فتوحات حاج حمد وشحرور في الدراسات القرآنية المعاصرة
11 يونيو (حزيران) 2014 12:35 | 0 تعليق |
لا يتجاهل الباحث المغربي عبد اللطيف طريب في دراسته "أثر الدراسات القرآنية المعاصرة في تجديد الموقف من السنة النبوية"، أن أعمال أبو القاسم حاج محمد ومحمد شحرور، قامت في مجملها على فك الارتباط العضوي في المعرفة والثقافة الإسلامية بين النص القرآني والنص النبوي، وإثبات التفاوتات المنهجية بينهما، ذلك أن الهم الذي انطلق منه كلاهما هو الواقع الثقافي الإسلامي، وما يقدمه الخطاب الديني بأطيافه المتعددة لمواجهة إشكاليات وتحديات المرحلة، فقد ظهرت مزالق واختلالات خطيرة على هذا المستوى جسدتها الفتاوى الغريبة والشاذة في بعض القضايا المجتمعية خاصة، وكذلك تضارب وتناقض الاستدلالات في قضايا حساسة، كالجهاد في الإسلام والتعامل مع الآخر.
عالمية الخطاب وحاكمية الكتاب
وانتهى حمد، وفق طريب، في تحديد منهجية القرآن الاسترجاعية إلى اعتبارها قائمة على ما يسميه "عالمية الخطاب، وحاكمية الكتاب، وشرعة التخفيف والرحمة"، وذلك من التفريق الذي يقيمه بين نسق التشريع الإسلامي، ونسق التشريع التوراتي، ويترتب على ذلك أن "السنة النبوية لا يمكن أن تخرج عن حاكمية الكتاب وعالمية الخطاب وشرعة التخفيف والرحمة، ومن ذلك أنه يعتبر العقوبات الصارمة مثل الرجم، وقطع الأطراف، والأيدي ليست من الإسلام، ويصفها بـ"عقوبات إصر وأغلال توراتية وغير إسلامية دست على التشريع الإسلامي، كدس مفهوم الحاكمية الإلهية، وهو دس متعمد لتكذيب نبوة محمد بوصفه ليس قائماً على شرعة التخفيف والرحمة، فلا يتوجب على اليهود اتباعه طالما أن شرعته تماثل شرعة موسى".
يرى شحرور أن توظيف السنة النبوية في التاريخ الإسلامي كان سلاحاً لحسم النزاعات الطائفية والسياسية والعقائدية والمذهبية، وهذه ظاهرة استمرت منذ 15 قرناً إلى يومنا هذا
وتابع طريب في دراسته: المدخل المنهجي الثاني لحاج حمد مدخل لغوي يرى فيه أن الاستخدام القرآني للمفردة اللغوية وعائدها المعرفي يكون بدلالة واحدة محددة تنفي أي ترادف أو اشتراك أو تضاد .. "فالقرآن ليس عربياً، باعتباره متنزلاً بلغة العرب، ولكنه كبناء إلهي ضمن هذه اللغة استوعب مفردات اللغة فسها ضمن استخدامات دقيقة للغاية .. فهناك فارق دقيق بين شاعرية العرب اللغوية مع تفردها اللساني، ودقة التوظيف القرآني لهذه اللغة"، لافتاً إلى أن حاج حمد أكد على "ضرورة الالتزام بمرجعية السنة الصحيحة التزاماً لا لبس فيه ولا غموض، وذلك لسبب أساسي وجوهري يتعلق بضبط اجتهادات الأمة وعلمائها ومفكريها في ما يأخدونه من منهجية القرآن، فلو لم يكن الرسول بقوله وفعله الصحيحين يمثل المرجعية التطبيقية لمنهجية القرآن لوقع اختلاف كبير بين المجتهدين"، على حد تعبير حاج حمد في "ابستمولوجية المعرفة الكونية".
ويرى طريب أن أهم ما توقف عنده محمد شحرور، توظيف السنة النبوية في التاريخ الإسلامي، إذ يرى أنها كانت بمثابة سلاح لحسم النزاعات الطائفية والسياسية والعقائدية والمذهبية، وهي ظاهرة استمرت منذ 15 قرناً إلى يومنا هذا، وكان من نتائجها تضخم كتلة الحديث النبوي، وما ترتب عنه من تعدد الروايات وتناقضها في الموضع الواحد، حيث ربط شحرور بذكاء بين معطى تضخم الرواية عن الرسول (صلعم)، والذي يتعارض مع حقيقة مقررة أن الأنبياء قليلو الكلام، خاصة اعتماده على حسابات رياضية قسم فيها ما حفظه أبو زرعة من أحاديث وعددها 840 ألف حديث على مدة دعوة الرسول بالأيام، فكانت النتيجة وفق حساباته تكلم النبي بـ 105 أحاديث في اليوم، ليستنتج أن ذلك محال من الناحية العملية.
تميزت طروحات حاج حمد بالابتعاد عن الغوص في تفاصيل موضوع السنة النبوية، والتأكيد على أهمية البعد المنهجي الذي يبنيه القرآن في علاقته بما جاء عن النبي (صلعم) وما جاء عن غيره من الأنبياء
كما يرى شحرور، والحديث لطريب، ضرورة إعادة قراءة هذا الكم الكبير من الأحاديث بناء على عدة اعتبارات أولها أن يتضمن إرشاداً في مجال إفعل أو لا تفعل، وألا يتعارض مع حكم إرشادي أو إخباري ورد في التنزيل الحكيم، والانتباه بدقة إلى ما في الحديث من إدراج معتبراً أن الإدراج كان مطية لتجنب اتهام الرواة بالكذب بعد أن فشا الاعتقاد بمعصوميتهم وعدالتهم، وألا يكون الحديث مرسلاً ولا منقطعاً ولا مرفوعاً.
مشروع الحاج حمد
ويخلص طريب، إلى أن طروحات حاج حمد تميزت بالابتعاد عن الغوص في تفاصيل موضوع السنة النبوية، والتأكيد على أهمية البعد المنهجي الذي يبنيه القرآن في علاقته بما جاء عن النبي (صلعم) وما جاء عن غيره من الأنبياء، في حين ينفي شحرور أطروحة الوحيين التي أسسها الإمام الشافعي في كتابه الرسالة، اعتماداً على قوله تعالي "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"، وأنه رغم كل الانتقادات التي تعرض لها الرجلان، إلا أنهما يتفقان على ضرورة عرض الأحاديث على القرآن للتصديق عليها، وأن اجتهاداتهما في إعادة النظر المنهجي للسنة النبوية، رغم كل ما يشوبها من اختلالات، تبقى محاولات مهمة للغاية لتطوير العدة المنهجية في التعامل مع مصدر معرفي مهم في الثقافة الإسلامية، حيث يرى أن أهمية وجود مثل هذه الأطروحات، وما تجره من انتقادات لأصحابها كفيل بتحريك بعض المياه الراكدة في حقل العلوم الإسلامية في العصر الحالي على وجه الخصوص.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
أضف تعليقاً
* اختياري
