حيث هو كائن اجتماعي أو حيوان سياسي مواجهة تناقضات الحضارة الإنسانية في محاولة لتأمين بقائه وضمان تقدمه.

وتأسيساً على ذلك، يمكن القول إن ما يحدث من صدام الآن بين من يحاولون لَيّ عنق التاريخ وتأصيل الفهم القاصر للمطلق كطريق للخلاص ومن يحاول من جهة أخرى الدفاع عن شرطه الإنساني وتأمين أسباب وجوده وحل الإشكالات اليومية بعيداً عن وهم الخلاص النهائي واشتراطاته. وإذا كان المقدس ملازماً للدين، أي دين، فإن ما يخلصنا في نهاية الأمر هو عملنا نحن كأفراد وليس قائداً ملتحياً يعدنا بالجنة ويقود أيامنا للشقاء، ويصبح القائد الذي يبني ويوفر المناخ المناسب للعمل والتقدم وبناء الشخصية السوية مقدماً وضرورة على أوهام استغلال الدين وتغذية الغرائز الجمعية وزرع عقلية القطيع وكأنها طريق النجاة.

بالعودة إلى واقع الحال، فإن السؤال ليس عبثياً بالمطلق؛ فمع إزهار الثقافة الأصولية وتعثر التنمية الاقتصادية وتدهور البناء العربي وغياب أفق للنهوض من خبث التاريخ وسطوة أوهامه، يصبح الحديث عن طرق إزالة البؤس وإعادة المنطقة إلى طريق الأمل شرطه الأساس حل التناقض الظاهري بين المقدس والبشري وإعادة تموضع كل منهما في مكانه الصحيح في سيرورة الجماعات والأفراد على حد سواء.

عموماً أصبح على المثقف العربي خوض حرب مزدوجة ضد أنظمة استبدادية تلوث اليومي وتعكر النسبي وتمنع التطور الطبيعي، وكذلك ضد بديل عبثي يروج للمقدس والمطلق كطريق للخلاص دون فهم لروح العصر أو اشتراطاته، وهو أي المثقف الغلبان يقبع أثناء حربه المزدوجة داخل صندوق يحوي الكثير من أفاعي التخلف والجهل والانعزال . وعليه أن يمتنع عن الصمت مهما كانت التحديات لأنه ليس فى إمكانه أن يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الخراب العميم، وهنا يصبح السؤال: هل تنجح الثقافة بإزالة هذا البؤس المزدوج؟

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق