خير الدين التونسي: العدل مفتاح الإصلاح والنهضة
14 مايو (أيار) 2014 15:02 | 0 تعليق |
خير الدين التونسي - (أرشيفية)
الرباط - ذوات

 لم يكن لتبادر إلى ذهن خير الدين ذلك الفتى الشركسي الأصل أن يكون يوماً ما شخصيّة تاريخيّة مؤثّرة، وعلماً من أعلام التنوير والنهضة العربيّين. فقد ذاق مرارة اليتم والاختطاف والعبوديّة، وهو بعد طفل صغير. إذ شاءت الصدف أن يتزامن مولده في إحدى قرى جبال القوقاز سنة 1237 هـ/1822م مع صراع محتدّ بين السلطنة العثمانيّة وروسيا، وهو ما تسبّب في هلاك والده.

وأعقب ذلك أسرُه أيضاً جرّاء غارة من الغارات على قريته، فاقتيد ليباع في سوق العبيد باسطنبول ويشتريه نقيب الأشراف تحسين بك ويسخّره لخدمته، قبل أن يقوم بإهدائه إلى حاكم تونس، آنذاك، أحمد باشا باي سنة 1255هـ/1839م وهو في السابعة عشر من عمره ليحطّ الرحال في قصره (وفي بعض الروايات باعه فاشتراه رجال أحمد باشا باي).

وأحدث هذا منعرجاً محموداً في حياته لأنّ الباي وقف على ما يتمتّع به الفتى من نبوغ وذكاء فقرّبه إليه وحرص على تربيته وتعليمه باللغتين العربيّة والفرنسيّة فنال حظّاً من العلوم الدينيّة واللغويّة والعلوم العصريّة. وإثر انتهاء دراسته انضمّ إلى الجيش وأظهر مهارة وحنكة، واستفاد من وجود مدرّبين فرنسيّين مكّنوه من إتقان فنون الحرب الحديثة. فتدرّج في سلّم الرتب العسكريّة إلى أن بلغ أرقاها، ما دفع أحمد باي إلى أن يعهد إليه بإدارة المدرسة الحربيّة بباردو.

وفي سنة 1262هـ/1846م اختاره الباي ليكون له مرافقاً في زيارة رسميّة إلى فرنسا، حيث كان بمثابة المترجم لكونه يتقن اللغة الفرنسيّة. وكان لهذا الحدث أثره البالغ في الوقوف على حجم الهوّة الكائنة بين التقدّم الغربي والتخلّف الشرقي.

وأتيحت الفرصة، ثانية، لخير الدين كي يزور فرنسا ويقيم فيها ما بين 1269هـ/1853م و1272هـ/1856م بتكليف من الباي قصْدَ متابعة ملفّ قضيّة مصطفى بن عيّاد الذي فرّ من تونس بعد أن استولى على قسط كبير من خزينة الدولة بتواطؤ مع الوزير الأكبر مصطفى خزندار، وتمكّن من الحصول على الجنسيّة الفرنسيّة، وبات يطالب البلاد التونسيّة بمبالغ أخرى ضخمة، زاعماً وجود تعهّدات كانت بحوزته. فكان تكليف خير الدين بالملفّ دليلاً على مدى ثقة الباي فيه وفي كفاءته نظراً لخطورة القضيّة وتداعياتها المحتملة. وأفلح خير الدين في تحقيق نجاح جزئي جعل الباي يقرّبه أكثر إليه ويجازيه أفضل جزاء. وكان هذا الملف في المقابل سبباً في صراع خير الدين مع الوزير الأكبر مصطفى خزندار الذي تمكّن من تبرئة ذمّته والنجاة من التتبّع في هذه القضيّة.

وتواصلت هذه الثقة في خير الدين إثر تولّي محمّد باي حكم تونس، وذلك بتعيينه على رأس وزارة الحربيّة سنة 1857، وفيها تمكّن من إدخال عدّة إصلاحات بغية الارتقاء بالبلاد التونسيّة وتطويرها، مثل تحسينه ميناء حلق الوادي، وتنظيم إدارة الوزارة، وإصلاح لباس الجيش البحري، وسنّ تشريعات، وعقد اتفاقيّات مع الأجانب تحدّد طبيعة العلاقات وأساليب التعامل معهم من أجل المحافظة على البلاد واحترام سيادتها، فضلاً عن كونه أمر بإنشاء مصنع بخاري للسفن وإصلاحها، وسعى إلى ربط مختلف جهات البلاد التونسيّة عبر شبكة طرقات، مستفيداً في ذلك من تجربته في فرنسا وما شاهده فيها من أسباب العمران والتمدّن والتطوّر.

ولهذا نجده في مقدّمة مؤيّدي محمّد باي حين أصدر وثيقة "عهد الأمان" التي أقرّت تساوي التونسيّين جميعاً في الحقوق، وكانت مطابقة أو تكاد لخطّ همايون الصادر بتركيا سنة 1272هـ/1856م، ونراه كذلك من أوائل أنصار الصادق باي (الذي خلف أخاه محمّد باي) حين قام بإصدار الدستور سنة 1277هـ/1861م، وهو أوّل دستور عربي إسلامي يظهر إلى الوجود.

ومكّن التنقّل والسياحة في أرجاء أوروبا (فرنسا، انجلترا، السويد، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، الدانمارك، تركيا)، التونسي من التفرّغ لتحرير كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" الصادر سنة 1284هـ/1867م بإذن من الباي في المطبعة الرسميّة التونسيّة. ولمّا كان حريصاً على نشر ما فيه من أفكار إصلاحيّة، فقد كتبه باللغة العربيّة وأشرف على ترجمته إلى الفرنسيّة سنة 1285هـ/1868م تحت عنوان "الإصلاحات الضروريّة للأقطار الإسلاميّة". ونقله إلى التركيّة سنة 1295هـ/1878م.

وضمّن "أقوم المسالك.." خلاصة تجربته السياسيّة ومطالعاته السياسيّة والاقتصاديّة ومشاهداته خلال رحلاته المختلفة إلى أوروبا، وقد جعل فيه مقدّمة وكتابين، توزّعت المقدّمة على ثلاثة أبواب خصّص أوّلها لموضوع التنظيمات، وثانيها كان تلخيصاً لتاريخ التمدّن الأوروبي، أمّا ثالثها فكان مناسبة للحديث عن المكتشفات والمخترعات الحديثة.

ولعلّ ما احتوته المقدّمة من تصوّرات وأفكار إصلاحيّة هو ما كان سبباً في شهرة الكتاب، إذ يرى التونسي أنّ نهضة الأوروبيّين تحقّقت إثر انفتاحهم على الحضارة العربيّة واقتباسهم منها، ومن ثمّ فإنّ نهضة البلدان الإسلاميّة في زمنه تقتضي الانتباه إلى أسباب التقدّم والعمران والمدنيّة في أوروبا والاقتباس منها.

ولم يتأخّر خير الدين عن بيان معوقات النهضة بنقده أعداءها أو معارضيها من علماء دين ورجال سياسة وعامّة ترفض كلّ جديد. وحاول الإقناع عبر تنويع الحجج وتكثيفها معتمداً في ذلك ما توفّر من أدلّة نقليّة وتاريخيّة وخاصة أدلّة استمدّها من مشاهداته، محذّراً من أنّ التأخّر والتردّد في الأخذ بالتنظيمات الحديثة سيعود بعواقب وخيمة على البلاد الإسلاميّة.

وألحّ على ضرورة نشر العدل لكونه السبب الحقيقي لأيّ نهضة ورفض الاستبداد وعدّد مثالبه، دون أن يرتقي في تحليله إلى المناداة بالديمقراطيّة بديلاً عن النظام الوراثي المعتمد في الدولة الحسينيّة، مثلما لم ينادِ بفكّ الارتباط كلّيّاً عن الخلافة العثمانيّة، وإنّما اكتفى بالدعوة إلى تقييد سلطة الحاكم بمجلس وزاري والتأسيس لقيم الحرّيّة والعدل انسجاماً مع روح الشريعة.

لقد كانت رؤية التونسي الإصلاحيّة قائمة على الجمع بين المرجعيّة العربيّة الإسلاميّة القديمة والمرجعيّة الأوروبيّة الحديثة، عبر انتقاء ما يستجيب منهما لمتطلّبات النهضة والتقدّم.

بيْد أنّ سياسته الإصلاحيّة هذه لم تسلم من التضييقات والإعاقات والمؤامرات نتيجة وجود مناوئين لها ألّبوا الباي ودفعوه إلى عدم مسايرة خير الدين في نهجه الذي انتهجه نحو النهوض بالبلاد، فبدأ يضيق ذرعاً به، وقرّر في النهاية عزله، فاختار الانتقال إلى الآستانة والإقامة فيها في عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي قرّبه إليه وعيّنه في عدد من المناصب الاستشاريّة بدءاً، ثمّ اختاره ليكون صدراً أعظم بضعة أشهر.

وفي هذه الفترة، عاود التونسي التمسك بآرائه، فدعا فيها السلطان عبد الحميد إلى إجراء عدة إصلاحات رآها جوهريّة وجذريّة في مقدّمتها: إنشاء مجلس وطني، وجعل الحكومة مسؤولة أمامه، وإعادة تنظيم جميع الولايات. ولكنّ مقترحاته الإصلاحيّة هذه قوبلت برفض السلطان وعجّلت بعزل خير الدين.

وفي الآستانة توفّي خير الدين سنة 1307هـ/1890م، تاركاً إرثاً إصلاحياً، وصيحات موءودة، وحلماً بعالم إسلامي متنوّر يقيّده الرجالُ الجوف بالعراقيل، والعقليات العتيقة!

 

 

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق