علامات الحب كما يرصدها ابن حزم الأندلسي
01 يوليو (تموز) 2014 10:00 | 0 تعليق
غلاف كتاب طوق الحمامة - (أرشيفية)
للحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدي إليها الذكي. فأولها إدمان النظر والعين باب النفس الشارع، وهي المنقبة عن سرائرها، والمعبرة لضمائرها، والمعربة عن بواطنها. فترى الناظر لا يطرف، ينتقل بتنقل المحبوب، وينزوي بإنزوائه، ويميل حيث مال.
ومنها علامات متضادة وهي على قدر الدواعي، والعوارض الباعثة والأسباب المحركة والخواطر المهيجة. والأضداد أنداد، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها ووقفت في انتهاء حدود اختلافها تشابهت، قدرة من الله عز وجل تضل فيها الأوهام. فهذا الثلج إذا أُدمن حبسه في اليد فعل فعل النار، ونجد الفرح إذا أفرط قتل، والغم إذا أفرط قتل، والضحك إذا كثر واشتد، أسال الدمع من العينين. وهذا في العالم كثير، فنجد المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكدت بينهما شديداً، كثر تهاجرهما بغير معنى، وتضادهما في القول تعمداً، وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه، وتأولها على غير معناها، كل هذا تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه.
والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة، المضادة المتولدة عن الشحناء ومحارجة التشاجر، سرعة الرضى، فإنك بينما ترى المحبين قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تقدره، يصلح عند الساكن النفس، السالم من الأحقاد في الزمن الطويل، ولا ينجز عند الحقود أبداً، فلا تلبث أن تراهما، قد عادا إلى أجمل الصحبة، وأهدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة، هكذا في الوقت مراراً. وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجك شك، ولا يدخلنك ريبة البتة، ولا تتمار في أن بينهما سراً من الحب دفيناً، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف. ودونكها تجربة صحيحة وخبرة صادقة. هذا لا يكون إلا عن تكافٍ في المودة وائتلاف صحيح.
ومن أعلامه أنك تجد المحب يستدعي سماع اسم من يحب، ويستلذ الكلام في أخبارة ويجعلها هجيراه، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها، ولا ينهنهه عن ذلك تخوف أن يفطن السامع ويفهم الحاضر.
ومن وجوه العشق: الوصل، وهوحظ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع، بل هو الحياة المجددة والعيش السني، والسرور الدائم، ورحمة من الله عظيمة. ولولا أن الدنيا ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره، لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه، وكمال الأماني، ومنهى الأراجي.
ولقد جربت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد الخوف، ولا التروح على المال، من الموقع في النفس ما للوصل، ولا سيما بعد طول الامتناع، وحلول الهجر، حتى يتأجج عليه الجوى، ويتوقد لهيب الشوق، وتتضرم نار الرجاء. وما إصناف النبات بعد غِب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب الساريات في الزمان السجسج، ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تأنق القصور البيض، قد أحدقت بها الرياض الخضر، بأحسن من وصل حبيب قد رُضيت أخلاقه، وحُمدت غرائزه، وتقابلت في الحسن أوصافه، وأنه لمعجز ألسنة البلغاء، ومقصّر فيه بيان الفصحاء، وعنده تطيش الألباب، وتعزب الأفهام.
***
من كتاب "طوق الحمامة في الألفة والألاف" لعلي بن حزم الأندلسي (7 نوفمبر 994م - 15 أغسطس 1064م)، والذي يعدّ من أكبر علماء الأندلس وأكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا بعد الطبري، وهو إمام حافظ وفقيه ظاهري، ومتكلم، وأديب، وشاعر، وناقد محلل، بل وصفه بعضهم بالفيلسوف. شغل موقع وزير سياسي لبني أمية، وسلك طريق نبذ التقليد وتحرير الاتباع، فقامت عليه جماعة من المالكية وشـُرد عن وطنه.
وُصف "طوق الحمامة" بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه. ترجم الكتاب إلى العديد من اللغات العالمية. ويحتوي الكتاب على مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين، ويتناول، كما تفيد موسوعة "ويكيبيديا"، بالبحث والدَّرس عاطفة الحب الإنسانية على قاعدة تعتمد على شيء من التحليل النفسي من خلال الملاحظة والتجربة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

