الدكتور عبد الكريم الأعرجي لـ"ذوات": الربيع العربي تمّ تمزيقه في عقر داره!
01 اغسطس 2015 | 0 تعليق

الدكتور عبد الكريم الأعرجي
حاوره: عيسى جابلي

 قال الدكتور عبد الكريم الأعرجي، إن ما يعرف بـ"الربيع العربي" قد تم تمزيقه والانحراف به عن جادة الصواب، وإن من أهم أسباب قيامه في أرجاء العالم العربي "السبات السياسي الطويل للحكام العرب" الذين "تربعوا لسنوات طويلة على كراسيهم" مكرسين "سياسة الاستبداد والطغيان"، رغم وضوح عجزهم عن التغيير والبناء ومواكبة العصر.

وأكد الدكتور الأعرجي، في حوار خصّ به "ذوات"، أن "المشاريع السياسية للدول الكبرى والمتنافسة على الهيمنة للمنطقة العربية، واندفاع التيارات الدينية والسلفية للظهور بقوة على السطح، قد ساعد ذلك على سحب البساط مبكراً من تحت أقدام القوى الوطنية والسياسية الأخرى، مما أدى إلى بروز الحركات الدينية الشوفينية المتطرفة"،

إن ظاهرة الربيع العربي في البلدان العربية جاءت ضمن المخاض الجماهيري وحراكه في سبيل السعي نحو التغيير، وجاء ذلك بعد السبات السياسي الطويل للحكام العرب، وما لبثوا أن تربعوا لسنوات طويلة على كراسيهم، وكأن بلداننا عبارة عن ضيع من الأراضي التي ورثوها، وصحب ذلك سياسة الاستبداد والطغيان من أجل إسكات أفواه الجماهير المغلوبة على أمرها.

رغم إقراره بأن ظاهرة "الربيع العربي" قد نجحت إلى حد بعيد في تونس" بسبب ترسخ "قيم المفاهيم المؤسساتية والتشريعية وتعميق الأساليب المدنية في الحياة اليومية" على حد تعبيره.

أما عن تنامي ظاهرة الإرهاب، فقد رد ذلك إلى جملة من العوامل الداخلية (غياب المؤسسات الديمقراطية وحرية الفكر؛ واستبداد الحكام؛ وتغييب القوى السياسية والديمقراطية والمدنية عن المشهد) وعامل خارجي أساس هو "المشروع الشرق الأوسطي (الأمريكي-الصهيوني)" الساعي إلى تفتيت العالم العربي، وجعله مجموعة من الدويلات الصغيرة المتناحرة طائفياً ودينياً.

وأوضح الدكتور الأعرجي أن فكرة الدولة ما زالت هشة في العالم العربي في غياب المؤسسات الدستورية والتشريعية وقمع الحريات والاستبداد السياسي، مؤكداً تحول "مؤسسات الدولة إلى دائرة مغلقة لا تعي أخطار المرحلة التاريخية، وإلى نتاج القرار الديكتاتوري الذي لا يؤمن بالرأي الآخر والمشاركة الفعلية للجميع".

وبين الدكتور الأعرجي أن نظرية المؤامرة الخارجية على العالم العربي "واضحة مثل وضوح الشمس" متسائلاً "هل نبقى مكتوفي الأيادي أمام إرادة المؤامرة الخارجية؟ وهل كل الأزمات الخانقة التي تمر بها بلداننا العربية سببها الوحيد هي المؤامرة الخارجية؟"، ملقياً اللوم على الطبقة السياسية والنخب الواعية والحكام العرب.

وشدد الدكتور الأعرجي على دور التعدد وقيمته في الحياة الإنسانية الذي يعتبره "الفسيفساء الملون للمجتمع في قومياته وأديانه ومذاهبه، مما ينتج ذلك تعدداً حزبياً، وسياسياً وفكرياً واعلامياً"، مؤكداً أن التعدد كان سبباً رئيساً في تقدم البلدان الأوروبية، وهو العامل نفسه الذي ساهم في نجاح الدولة العباسية الذي يرده "إلى التنافس الفكري للشعوب والأديان والمذاهب المنضوية تحتها".

وقال الدكتور الأعرجي، إن الدولة العربية الإسلامية لم تقم تاريخياً على فكرة الولاء للدولة، بل إنها تأسست على الولاء "للعوائل الأرستقراطية الحاكمة" أو "لعائلة بني أمية الحاكمة".. وهذا ما ساهم في تفتيتها حسب رأيه، وأدى بالمنضوين تحتها إلى الانفصال التدريجي.

وأما عن المقومات الضرورية لقيام دولة عربية قوية، فرأى الدكتور الأعرجي أن من أبرزها "تعميق النشاط الدستوري والتشريعي لبلداننا العربية، وتنشيط منظمات المجتمع المدني العاملة، وفسح المجال للأحزاب المختلفة، والتأكيد على الانتخابات الرئاسية النزيهة والتداول السلمي للسلطة، والرقابة الجماهيرية على الهيئة التنفيذية في البلاد". كما شدد على أهمية ترسيخ فكرة المواطنة.

وأعرب الدكتور الأعرجي عن تفاؤله في خصوص مستقبل العالم العربي "إذا ما تمت الاستعانة بالنخب الواعية والكفاءات السياسية والإدارية، ومن خلال برنامج الإصلاح والبناء وفق دراسة موضوعية وسليمة".

والأستاذ الدكتور عبد الكريم الأعرجي هو أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة بغداد. حاصل على بكالوريوس في التاريخ وبكالوريوس في اللغة الإنجليزية وماجستير ودكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة بغداد. وهو إلى ذلك، عضو جمعية المترجمين العراقيين، وعضو الهيئة الاستشارية لأكثر من مجلة محكمة، كما كان عضوا في اللجنة العلمية للكثير من المؤتمرات العلمية في الجامعات العراقية والعربية شغل حالياً رئيس قسم التاريخ في جامعة بغداد التي يعمل بها أستاذاً للدراسات العليا. له مشاركات في مؤتمرات داخل العراق وخارجه، ومشاركات في الكتابة في مجلات محمكة عراقية وعربية تزيد عن ثلاثين بحثاً. نشر كتابين؛ الأول: "الحياة الاجتماعية في مؤلفات الجاحظ"، والثاني: "المجتمع البغدادي في عصر التنوخي".

* كيف ينظر د. عبد الكريم إلى مابات يعرف بالربيع العربي، هل يعيش العالم العربي ربيعاً في نظركم؟

- لقد جاء ما يسمى الربيع العربي في ظل الحتمية التاريخية، والتي هي نتاج التشرذم السياسي العربي وسلب إرادة الجماهير في الانطلاقة لبناء مشروع التغيير. وتزامنت تلك الحالة مع التدخلات السياسية الإقليمية للمنطقة العربية، فضلاً عن الصراع الاستراتيجي للقوى الكبرى، وطريقة تبادل الأدوار في التعاطي مع بلداننا العربية، مما ساعد على تمزيق هذا الربيع في عقر داره وانحرافه عن جادة الصواب.

* تباينت أسباب موجة التحركات بين البلدان العربية من حيث الأسباب والمآلات، ويذهب محللون إلى أن "الربيع الناجي" الوحيد هو ما حصل في تونس، خلافاً لما آلت إليه الأوضاع في بلدان أخرى تحولت إلى صراعات دموية. هل تتفقون مع هذا الرأي، وما أسباب ذلك؟

- إن ظاهرة الربيع العربي في البلدان العربية جاءت ضمن المخاض الجماهيري وحراكه في سبيل السعي نحو التغيير، وجاء ذلك بعد السبات السياسي الطويل للحكام العرب، وما لبثوا أن تربعوا لسنوات طويلة على كراسيهم، وكأن بلداننا عبارة عن ضيع من الأراضي التي ورثوها، وصحب ذلك سياسة الاستبداد والطغيان من أجل إسكات أفواه الجماهير المغلوبة على أمرها.

فضلاً عن ذلك، فإن هؤلاء الحكام قد استنفذت عندهم القدرة على تأسيس برامج للتغيير والبناء، وهم خاوون في القدرة على مواكبة العصر الذي يشهده عالمنا اليوم من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على نطاق واسع، كل تلك المظاهر هي التي دفعت الجماهير الغاضبة للخروج إلى الشارع والتعبير العفوي للمطالبة بالتغيير والإصلاح.

   وكما بينا سابقاَ، فإن المشاريع السياسية للدول الكبرى والمتنافسة على الهيمنة للمنطقة العربية، واندفاع التيارات الدينية والسلفية للظهور بقوة على السطح، قد ساعد ذلك على سحب البساط مبكراً من تحت أقدام القوى الوطنية والسياسية الأخرى، مما أدى إلى  بروز الحركات الدينية الشوفينية المتطرفة، ففي الوقت الذي تطالب فيه الجماهير بحتمية التغيير وفق الأسس السليمة،

هنالك العديد من الدول الكبرى والإقليمية الساعية إلى مصادرة القرار السياسي العربي من أجل توطيد مصالحها في منطقتنا الحيوية. وهنا تكمن الضرورة في الحذر من تمرير الأجندات الخارجية في عالمنا العربي، لأنها تبغي تحقيق أهدافها الشخصية، بعيداً عن مصالحنا الكبرى، وحقنا في العيش.

برزت هذه الحركات المتطرفة التي لا تحمل بين طياتها أي مشروع أو برنامج للتغيير، ولا تريد أن تعترف بالآخر ضمن مفهوم المواطنة الجامعة للجماهير، فأدى ذلك التطرف إلى صدامات اجتماعية وسياسية بين شعوب المنطقة وإلى  نزف الكثير من الدماء. وكان ذلك تكريساً للعرقية والمناطقية الضيقة من قبل قوى لا تفقه أهمية الحوار مع الآخر في وطن واحد.

   وأتفق في الرأي مع القائلين بأن ظاهرة الربيع العربي قد نجحت إلى حد بعيد في تونس، وذلك لأن هذا البلد قد اعتاد منذ زمن بعيد على ترسيخ قيم المفاهيم المؤسساتية والتشريعية وتعميق الأساليب المدنية في الحياة اليومية، مما أبعد البلد عن الانزلاق في فخ التمزيق والاقتتال.

* وجدت ظاهرة الإرهاب نمواً متزايداً في ظل هذه التحركات، إلامَ تعود هذه الطفرة الإرهابية؟

- يعزى ذلك إلى غياب المؤسسات الديمقراطية وحرية الفكر في أغلب بلداننا العربية نتيجة استبداد حكامها، وتغييب القوى السياسية والديمقراطية والمدنية اللاعبة في المشهد السياسي.

   فضلاً عن ذلك، فإن المشروع الشرق الأوسطي (الأمريكي-الصهيوني)، قد دخل بقوة في ظاهرة الربيع العربي من أجل تحقيق الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي على المدى البعيد، ومن خلال تفتيت النسيج الاجتماعي للشعوب العربية، ومن خلال الحركات الإسلامية السلفية، التي أصبحت تفرض نفسها بقوة بصور الذبح والتفجير وتنوع أساليب القتل والتهجير، كل ذلك من أجل إشاعة الخوف والبطش بالمواطن العربي لتمرير مشاريعهم المشبوهة والمتمثلة بتجزئة وتفكيك البلدان العربية وتحويلها إلى دويلات وكاونتات صغيرة متحاربة ومتقاتلة فيما بينها.

* ما زالت فكرة الدولة هشة في العالم العربي وقد بدت الدول العربية كيانات ضعيفة أمام هذه التهديدات، هل فشلت فكرة إقامة دولة عربية في رأيكم؟ وهل كانت دولة الاستقلال وهماً؟

- نعم، أنا أؤيد الرأي بأن فكرة الدولة ما زالت في وضع هش وصعب في غياب المؤسسات الدستورية والتشريعية، وقمع الحريات في العالم العربي، كما أن حالة الاستبداد السياسي للحكام العرب دفعهم للاحتماء بالدول الكبرى حتى أصبحت بلداننا رهينة القرار السياسي المستقل. ولكن ما زال الخير قائماً في هذه الأمة إذا ما توفرت لها شروط النهضة التي أشار اليها في وقت مبكر المفكر العربي الجزائري مالك بن نبي.

* ما هي أسباب فشل قيام هذه الدولة في رأيكم؟ وهل تعزى إلى الداخل أم إلى الخارج؟

- للدولة المدنية استحقاقاتها ومقوماتها، وهي الحالة الأعلى للرقي في بناء مؤسسات الدولة المختلفة. وعليه فمن أجل الوصول إلى الدولة المدنية المستقلة، التي تعمل وفق الأسس الدستورية السليمة، فلا بد من إيجاد عوامل للبناء والتنمية للوصول إلى الهدف المنشود، وهذا يتطلب الجهد والمثابرة، إلا أننا نرى في عالمنا العربي غياب هذه الآلية من العمل المبرمج الصحيح. لقد اعتاد الحاكم العربي ومن في معيته من السياسيين والإداريين على التعامل للظواهر الهامشية والسطحية لإدارة البلاد والعباد بسبب ضبابية المسلك، وغياب الاستراتيجيات المدروسة، وعدم وجود رؤية واضحة للعمل الإداري والسياسي، وإبعاد الجماهير عن المشاركة في صناعة قرارات الدولة الحيوية والمهمة. وفي غياب هذه العوامل، تحولت مؤسسات الدولة إلى دائرة مغلقة لا تعي أخطار المرحلة التاريخية، وإلى نتاج القرار الديكتاتوري الذي لا يؤمن بالرأي الآخر والمشاركة الفعلية للجميع، مما أدى ذلك إلى انحدار كبير في تأسيس الأجواء الصحيحة للنهوض بالواقع العربي المتردي، وإلى غياب مؤسسات الدولة المدنية، وفقدان القرار العقلاني السليم. كما أن للمناكفات السياسية بين الأحزاب السياسية المتواجدة على الساحة، والصراعات المستمرة فيما بينها، بعد غياب الأهداف التي ادعت بها تلك الأحزاب والحركات، وعدم المراجعة المتأنية مع الذات في سبيل تصحيح المسيرة، كل ذلك أدى إلى انحراف الأهداف المتوخاة لتلك الحركات ومعها النخب الجماهيرية المنضوية تحتها. وبالتأكيد للعامل الخارجي حضوره، في فشل العالم العربي لتأصيل منظومة القيم الصحيحة لبناء الدولة المدنية، ولذلك أصبحت الانقلابات العسكرية، هي السمة الأساسية للتغيير السياسي. وأن بلداننا بدون بشر ليعبروا عن قرارهم، بل إن القرار بيد الدبابة والبندقية التي تفرض رأيها على الناس.

المشكلة الحقيقية في مجتمعاتنا العربية، أننا لا نملك من الخبرة الكافية للتعامل مع التعددية، ويعود ذلك إلى استبداد الحاكم، لأنه يرتكز في حكمه على قبيلته أو عشيرته أو مذهبه.. إنه لا يريد من الآخر أن ينتقده، أو يحاسبه ويراقبه، حتى يتمكن من الاستحواذ على المال العام، وحياة الناس، والتحكم في رقابهم، وفق مصالحه الشخصية والفئوية.

إن الانتفاضات الجماهيرية لم تؤت أكلها، بسبب الرؤية الواضحة للتغيير، والتدخلات الخارجية. وبالتأكيد فهنالك العديد من الدول الكبرى والإقليمية الساعية إلى مصادرة القرار السياسي العربي من أجل توطيد مصالحها في منطقتنا الحيوية. وهنا تكمن الضرورة في الحذر من تمرير الأجندات الخارجية في عالمنا العربي، لأنها تبغي تحقيق أهدافها الشخصية، بعيداً عن مصالحنا الكبرى، وحقنا في العيش الرغيد والسعيد.

* دائما ما يتم الحديث عن مؤامرة خارجية تهدد الدول العربية، وتسعى إلى تفكيكها وإضعافها، ولكن حتى مع إقرارنا بصحة ذلك، هل هذا سبب كاف أمام ما يعيشه العالم العربي اليوم من شتات وتشرذم؟

- في البدء، علينا أن نتفق أن نظرية المؤامرة الخارجية على بلداننا العربية واضحة مثل وضوح الشمس، ولا يمكن نكرانها بأي حال من الأحوال، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نبقى مكتوفي الأيادي أمام إرادة المؤامرة الخارجية؟ وهل كل الأزمات الخانقة التي تمر بها بلداننا العربية سببها الوحيد هي المؤامرة الخارجية؟

   بالتأكيد، فإن الجزء الأعظم مما تمر به بلداننا العربية من تخاذل وتراجع على جميع الصعد، من مسؤولية الطبقة السياسية والنخب الواعية، أضف إلى ذلك بأن للحكام العرب دورهم في التخريب من خلال تنفيذهم للأجندات الدولية من حيث علموا بذلك أم لم يعلموا. ونلاحظ بأن المواطن العربي الذي يحمل الثقافة والوعي البسيطين، له المعرفة التامة بتحليل الإشكاليات الموجودة في مجتمعنا المعاصر.

* ولكن ألا ترون أيضاً من ناحية أخرى، أن المجتمعات القائمة على التعدد يسهل "اختراقها" باللعب على أوتار الطائفية أو العرقية أو الدينية، مثلما يحدث في العراق وسوريا؟

- علينا في البدء، صياغة السؤال على نحو آخر: هل إن إدارة الدولة في ظل التعدد أفضل من إدارتها دون التعدد؟ وهذا يقودنا إلى معرفة التعدد، فالتعدد هو الفسيفساء الملون للمجتمع في قومياته وأديانه ومذاهبه، مما ينتج ذلك تعدداً حزبياً، وسياسياً وفكرياً وإعلامياً. وبذلك فمن نتائج التعدد ضرورة مشاركة الجميع من القوى الفاعلة في المجتمع لإدارة الدولة على جميع الصعد، وأضيف إليها حرية الصحافة والإعلام والفكر، ومن إيجابياتها أنها تعطي الحق للجميع في التعبير عن الرأي والفكرة، وكذلك تقليل نسبة الأخطاء المتراكمة من قبل الدولة أو الحكومة. فعند انعدام التعددية، يصبح المجتمع على نمط واحد تقليدي لا حراك له، وهذا سيؤدي إلى الديكتاتورية، والانفراد بالرأي وتهميش الآخر، وتراكم الأخطاء الجسيمة بفقدان الرقابة الشعبية والتشريعية. ومن هنا، فإن ظاهرة التعدد قد تم توظيفها في أوروبا والعالم المتمدن، وكانت هي السبب الأساس لدافعية النهضة الأوربية الحديثة، لأنها قامت في تحسين الأداء الحكومي والمؤسساتي، مما أدى إلى تطوير الجانب المعاشي للناس في جميع الميادين. ويفترض أن تكون المجتمعات ذات التعددية هي الأفضل في تنوع النتاج الحضاري والإنساني، خذ مثلا تاريخياً، فإن الازدهار الحضاري لبغداد العباسية في العصور الوسطى، يعود إلى التنافس الفكري للشعوب والأديان والمذاهب المنضوية تحتها. ولكن المشكلة الحقيقية في مجتمعاتنا العربية، أننا لا نملك من الخبرة الكافية للتعامل مع التعددية، ويعود ذلك إلى استبداد الحاكم، لأنه يرتكز في حكمه على قبيلته أو عشيرته أو مذهبه.. إنه لا يريد من الآخر أن ينتقده، أو يحاسبه ويراقبه، حتى يتمكن من الاستحواذ على المال العام، وحياة الناس، والتحكم في رقابهم، وفق مصالحه الشخصية والفئوية. وإذا ما جاءت الفرصة مواتية لتفعيل التعدد، فإنها ترتكز على الصراعات الفئوية والمناطقية، مما يحجم هذا المفهوم. وبالتالي، تصبح التعددية وبالاً على الناس، لأنها لا تبنى على أسس سليمة، وهذا ما يحدث في بعض بلداننا العربية في يومنا الحاضر. وأرى أن غياب منظومة العمل الجماعي والوطني، وعدم تفعيل هوية المواطنة، هي الأسباب الحقيقية لتدهور التعددية في مجمعاتنا. وهذا يتطلب من النخب الواعية والوطنية في الساحة العربية إعادة قراءتها للتعدد وفق برنامج وطني يؤدي إلى تغليب مصلحة البلاد على المصالح الشخصية والفئوية.

* تاريخياً، وبحكم تخصصكم، هل قبلنا يوماً بأن نكون دولة متحدة قائمة على فكرة الانتماء للدولة لا على الانتماء للطائفة؟

- هذا سؤال حيوي ومهم لمراجعة تاريخنا ومراجعة الذات للكشف عن الهوية الحقيقية للإنسان العربي، وعبر هذا التاريخ الطويل يبدو لنا أن مفهوم الدولة لا يتمثل في بنائه الصحيح. فتاريخنا العربي الإسلامي عبارة عن دول وإمبراطوريات لعوائل أرستقراطية حاكمة، فهذه الدولة الأموية حكمت العالم العربي لأكثر من تسعين سنة، والانتماء لعائلة بني أمية الحاكمة، وتلك الدولة العباسية التي حكمت ما يقارب نصف الكرة الارضية لمدة خمسمائة سنة لعائلة بني العباس الحاكمة، وهكذا دواليك للدول الأخرى مثل الدولة الفاطمية، والحمدانية والأيوبية... إلخ. فأين هو الولاء للدولة؟ ففي الدولة العباسية يتقاتل الإخوة في ما بينهم كما حدث بين الأمين والمأمون، والسؤال الذي يطرح نفسه: هذا التاريخ الطويل للدولة العباسية، والذي استمر لأكثر من خمسة قرون، وحكم فيها أكثر من سبعة وثلاثين حاكماً عباسياً، ألا يوجد من هو الأكفأ منهم لإدارة الدولة، وعلى وجه الخصوص إذا ما عرفنا بظهور حكام اتسموا بالضعف والتخبط الإداري، فهم ليسوا جميعاً بالكفاءة المطلوبة، ولكن الانتماء العائلي هو الذي قذف بالضعفاء للوصول إلى السلطة عبر ولاية العهد. ولذلك، فإن الكثير من البلاد الإسلامية قد انفصلت تدريجياً من جسم العالمين العربي والإسلامي، فبعد أن كانت الدولة العباسية إمبراطورية مترامية الأطراف من المغرب غرباً إلى الصين شرقاً، حتى أصبحت هذه الدولة محصورة في نصف مساحة العراق الحالي عندما غزاها "هولاكو" عام 656 هـ. فأين ذهبت هذه الأجزاء الكبيرة من الأراضي والشعوب المنضوية تحتها والتابعة للدولة العباسية؟ الجواب: لقد انفصلت بشكل تدريجي ودفعت الدماء والرجال في سبيل هذا المبتغى، لأن النظام السياسي للدولة غير قادر على استيعاب التشكيلة الاجتماعية لهذه الدولة الكبيرة ومراعاة خصوصيتها، وذلك نتيجة لانتماء الدولة إلى العائلة لا إلى المواطنة.

الوطن جامع مانع للناس، فعندما يلتقي الناس على مصلحة الوطن، فإن جميع الهويات الفرعية تتلاشى، وعليه يمكننا أن ننتج نسيجاً اجتماعياً متماسكاً لا هشاً تذروه أية ريح قادمة، مجتمعاً متعافياً يحترم الدولة وهيبتها وقوانينها، وهذا يؤدي إلى تعزيز سلامة الدولة المدنية المتماسكة.

وإن حالات المعارضة التي حصلت آنذاك وفق الرؤية القومية أو الدينية أو العرقية، لم تفلح الدولة في فتح قنوات الحوار والنقاش للوصول الى الحلول الدنيا التي ترضي الجميع، ولكن حصل العكس من ذلك، فكانت الدولة تتعامل مع تلك المكونات بالسيف والحديد، وتحقيق انتصارات مزعومة، حتى ناضلت تلك المقومات الاجتماعية للحصول على استقلالها والانفصال عن الدولة العباسية. وتمتد الشواهد التاريخية حتى يومنا الحاضر، وهذا استدلال على تفضيل الانتماء العائلي والمناطقي، مما ساعد على ذوبان الهوية الوطنية، وأصبحت هنالك فجوة كبيرة بين الحاكم والمواطن الذي يشعر مع مرور الأيام بانسلاخ هويته الشخصية في بلاد لا تحترم التعدد والحوار، وبالتالي لا يجمع شمل الناس إلا في وطن واحد يجمع الجميع على الأهداف العامة، ومغادرة التأثير على خصوصياتهم الشخصية.

* برأيكم ما هي المقومات الضرورية التي يجب أن يعمل العالم العربي على تدعيمها وتقويتها في الطريق إلى بناء دولة قوية لا تسقط تحت تأثير أول هزة تعصف بها؟

- إن ظاهرة الربيع العربي، كانت تجربة قاسية ومفيدة في وقت واحد، ففي الوقت الذي عبر الربيع العربي عن القيمة الحقيقية للشعوب وأثرها في الثورة والتغيير، انتفضت لقضاياها المصيرية، كذلك فقد عكست لنا صورة جلية عن المستور وغير المكشوف في عالمنا العربي، وأهم ما توصلنا إليه أنه لا بد من الحذر في تهميش الجماهير، ولا بد من الوصول، ضمن حوار معمق، إلى إبراز المشتركات الإيجابية بين عناصر المجتمع.

ومن أبرز تلك المتطلبات الضرورية تعميق النشاط الدستوري والتشريعي لبلداننا العربية، وتنشيط منظمات المجتمع المدني العاملة، وفسح المجال للأحزاب المختلفة، والتأكيد على الانتخابات الرئاسية النزيهة والتداول السلمي للسلطة، والرقابة الجماهيرية على الهيئة التنفيذية في البلاد.

هذا موجز للحد الأدنى من ضمانات قيام الدولة المتكاملة في الظروف الصحيحة والسليمة، وعلينا أن لا ننسى ضرورة الأخذ بتلك الشروط لحماية الدولة من الزيغ والانحراف نحو الاستبداد والتراجع.

* ألا ترون أن ترسيخ فكرة المواطنة أيضاً، يمكن أن يكون مخرجاً من مأزق التشرذم والتفكك؟

- وهذا هو عين الصواب، وهو مفتاح الحل الحقيقي للكثير من مشاكل شعوبنا في الوقت الحاضر، لأن أغلب حالات الصراع والاختلاف والتفكك، نتيجة طبيعية لصراع الإرادات المختلفة العرقية والمناطقية والمذهبية، وهذه الإرادات لها أولويات في برامجها، وفي مقدمتها كيفية الارتقاء بهذا الانتماءات على أرض الواقع، ثم يأتي لديها بعد ذلك الوطن. فأصبحت المعادلة لديهم: (العرق والمذهب أولاً، والوطن ثانياً)، والمنطق السليم عند العقلاء من الناس أن الوطن أولاً، ثم تأتي الثانويات الأخرى، لأن الناس دون وطن لا حياة لهم ولا انتماء، ولكن يجوز أن يكون هنالك مذهب دون وطن. الوطن جامع مانع للناس، فعندما يلتقي الناس على مصلحة الوطن، فان جميع الهويات الفرعية تتلاشى، وعليه يمكننا أن ننتج نسيجاً اجتماعياً متماسكاً لا هشاً تذروه أي ريح قادمة، مجتمعاً متعافياً يحترم الدولة وهيبتها وقوانينها، وهذا يؤدي إلى تعزيز سلامة الدولة المدنية المتماسكة وفق برنامج متفق عليه مسبقاً، فالوطن هو الأم، ويجب أن يكون بصحة جيدة لكي يقوم برعاية أبنائه وأحفاده. الوطن منبع الذكريات، وأرض الأجداد والأحفاد، وجذورنا مغروسة في العمق بأوطاننا؛ فمن الأولى أن يكون الوطن جامعاً لجميع الشرائح الاجتماعية.

لقد انتبهت الدول الكبرى لهذا الموضوع، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، وتعمل منظومات بعض هذه الدول على تمزيق البلدان العربية ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير تحت ذرائع حماية الحقوق واحترام الأقليات، وتحت مزاعم الأقاليم والانفصال، وهي تعمل بذلك وبشكل علني وليس بخفي على أحد، وتعمل على تقسيم بلداننا إلى دويلات وكانتونات متحاربة متقاتلة عرقياً ومناطقياً ومذهبياً، والغلبة للأقوى فيهم، في صراع استراتيجي استنزافي يبدأ ولا ينتهي، وبذلك تضيع الهوية الوطنية والانتماء إلى المواطنة الحقة، فيضيع الإنسان عندما يجد نفسه في موطن صغير وضعيف أمام دول كبيرة عملاقة ومتماسكة في عالمنا اليوم، ليتم ترويضه وخضوعه وابتزازه. وعلينا الحذر من هذا المخطط الخطر، بتعزيز مفهوم المواطنة لتصبح المرجع والهدف، في زمن تسعى فيه الدول الأوربية إلى الوحدة التي ناضل من أجلها في وقت مبكر الرئيس الفرنسي "ديغول"، وبوجود تحالفات حقيقية حالياً على أرض الواقع في الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية، لدول فيها الكثير من الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية، وفي الوقت نفسه يدفعون بنا للتجزئة والتناحر والاقتتال فينا ومن بيننا، وإنها والله قسمة ضيزى.

* كيف يرى الدكتور الأعرجي مستقبل العالم العربي في ظل ما يعيشه اليوم من صراعات وحروب أهلية وطائفية؟

- الحقيقة، أنني متفائل بمستقبل بلداننا العربية، إذا ما تمت الاستعانة بالنخب الواعية والكفاءات السياسية والإدارية، ومن خلال برنامج الإصلاح والبناء وفق دراسة موضوعية وسليمة. ولكن، في الوقت نفسه، علينا أن لا ننسى حجم الدمار والخطر المحدقين بعالمنا العربي من كل حدب وصوب، حيث أصبح الخطر يأخذ عمقه لتحقيق مآربه في تنفيذ الأجندات المشبوهة والخطرة.

وإزاء ذلك، فلا بد من الوقوف بجدية وبشجاعة ومصارحة مع النفس لتعطيل مخططات التجزئة والتقسيم التي يخطط لها الماكرون والمفسدون، وإذا لا سمح الله حدث العكس من ذلك، فإن هذا الخطر سيتمدد بنيرانه ليحرق الأخضر واليابس لجميع بلداننا العربية دون استثناء، وعند ذاك لن تنفع الندامة.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق